أربيل - بقلم متين أمين:

"منذ ثلاثة أعوام وأنا انتظر اللحظة التي أسمع فيها ببدء عملية تحرير الفلوجة. اليوم اشعر كما لو أنّني ولدت من جديد، فالبعد عن الدار والعيش كنازح أمر صعب جداً واتمنى أن أعود قريباً إلى الفلوجة"، بهذه الكلمات بدأ أبو محمد، أحد مواطني الفلوجة النازحين في إقليم كردستان حديثه لموقع (إرفع صوتك).

يلفت أبو محمد إلى أن النازحين لقوا الترحيب من مواطني إقليم كردستان خلال الفترة الماضية، وأنّهم مدوا لهم يد العون منذ لحظات نزوحهم الأولى. لكنّه يضيف أنّ أوضاع النزوح صعبة "والبعد عن الارض ليس كمثله مصيبة".

"أنا، ومنذ اللحظة الأولى من نزوحنا من مدينتنا، أعدّ الأيام للعودة إليها مرة أخرى، رغم أن تأخير عمليات التحرير أصابني ببعض اليأس. لكنني لطالما كنت أنتظر يوم العودة، وها هو سيحل قريبا ذلك اليوم، سنعود إلى الفلوجة بعد تحريرها مباشرة".

ما بعد التحرير

يشكّل تحرير المدن من داعش خطوة أساسية بالنسبة للعراقيين، لكنّه كذلك يثير التساؤلات حول مرحلة ما بعد التحرير وشروط عودة النازحين إلى مدنهم والسبل لإعادة المناطق المحرّرة إلى حالها السابق وإتاحة التعافي لها من كل ما مارسه المتطرفون على أراضيها.

في هذا السياق، يُحدد الخبير الاقتصادي، نصرت عبد الرحيم، أبرز التحديات التي تواجه النازحين عند العودة إلى مناطقهم المحررة، في حديث لموقع (إرفع صوتك)، ويلخصها بما يلي:

أولاً: التحديات المتمثلة بالبنية التحتية، التي دمر معظمها في المناطق التي تواجد فيها داعش والتي كانت ساحات للقتال.

ثانياً: التحديات المتعلقة بالسكن، فالكثير من النازحين عند العودة يجدون بيوتهم شبه مدمرة، بالإضافة إلى المعوقات الخاصة بالألغام والعبوات الناسفة التي زرعها تنظيم داعش في كل مكان.

ثالثاً: التحديات المتعلقة بالجانب المادي، فالنازحون يعانون من النقص المادي إثر النزوح.

ويرى عبد الرحيم أنّ على الحكومة العراقية مراعاة النازحين من هذا الجانب عند عودتهم إلى مناطقهم للممارسة حياتهم ولو بالحد الأدنى. كما يُشدد على أنه من الضروري أن تسرع الحكومة في عمليات تحرير ما تبقى من المناطق من تنظيم داعش وأن تكون حازمة في ذلك.

كما تواجه النازحين تحديات نفسية واجتماعية وكذلك هذه التحديات تواجه من عاش تحت حكم داعش لإعادة تأهيله بعد كل ما شهد من فظائع.

ضرورة الأمن

المواطن أسامة الراوي يضع شرطاً للعودة إلى مدينته بعد التحرير، ويقول لموقع (إرفع صوتك) "إن شاء الله بعد التحرير نعود إلى مناطقنا، لكن بشرط أن يستتب فيها الأمان وتؤمن أراضينا بالكامل، حينها سنعود بالتأكيد دون أي تأخير".

ويضيف الراوي "واجهنا معاناة كثيرة خلال النزوح ومنذ اللحظة الأولى التي تركنا فيها مناطقنا، وكل فترة وأخرى نضطر للسكن في منطقة جديدة، وهذا من أصعب الأمور"، داعياً في الوقت ذاته إلى فسح المجال أمام أبناء المناطق المحررة لكي يتولوا حماية مناطقهم دون مشاركة جهات أخرى "فأهل المنطقة هم الأدرى بمنطقتهم ومشاكلها وحلولها".

قلة الخدمات

بدوره، يرى المواطن علي الغزال أن العودة في البداية إلى المناطق المحررة ستكون صعبة بسبب نقص الخدمات، ويعتمد في كلامه على ما واجهه نازحو المناطق المحررة مسبقاً عندما عادوا إليها.

ويقول لموقع (إرفع صوتك) "عندما عاد قسم من النازحين إلى مناطقهم التي تحررت في وقت سابق خلال نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي، تفاجأوا بقلة الخدمات في محافظاتهم بالإضافة إلى عدم تطهير مناطقهم من الألغام والمتفجرات بالكامل. ولهذا منعت القوات الأمنية عودة العوائل إلى بعض المناطق لأن عمليات تطهيرها من العبوات الناسفة لم تكتمل بعد".

ويختم الراوي حديثه قائلاً "كي نعود إلى الفلوجة ينبغي أولاً تأمين المناطق والمنازل من المتفجرات والألغام، وتوفير الخدمات بشكل كامل وتوفير المواد الغذائية والمشتقات النفطية وفتح الطرق المغلقة".

*الصورة: مخيم للنازحين في أربيل/بعدسة مراسل إرفع صوتك في إقليم كردستان

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.