بقلم إلسي مِلكونيان:

يعتبر البعض أن هوية الشخص تحددها بعض البيانات المكتوبة في بطاقته الشخصية، وتحدد أيضاً انتماءه إلى بلد معين. لكن الصراعات التي شهدتها بعض الدول العربية على أساس الاختلاف الإثني (الديني والعرقي) لبعض مواطنيها، جعلت لموضوع الانتماء الذي تحدده البطاقة الشخصية أبعاداً أكبر وأعمق من مجرد بيانات.

ولعل دراسة الظروف التي أحاطت بـ"المجموعات الإثنية" قد تساعد في فهم الأسباب التي دفعتها إلى صراع من أجل هويتها وقد يفسر كيف يجب على الحكومات الحالية أن تتعامل معها.

 رؤية الفرنسي- اللبناني أمين معلوف للهوية  

نشر كتاب "الهويات القاتلة" لكاتبه أمين معلوف سنة 2004، فسّر فيه الأسباب والدوافع حول صراع الهويات. وبعد مرور 12 عاما ما زلنا نرى تبعات الصراعات التي تحدث عنها معلوف (ونركز هنا على الصراعات ذات الطابع الإثني) مترسخة في سجالات الشباب وجدلهم.

اقرأ أيضاً:

سكّان الأهوار واستعادة الفردوس

الحياة الأميركية بعيون عائلة عراقية

يشرح الأديب اللبناني في كتابه أن الهوية ليست أمراً فطرياً، بل إنها شيء مورث، وقد يكون للشخص أكثر من انتماء واحد. فهو  وجد نفسه منتمياً إلى موطنه لبنان، وإلى فرنسا وهي البلد التي عمل فيها وإلى الدين المسيحي وإلى المسلمين لأنه يتكلم اللغة العربية. يقول معلوف أن تنوع الانتماء هو "ما يصنع قيمة الفرد ويجعل من كل فرد كائناً فريداً غير قابل للاستبدال".

ويقول معلوف أن الهوية "لا تُعطى مرة وإلى الأبد.. فهي تتشكل وتتحول على طول الوجود". ولكنه يشير إلى خطورة أن "تختزل الهوية إلى انتماء واحد" لأنها تصبح عندئذ "هوية قاتلة" تضع "الرجال في موقف متعصب ومتسلط ومتحيز".

إن الاستناد إلى هذه التفاسير قد يساعدنا على فهم أبرز الصراعات الإثنية في العالم العربي التي أصابت أمازيغ الجزائر وكرد العراق والتغيير الذي دفعهم إلى وضعية "الدفاع عن هوياتهم".

الأمازيغ: المشكلة في الاستبداد

يتجدد الحديث عن وضع الأمازيغ في الجزائر بين فترة وأخرى في إطار الوضع القانوني للهجتهم تارة وانتماءاتهم الوطنية تارة أخرى.

يقول أدريس أولهيان، أحد متابعي صفحة الفيسبوك لموقع (إرفع صوتك) "نحن أمازيغ (مكاننا هنا في شمال أفريقيا) والعرب (مكانهم) في الخليج العربي". بينما يعلق أكسيل أوهانو وهو متابع آخر بلهجة شديدة أن "الأمازيغية ليست مجرد لهجة". ويعلق ثالث باسم عبد الأحد الرشوي "أن الأمازيغية هي لهجة وليست لغة وأن دستور الأمة هو القرآن".

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية تؤكد عدد الأمازيغ في الجزائر، إلا أن البرلمان الجزائري صادق خلال شهر شباط/ فبراير ليعتبر الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وتبع ذلك الجدال حول كتابة الحرف الأمازيغي: العربي أو اللاتيني. وسبب الجدال بين الأمازيغيين أنفسهم يعود إلى الهوية التي يريدون أن ينتموا إليها.

يشرح المؤرخ الأمازيغي محمد الزرقي فرّاد في حديث لموقع (إرفع صوتك) قائلاً إن "أنصار الأمازيغية شقان: طرف يحاول تطويرها ضمن تاريخها السياسي في وعاء الحضارة العربية الإسلامية وفريق آخر يسعى لأن يكتبها بالأحرف اللاتينية وربط مصيرها بأوروبا".

ولكن يبدو أنه من الصعب تنميط قضية الهوية الإثنية للأمازيغ مع الصراعات الإثنية الأخرى في الدول العربية بسبب اختلاف الظروف التي دفعت إلى جدل الهوية أو اللهجة أو الحرف الأمازيغي. ويشرح المؤرخ فّراد أن تنميط القضية الأمازيغية كالقضية الكردية هو "خطأ فادح" لأن الهوية الوطنية للأمازيغيين هي هوية جزائرية ذابت في الإسلام، مما ألغى الاختلاف بين الأمازيغي والعربي، بخلاف المشرق العربي حيث التطرف باسم القومية العربية التي أسسها ميشيل عفلق، حسب فرّاد.

لكن التغير الذي طرأ على "الهوية الأمازيغية" بدأ مع استقلال الجزائر في 1962. يوضح فرّاد أن الأزمة بدأت مع " الاستبداد السياسي، أي بعد الاستقلال من الانتداب الفرنسي، والذي أقصى المكوّن الأمازيغي للشخصية الجزائرية المكونة أصلاً حسب التسلسل التاريخي من ثلاثة مكونات وهي المكون الأمازيغي والمكون الإسلامي ثم المكون العربي".

الكرد: الإقصاء التاريخي

يصعب تقدير عدد الكرد في العراق بسبب غياب الاحصاءات الرسمية، لكنهم راضون عن نسبة 17 بالمئة من عموم الشعب العراقي وهي ذاتها المخصصة لهم في موازنة البلاد منذ العام 2007. وحسب ناشطين فإن مشكلة الكرد تعود إلى الأحداث السياسية التي أحاطت بهم منذ تأسيس الدول الحديثة في منطقة الشرق الأوسط عقب الحرب العالمية الأولى.

 ويقول محمد الأفندي وهو صحافي وناشط كردي إن "تعامل الحكومات المتعاقبة مع الكرد بعد عام 2003 أدى إلى تغير هويتهم بسبب تهميش الحكومات لهم بنفَس مذهبي مقيت، مما ولّد عندهم هواجس بأنهم ليسوا مواطنين أصليين في العراق، لذلك سعوا إلى إنشاء فدرالية أو إقليم خاص بهم وما نراه اليوم هو النتيجة".

إذن كيف يجب على الحكومات أن تتعامل مع هذه الجماعات الإثنية؟

هنا يتحدث أمين معلوف عن "صراعات الشرق الأوسط". لكن هناك اختلافا واضحا بين صراعات دول المشرق وصراعات المغرب العربي. وتعامل الحكومات انعكس في رؤية المجموعات الإثنية لمستقبلها. ومن هذا المنطلق يرى فرّاد أن "الأمازيغ يشاركون في السلطة منذ 50 سنة وهويتهم جزائرية ومستقبلهم فيها".

أما بالنسبة لكرد العراق، فالوضع مختلف، حيث يوضح محمد الأفندي أن "البطاقة الشخصية بالنسبة لأي مواطن في العالم هي حبر على ورق ولكن ما يعنيه الوطن فعلاً هو أن  يمنح المواطنين على اختلاف إثنياتهم ومذاهبهم حقوقاً متساوية كالتعليم والمشاركة في السلطة"، فيتم بذلك تجنب أي صراعات مبنية على اضطهاد الأقلية الإثنية، لأنها تؤدي إلى تطرف وإرهاب.

الصورة: فتاة كردية في العراق بزيها الشعبي/ Shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.