بقلم حسن عبّاس:

يدّعي تنظيم داعش في بعض إصداراته المرئية والمسموعة أنه يمثّل أهل السنّة والجماعة والإسلام الحق، ويدعو أهل السنّة للهجرة إلى ما يسمّيه "دولة"، مشبّهاً ذلك بهجرة الرسول والمؤمنين. ولكن من الواضح أن السنّة لا يستميلهم هذا الخطاب بدليل أن هجرتهم هي من مناطق سيطرة داعش إلى مناطق أخرى بعكس رغبات التنظيم.

وأكّد الخبير الأردني في الجماعات والحركات الإسلامية مروان شحادة لموقع (إرفع صوتك) أن فرضية فشل استقطاب داعش لأشخاص إلى مناطق سيطرته صحيحة حالياً.

وشرح أنه "عام 2014، نجح في استقطاب عشرات الآلاف من بلدان غربية وعربية وخاصة من فئات الشباب الذين كانوا يعيشون في غربة عن المجتمعات الإسلامية ويتوقون إلى العيش في بلد إسلامي تحكمه الشريعة فظنّوا أن داعش يحقق لهم ذلك".

هجرة كهجرة الرسول

ومنذ البداية، كان داعش يعلم أن سيطرته لا يمكن أن تستمر بلا سكّان، فغياب عنصر السكّان يقضي على مشروع "دولته" المزعومة.

ففي أول كلمة علنية له، خصص زعيم داعش أبو بكر البغدادي معظم كلامه لدعوة الناس إلى الهجرة إلى مناطق سيطرة التنظيم.

وقال "هلموا إلى دولتكم أيها المسلمون نعم دولتكم هلموا فليست سورية للسوريين وليس العراق للعراقيين إن الأرض لله يورثها مَن يشاء والعاقبة للمتقين".

وأضاف "فيا أيها المسلمون في كل مكان، مَن استطاع الهجرة إلى الدولة الإسلامية فليهاجر فإن الهجرة إلى دار الإسلام هي واجبة".

وخصّ البغدادي في دعوته طلبة العلم والعلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الكفاءات العسكرية والإدارية والخدمية والأطباء والمهندسين في كافة التخصصات والمجالات، وقال عن هؤلاء "إن النفير واجب عليهم وجوباً عينياً لحاجة المسلمين الماسة إليهم".

وبعد نحو سنة من تلك الكلمة، عاد ودعا في أخرى إلى الهجرة إلى مناطق سيطرة تنظيمه. وقال "ليس هناك أي سبب يمنع أي مسلم من عدم الهجرة إلى أرض الخلافة أو الإنضمام والقتال في صفوفها إذ يعد ذلك واجب كل مسلم".

لكن الحملات العسكرية ضد داعش وممارساته الوحشية دفعت الناس إلى العدول عن قرارهم أو الهروب من مناطق سيطرته.

و"حدثت في الآونة الأخيرة محاولات هروب على مستويات فردية وجماعية شملت أشخاصاً كانوا في مواقع قيادية. وهؤلاء الهاربون يتحدث بعضهم عن جهل في تطبيق الشريعة وغلوّ في تطبيق الحدود. ولكن بعضهم الآخر يصرّح بأن حالة الحرب هي التي دفعته إلى الهروب"، والكلام لمروان شحادة.

هرب بالآلاف

في تقرير نشرته قبل فترة وجيزة وكالة "رويترز"، نقلت عن "هيئة منتسبة للأمم المتحدة تراقب التحركات السكانية داخل سوريا وطلبت عدم الكشف عن هويتها من أجل حماية العاملين فيها"، معلومات عن هروب ما لا يقل عن ستة آلاف شخص من مدينة الرقة السورية إلى مناطق أخرى من سورية خلال شهور حزيران/يونيو وتموز/يوليو وآب/أغسطس الماضية.

كما قالت الهيئة إن أكثر من 5500 شخص رحلوا عن محافظة دير الزور في شرق سورية.

وأشارت إلى اتجاه كثيرين من الهاربين من المناطق التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي حول الموصل في العراق أيضاً عبر الحدود إلى محافظة الحسكة السورية.

ويكابد الهاربون مصاعب رحلة شاقة. فقد روى التقرير نفسه قصة أسرتين من مدينة تلعفر، قرب الموصل في العراق، دفعتا 32 ألف دولار لمهربين لنقلهما خارج مناطق سيطرة داعش في سورية، أي لمسافة 500 كيلومتر تقريباً، داخل صهاريج للوقود.

ومن هنالك سار أفراد الأسرتين مسافة الـ25 كيلومتراً الأخيرة للوصول إلى نقطة أمنية تابعة للجيش السوري الحر خارج بلدة الراعي على الحدود التركية.

وتزيد وتيرة الهرب من مناطق داعش مع الحديث عن اقتراب بدء حملة تحرير الموصل.

وأكّد مروان شحادة أن "عامل الخوف والهلع من استهداف مناطق سيطرة داعش أساسي في دفع الناس إلى مغادرة هذه المناطق".

وأشار إلى أن التنظيم بدأ بالعمل على منع الناس من مغادرة مناطقه في سلوك شبّهه باستخدامهم كدروع بشرية.

محاولة استدراك

يعي داعش أن تأسيسه لمشروعه سيفشل لو لم ينجح في استقطاب ناس إلى مناطق سيطرته. ولإدراكه ظاهرة هروب ناس من هذه المناطق عوضاً عن استقطاب آخرين إليها، قام في نهاية العام الماضي بحملة إعلامية واسعة لاستقطاب أتباع وخاصة من أصحاب الكفاءات، وأنتج أكثر من 10 أشرطة مصوّرة لهذا الغرض.

في أحد تلك المقاطع، حرّم داعش الهجرة إلى "بلاد الكفر" واصفاً إيّاها بأنها "إثم كبير"، ودعا الراغبين في اللجوء إلى الهجرة إلى ما سمّاه "بلاد الإسلام والمسلمين"، وهاجم ظاهرة اللجوء إلى أوروبا وقال للاجئين "ما هي فائدة عيشك بسلام مع خسران دينك؟".

واعتبر مروان شحادة أن داعش فشل في دعوته الناس العاديين إلى الانضمام إلى منظومته وقال "الناس لا يستسيغون العنف والتوحّش. غالبيتهم تنزع نحو الاعتدال والتسامح والعيش الكريم والاستقرار والأمن".

ولفت إلى أن داعش نجح، في البداية، في استثمار التوترات الطائفية في العراق وسورية فقد "استجابت له بيئة حاضنة سنّية لأنها عانت من ممارسات الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية، وهؤلاء لم يكن لهم سبيل إلا الالتجاء إلى داعش الذي وعدهم بالحفاظ على حياتهم، فقد نجح في تصوير نفسه كحامٍ لأهل السنّة والجماعة".

ولكن في المجتمعات المستقرة التي لا تشهد توترات طائفية، تابع شحادة، لم ينجح التنظيم، منذ البداية، إلا في استقطاب قلّة من معتنقي الإيديولوجيات السلفية الجهادية.

*الصورة: امرأة في مخيم للاجئين/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.