بقلم خالد الغالي:

النظرة السلبية للإسلام في الغرب ليست أمرا جديدا. فحتى قبل هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 بوقت طويل، كان المواطن الغربي، بتأثير من وسائل الإعلام في بلاده، يرى أن "الإسلام يمثل تهديدا بانبعاث الرجعية، التي لا تعني فقط خطر العودة إلى العصور الوسطى، بل تعني أيضا تدمير... النظام الديموقراطي في العالم الغربي"، حسب مقال كتبه إدوارد سعيد سنة 1998. أما بعد هذه الهجمات، فزادت الصورة قتامة. ولم يتمكن مرور أكثر من 15 عاما على هذه الأحداث من تحسين الوضع.

من سيء إلى أسوأ

أجرت شبكة ABC الأميركية، ثلاثة أسابيع فقط بعد هجمات برجي التجارة العالمي سنة 2001، استطلاع رأي لبحث تأثير الهجمات الإرهابية على صورة الإسلام والمسلمين لدى المواطن الأميركي. إلى حدود ذلك التاريخ، كان 47 في المئة من الأميركيين ما يزالون يحملون رأيا إيجابيا حول الإسلام. أمام اليوم، فإن 61 في المئة من الأميركيين باتوا يحملون نظرة سلبية عن الإسلام، وفق ما يؤكده استطلاع رأي أجراه "كرسي أنور السادات للسلام والتنمية" وهو مركز في جامعة ميريلاند الأميركية سنة 2015.

وحتى في اللحظات التي يبدو فيها أن هناك "تقاربا" واهتماما من المواطن الغربي بقضايا العالم الإسلامي، فإنه نظرته للإسلام لا تتغير. ففي سنة 2011، كان 70 في المئة من الأميركيين متعاطفين مع مصر خلال الربيع العربي. إلا أنهم، وبنسبة 61 في المئة، كانوا يحتفظون بنفس نظرتهم غير الإيجابية عن الإسلام.

لا يختلف الأمر كثيرا في أوروبا، ففي استطلاع رأي أجراه معهد "إيفوب" الفرنسي، تبين أن صورة الإسلام ساءت عما كان عليه الحال سنة 2010. فقد صار قرابة ثلثي الفرنسيين (63 في المئة) يعتقدون أن نفوذ الإسلام في بلدهم أكبر مما ينبغي، وذلك بزيادة ثماني نقاط عن سنة 2010. كما أن 68 في المئة منهم يرون أن المسلمين "غير مندمجين بصورة جيدة في المجتمع"، بل إن 47 في المئة يرون وجودهم تهديدا، بزيادة خمس نقاط عن 2010.

ويحمّل الفرنسيون، بنسبة عالية تصل إلى 67 في المئة، المسلمين مسؤولية "رفض الاندماج" في المجتمع الفرنسي، بل إنهم يرون أن الإسلام نفسه لا يتوافق مع مبادئ وقيم الجمهورية الفرنسية. وهو ما يؤمن به 74 في المئة من الفرنسين حسب استطلاع أجراه معهد إيسبوس لصالح جريدة لوموند سنة 2013.

غياب التواصل الحقيقي

لا يعرف الغربيون الشيء الكثير عن الإسلام. في تشرين الأول/أكتوبر 2001، أكد 65 في المئة من الأميركيين أنه ليست لديهم معرفة أساسية بالإسلام. ولم يتغير الوضع كثيرا سنة 2015، فـ30 في المئة من الأميركيين ليست لهم معرفة جيدة بالإسلام، و25 في المئة لا يعرفون شيئا مطلقا. فقط تسعة في المئة أكدوا أنهم يعرفون الإسلام جيدا، بينما 35 في المئة يعرفون قليلا عن الإسلام.

هنا، يظهر فرق واضح: 59 من الذين لهم معرفة بالإسلام يصرحون أنه دين مسالم، فيما تقل هذه النسبة بـ19 نقطة عند الذين ليس عندهم معرفة بالإسلام. هؤلاء تشكل رأيهم في غياب أي تواصل مع الإسلام. وقد يكون هذا هو حال أغلب الرأي العام الأميركي والغربي، فـ74 في المئة من الأميركيين يصرحون أنه لم يسبق لهم أن عملوا مع مسلم، و68 في المئة لم يسبق أن كان لهم صديق مسلم، و87 في المئة لم يسبق أن دخلوا مسجدا.

ولا يختلف الوضع كثيرا في أوروبا: 63 في المئة يؤكدون أنهم لا يعرفون الإسلام بشكل جيد. وفي بريطانيا، أربعة من كل خمسة أشخاص يقولون إن معرفتهم بالإسلام "أقل من قليلة".

وعلى الأرجح، سيصير الوضع أكثر تعقيدا مستقبلا، وسيستمر تشكل وجهات النظر عن الإسلام انطلاقا مما تبثه وسائل الإعلام ومن الأفكار النمطية والصور المشوهة التي تتركها العمليات الإرهابية، خاصة في ظل العدد القليل من الغربيين الذين يبدو اهتماما بالتعرف على الإسلام: 39 من الأميركيين فقط يبدون ذلك، فيما يصرح 44 في المئة أنهم لا يرغبون و17 في المئة لا يعرفون.

هكذا، وفي غياب أي تواصل حقيقي، وفي ظل استمرار العمليات الإرهابية في الدول الغربية، ستزداد صورة الإسلام ظلاماً في الغرب. مثلا، في سنة 2002 كانت نسبة 25 في المئة فقط من الأميركيين ترى أن الإسلام يشجع أكثر من أي  دين آخر على العنف. أما اليوم، فقد ارتفعت هذه النسبة إلى 46 في المئة. في المقابل، تراجعت نسبة الذين يعتبرون أن الدين الإسلامي لا يشجع على العنف (51 في المئة سنة 2002 مقابل 45 سنة 2015). وهو ما يؤكد عليه الرسم البياني التالي من مركز بيو للأبحاث.

islam

*الصورة: قادة أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا يرفعون لافتات ضد "أسلمة المدن" في تظاهرة في بلجيكا سنة 2008/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.