متابعة (إرفع صوتك):

فيما لا يعني تعبير "إعلان ساعة الصفر" الخاصة بانطلاق العمليات القتالية، حسم المعركة بطريقة مؤكدة، إلا أن هناك في العراق من بات على يقين "عوّدتنا القوات الأمنية العراقية أن يكون إعلان ساعة الصفر مقرونا بإعلان عرس النصر"، بحسب ابن الشرقاط علي البيدر.

بينما ينقل ابن المدينة ذاتها حسين العنكود لموقعنا مشاهد من معركة العراقيين لتحرير الموصل من قبضة داعش، انطلاقا من موقعه المحاذي للحدث الكبير، فضلا عن صلاته الوثيقة بـ"أهل وشخصيات محل ثقة" في مدينة "أم الربيعين".

البيدر والعنكود، ينقلان ملاحظات مستقاة من "أرض الميدان" تتعلق بسير العمليات في الطريق إلى الموصل:

* قوات البيشمركة تحرر المزيد من القرى من المحور الشرقي للموصل لكن سعة المنطقة هناك، تفرض نوعا من البطء بالحركة لتطهير القرى المحررة قبل الاستمرار بالتقدم .

* المسافة التي تفصل قوات الجيش المهاجمة من المحور الشرقي عن الموصل هي أقرب كثيرا من المسافة التي تفصل الجيش في المحور الجنوبي عنها.

* داعش لم يغادر الموصل أو يهرب منها كما يصوّر البعض، بل هو يتخفّى ويقللّ من تواجده في الطرقات خشية من القصف.

* لن يقاتل داعش في الساحل الأيسر الشرقي للنهر كثيرا، بينما سيقاتل في الساحل الأيمن الغربي للنهر لأسباب كثيرة، أهمها أن الأيمن هو الأقدم تاريخيا وبيوته أكثر التصاقا ببعضها وتحتوي على سراديب وممرات ضيقة بين الأزقة والأحياء، إضافة إلى أنه يفضل المواجهة مع الجيش العراقي انطلاقا من تجربة حزيران/يونيو 2014، فيما يكتفي بالقصف والمفخخات مع قوات البيشمركة، التي كبّدته خسائر كثيرة ولم تهزم أمامه في أي معركة منذ أكثر من عام ونصف.

* عناصر التنظيم يستخدمون الدراجات النارية في تنقلهم خوفا من الاستهداف في حال استخدامهم السيارات الكبيرة منها وحتى الصغيرة.

* حالة من التخبط يصاب بها أتباع البغدادي وهم يتنقلون بين مقراتهم التي تقصف واحدة تلو الأخرى.

* الموصليون لا يملكون سوى الدعاء ويبتهلون إلى الله أن تكون معركة المئات من أبنائهم ممن نشطوا مؤخرا في عمليات المقاومة ضد عناصر داعش منسجمة مع مراحل زحف القوات العراقية نحو المدينة وأن تكون مشابهة لما سبقها من معارك استعادة المدن.

عامان تحت ظل داعش تعني أهوال عقود

وينقل حسين العنكود عن المواطن (د.ر) الذي غادر الموصل قبل ثلاثة أيام هربا من بطش داعش، قوله "لقد رأينا شيئا عجبا ولا تكفينا كل أقلام الدنيا لتوثيق ما رأيناه. عمري ستون عاما والعامان الأخيران تحت سلطة داعش يعادلان كل ما عشته طوال حياتي، لقد قرأت كل تاريخ العالم لكن ما رأيته لم تتنبأ به حتى كتب الكهّان، وتخلصت منه أخيرا في لحظة كانت حاسمة بالنسبة لي، أنا الذي لديه عائلة تتكون من 15 ولدا وبنتا وكنّة. بعض أولادي هرب مبكرا والتحق بالجيش ولم ير أطفاله منذ أكثر من عام، والذي ساهم في تأخير هروبنا هو الإعلام المحلي الذي كان يعدنا بالتحرير القريب كل يوم، فنقول لأنفسنا طالما ان الجيش سيأتي بعد أسبوع فلا داع للمخاطرة.

لكن ما الذي جعل هذا الرجل يقدم على هذه المخاطرة؟

هنا يجيب المواطن الستيني "عندما نفد علاج زوجتي وبدأت أراها تذبل أمامي، قررت أن أغادر أنا والعائلة فجر أحد الأيام، فأودعت وثائقنا الشخصية وما لدينا من نقود قليلة لدى نسائنا، على اعتبار أن القبض علينا نحن الذكور سيؤدي إلى إعدامنا حتما، أوصيت زوجتي وصية ميت، ومضينا باتجاه النهر الذي يبعد عنا 2 كم وعرضه 70 مترا فقط وهي المسافة التي تفصلنا عن الجيش، وصلنا النهر وكانت أمامنا مجموعات من بعض الناس الهاربين من بطش داعش، وعندما بدأنا نصعد في القوارب جماعات جماعات سقطت قذيفة هاون فقتل أمامنا أربعة شبان وأصيبت امرأتان، ثم انقلب قارب آخر وغرق كل من فيه ولم نستطع انقاذهم، وصلت إلى الجيش وشعرت أنه يومي الأول في حياتي رغم أني شهدت حروبا كثيرة".

