بقلم حسن عبّاس:

منذ أن بدأ هجوم القوات العراقية الهادف إلى استعادة الفلوجة من سيطرة داعش، انقسم الجمهور العربي بشكل حاد. ومنذ الساعات الأولى للهجوم، غرّدت شخصيات سعودية وازنة ضد الهجوم، لكن ما هو موقف المملكة العربية السعودية؟

معركة مواقف حامية

في تغريدة كتبها، قال السياسي ورجل الدين العراقي إياد جمال الدين:

https://twitter.com/Ayadjamaladdin/status/734772974407012352

لم تأتِ تغريدة جمال الدين من فراغ. فحقيقة الأمر هي أن الكثيرين من رجال الدين السعوديين البارزين اتخذوا موقفاً ضد الهجوم على الفلوجة منذ لحظاته الأولى، ومن الهاشتاغات التي استخدموها #الفلوجه_تذبح، وذلك ربما قبل سقوط أيّة ضحية مدنية من أبناء المدينة.

فكتب الداعية الإسلامي الشيخ عائض القرني:

https://twitter.com/Dr_alqarnee/status/734832487113838593

وكتب الداعية عبد الوهاب الطريري:

https://twitter.com/altriri/status/734835155777560577

كما غرّد الداعية محمد العريفي:

https://twitter.com/MohamadAlarefe/status/734794616558473216

وقال إمام وخطيب مسجد قباء في المدينة الشيخ صالح المغامسي:

https://twitter.com/SalehAlmoghamsy/status/735117061756702720

تباينات سياسية؟

جبهة الهجوم على معركة الفلوجة لم تقتصر على رجال الدين السعوديين. فقد تبعهم كتاب ومحللين سياسيين عادةً ما يُستشهد بمقالاتهم لفهم الموقف السعودي من بعض القضايا.

فعلى سبيل المثال، كتب جمال الخاشقجي:

https://twitter.com/JKhashoggi/status/734689621846700032

ومن أوائل التغريدات الخارجة عن السياق المذكور، ما كتبه المغرد مجتهد، إذ كشف أن هنالك:

https://twitter.com/mujtahidd/status/735081409711378432

وبعد وقت قصير، كتب الكاتب في صحيفة الجزيرة السعودية محمد آل الشيخ:

https://twitter.com/alshaikhmhmd/status/735120772419747840

وفي اليوم نفسه، التقى السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان بوزير الدفاع العراقي خالد العبيدي. وجاء في بيان صادر عن وزارة الدفاع العراقية أن السبهان هنأ الوزير بـ"الانتصارات الكبيرة التي تحققها القوات المسلحة العراقية في مسارح العمليات"، وأكّد له أن "العراقيين بمواجهة داعش وفكره المتطرف إنما يدافعون عن أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط".

طبعاً، لم تقوّل وزارة الدفاع السفير ما لم يقله. وهذا ما أكّدته تغريدة للسفير قال فيها:

https://twitter.com/thamersas/status/735201070650032128

وفي تغريدة ثانية، استخدم السبهان مصطلح "تحرير الفلوجة"، ما دفع بإياد جمال الدين إلى التغريد:

https://twitter.com/Ayadjamaladdin/status/735241931358363648

ما الذي يحدث؟

"من حيث المبدأ، مسألة تحرير أرض عراقية من احتلال داعش أو غير داعش هي أمر سيادي للدولة العراقية". هكذا بدأ الكاتب والمحلل السياسي السعودي عقل الباهلي حديثه لموقع (إرفع صوتك).

واعتبر الباهلي أن "ما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي في السعودية، سواء من المحافظين أو من التيار المدني، هو في النهاية رأي وتوظيف للأحداث الإقليمية في خدمة الخصومات الأيديولوجية، وهذا ما يحدث منذ خمسينيات القرن الماضي".

وشرح أن "ما اعتاد الشارع السعودي عليه هو أنه مع أيّ حدث يحدث، يبدأ كل تيار بإبداء رأيه محاولاً القول إنه يعبّر عن موقف الحكومة".

لكنّه أكّد أن "ما يُسجَّل كموقف رسمي هو ما يصدر عن القيادة السياسية أو عن ناطق رسمي حكومي".

بعد موقف السفير السعودي المذكور، خفّتت حماسة الدعاة السعوديين الذين استنفروا في أول أيام المعركة ضدها.

ولاحظ الباهلي أنه "حينما تعلن الحكومة السعودية موقفها، يبدأ كثيرون بالتراجع والتخفيف من حدّة مواقفهم"، لافتاً إلى أن "موقف المملكة هو ما عبّر عنه السفير السعودي في بغداد. ولذلك لا أحد يرغب في أن يقول رأياً صادماً للرأي الرسمي، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال تخفيف التيار المحافظ للهجته".

ولكن، من ناحية ثانية، عبّر الباهلي عن اعتقاده بأن "المملكة تريد القضاء على داعش لأنها من أكثر الدول تعرضاً لمخاطر هذا التنظيم. لكنها في نفس الوقت ترغب في أن تطلعها الحكومة العراقية على كيف سيجري الحفاظ على حياة المدنيين".

ولفت الباهلي إلى أن السعودية حريصة على عدم تمدّد داعش لأنه يمثل خطراً عليها نظراً لقرب الحدود السعودية مع مناطق الصراع في العراق.

وتابع أن "ما يرفع مخاوف السعودية هو التواجد الفج للقيادات الإيرانية مع قوات الحشد الطائفي (الحشد الشعبي)".

وردّ "الغضب السنّي" من معركة الفلوجة إلى "الهجمة الطائفية من إيران والقوى الشيعية المشاركة مع الحكومة العراقية". وتساءل "ما هو المبرّر لوجود قاسم سليماني على أطراف الفلوجة؟".

وخلص إلى أن "الموقف الرسمي هو الموقف المسؤول أمام الشعب السعودي والعربي والأممي. أما الرأي العام من كل الأطراف فهو حقهم لكنه غير ملزم لأحد".

*الصورة: عناصر في القوات العراقية قرب الفلوجة/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.