أربيل - بقلم متين أمين:

"غالبية المشاكل التي يشهدها العراق حالياً هي بسبب الأحزاب والأطراف السياسية وليست بسبب العلاقات بين الأديان والطوائف المتنوعة، رغم أنها مصبوغة بصبغ طائفي أو قومي"، بهذه الكلمات بدأ المواطن الكردي آلان صاحب حديثه لموقع (إرفع صوتك)، عما يدور في البلد من أحداث.

ويعتقد آلان الذي يعيش في مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق أن الأحزاب السياسية في العراق أصبحت مصدرا ومسببا للمشاكل التي يعاني منها هذا البلد، "فإن لم تكن هناك مشاكل بين الأحزاب السنية والشيعية، لن تكون هناك أي مشكلة في العراق".

اقرأ أيضاً:

بالصور… آثار سنجار التي دمرها داعش

المواطن الجزائري بين الإسلام والهوية الإثنية والوطن

واتهم آلان الأحزاب السياسية بإثارة المشاكل الطائفية والمذهبية والقومية "من أجل أن ترسخ مصالحها بشكل أكبر ومن أجل أن تحصل على عدد أكبر من المقاعد في مجلس النواب".

وجود أكثر من مكون في العراق ليس بمشكلة، بحسب ما يقول، "ولن يغير من الأمر شيئا، لأن مشكلتنا أكبر من هذا، وتتمثل في الحرب ضد الفاسدين، الذين يسرقون خيرات البلد في وضح النهار".

مأزق العيش بحرية

وقد عصف العنف الطائفي في العراق بين عامي 2006 و2008، متمثلا بمجموعة أعمال عنف وعمليات قتل جماعي وتفجيرات كانت تستهدف تجمعات سكنية أو مدنية عامة مثل الأسواق والأحياء السكنية المدنية.

يختلف المواطن محمد داود، من مدينة الموصل، في الرأي عن آلان. ويؤكد أن الصراعات الدينية "أثرت بشكل كبير على الوضع في العراق وجعلت البلد في مأزق". وأوضح في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن المشاكل الطائفية في العراق "وصلت إلى حد أن المواطن لا يستطيع أن يتنقل من محافظة إلى أخرى ليعيش فيها ويمارس فيها طقوسه الدينية أو القومية بحرية".

ويشير داود إلى أنّه عندما يلتقي شخصان عراقيان، "يكون التعامل بينهما بشكل جيد جدا. لكن عندما يعلم أحدهما أن المقابل من غير ديانته أو من غير طائفته ومذهبه سيتغير التعامل بينهما فورا".

ويُشدد داود على أن المجتمع العراقي بكامل مكوناته "بحاجة إلى التوعية وزرع روح التعايش في الشخص منذ صغره لكي يكبر على روح المحبة واحترام الآخر المختلف عنه".

مرآة السياسة

الأحداث الطائفية في البلاد، كما يراها الكثير من العراقيين، مرآة للسياسة. ويقول المواطن علي محمد إن "الأحداث التي تشهدها العراق ليست دينية أو طائفية بحتة، بل هي مشاكل وتصفية الحسابات بين السياسيين والأطراف السياسية".

كما يشير في حديثه لموقع (إرفع صوتك) إلى عوامل كثيرة أودت بالحال إلى ما هو عليه اليوم،  ومن ضمنها المشاكل بين العشائر والقبائل والمشاكل القومية.

هذه المشاكل، بحسب محمد، ظلت متراكمة لعقود عديدة دون أن تعالج لحين وصلت إلى حد الاحتقان "الذي أسفر عنه سيل نهر من دماء العراقيين الأبرياء من مختلف الأديان والقوميات والمكونات الأخرى".

من جهتها، ترى المواطنة شيلان سرمد، أن الحكومات العراقية المتعاقبة والقادة البارزين في البلد "كانوا وما زالوا يعملون بشكل ممنهج للحط من ثقافة الشعب وتدني مستوى التعليم".

وتقول لموقع (إرفع صوتك) إنّ "الطبقة الحاكمة تشغل الشعب بالجوع والمشاكل والمصطلحات المتداولة من طائفية وقومية وحروب واختلاف ديني وغيرها من أمور تعتبر ثانوية لدى الشعوب المتطورة. الأجدر بهم أن يعملوا على نهضة بيئتنا وجعل التنافس على الاستثمار فيها لا مثيل له".

وتخاطب شيلان السياسيين قائلة "لا أعلم كيف لا تخجلون من إرسال أطفالكم للعيش والدراسة في البلدان الغربية وتتلقون الرعاية الصحية والعلاج في الدول الأخرى من دون خجل أو حياء، رغم أنكم قادة هذا البلد!".

أما المواطن، رزكار عبد الله، فيشير إلى أن الطائفية والمذهبية تحد من ثقافة التنوع والاختلاط بين أبناء المجتمع.

ويقول لموقع (إرفع صوتك) إن ما يجمعه بمواطن آخر ضمن نفس البيئة هو اللغة والعادات والتقاليد. "أنا لا أخضع سوى لقانون ودستور منطقتي، لكن الطائفية والمذهبية مصطلحات نتجت من اجتهادات أشخاص وتجعلنا خاضعين لشروط هذه الطائفة أو ذاك المذهب وبهذا تصعب اختلاطنا وسير حياتنا وتمنعنا من التصرف بحرية، وهذا بالفعل ما يحدث في عراق اليوم".

*الصورة: "الطبقة الحاكمة تشغل الشعب بالجوع والمشاكل والمصطلحات المتداولة من طائفية وقومية وحروب"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.