*الصورة: لاجئون عراقيون يفرون من مواقع القتال بالتزامن مع معركة تحرير الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية عادت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع
صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية أُعيدت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع

منذ بداية الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في العراق، ولغاية اليوم، تستمر محاولات لمحاربة الفكر المتطرّف والمتشدد، من قِبل منظمات محلية غير حكومية، عبر مبادرات ثقافية وفنية وتوعوية، خصوصاً في المناطق المحررة.

هدف هذه المبادرات هو محو الآثار السلبية التي خلفها داعش في مناطق سيطرته، وإعادة تأهيل ومعالجة أفراد المجتمعات المحلية التي عاشت هناك وشهدت مختلف أنواع الجرائم والانتهاكات التي مارسها.

في المقابل، تؤكد جهات حكومية بين الحين والآخر "حرصها" على إدخال عائلات مسلحي داعش من العراقيين وبقية المواطنين الذين عاشوا تحت سطوته في ظروف صعبة، مراكز للتأهيل وإشراكهم في برامج تأهيل، من أجل إعادة دمجهم اجتماعياً.

وقال مستشار الأمن الوطني العراقي قاسم الأعرجي في بيان (نوفمبر 2023): "نقلنا 11 وجبة بواقع 1567 عائلة من مخيم الهول وأدخلوا إلى مخيم الجدعة لإعادة تأهيلهم، إضافة الى إعادة 900 عائلة عراقية من مخيم الجدعة بعد إكمال التأهيل والإدماج إلى مناطقها الأصلية".

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة "المستنصرية" عصام كاظم الفيلي، لـ"ارفع صوتك": إن تنظيم داعش يمثلّ "امتداداً للفكر المتشدد الذي ربما يكاد يكون موجودا حتى قبل ولادة داعش، لذلك فهو لن ولم ينته".

ومن أسباب استمرار الفكر المتطرّف في العراق، برأي الفيلي، غياب القوانين التي تجرّم الطائفية، ما يعني استمرار الصراعات الطائفية "وشن فئات وجهات (لم يسمّها) الهجوم على طرف آخر دون احترام لخصوصية المذهب والعقيدة لهذا أو ذاك".

في الوقت نفسه، يشير الفيلي إلى أن المناطق المحررة تشهد تغييرات على المستوى الخطابي بالنسبة للسياسيين ورجال الدين المنحدرين منها، بشكل "يسهم في التخفيف من حدة الأفكار المتطرفة والمتشددة خلال المرحلة الحالية".

ويستدرك التأكيد على أهمية البدء من النظام التعليمي للقضاء على الفكر المتطرّف، الذي من خلاله أيضاً يجري بناء روح المواطنة لدى الأفراد.

 

مخيم "الهول"

لعل التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة العراقية في مجال مواجهة فكر داعش يتمثل في ذوي مقاتليه الذين عاشوا لسنوات في مخيم "الهول" شمال شرق سوريا، الذي يؤوي بحسب منظمات دولية أكثر من 45 ألف نسمة متوزعين على ما يزيد عن  60 جنسية.

ووفق إحصاءات عراقية رسمية صدرت عام 2022، بلغ عدد العراقيين في المخيم 25 ألفاً بينهم 20 ألفاً دون سن 18 عاماً، ويحتاج هؤلاء إلى برامج تأهيلية خاصة تسهم في تخليصهم من فكر داعش.

مدير مكتب العراق في "مؤسسة الجالية الكلدانية" غزوان الياس، يقول لـ"ارفع صوتك" إن "المشكلة تكمن في الفكر الذي وَلد هذا التنظيم المتشدد ومن الصعوبة أن يُقتلع من جذوره" وهناك "فئات حتى الآن وإن كانت قليلة تحمل هذا الفكر الإرهابي في مخيّلتها، وربما تكون نواة لإنشاء أجيال جديدة تؤمن به" على حدّ تعبيره.

ويبيّن إلياس: "كان من المفترض التوجه إلى خطوات متزامنة مع العلميات العسكرية أو بعد التحرير عبر المناهج التدريبية وندوات ومؤتمرات اجتماعية حقيقية لبناء السلم المجتمعي، والاستفادة من التجارب الدولية المشابهة لما عاناه الشعب العراقي، وكذلك التركيز على مفهوم المواطنة والإنسانية في التعامل بعيداً عن أي اعتبار آخر".

لذلك، يدعو الحكومة العراقية إلى "فرض سلطتها حسب الدستور والقانون لمنع إنتاج مجاميع مماثلة (متطرّفة) تقوّي وتفرض أيديولوجياتها على الوطن والشعب مرة أخرى".

وسجل مؤشر أعداد الوفيات في العراق جراء الإرهاب خلال عام 2023 أقل من مئة حالة وفاة، مقارنة بالأعداد المسجلة عام 2007 حيث بلغت ذروتها بحسب تقرير معهد الاقتصاد والسلام، وانخفض إجمالي الوفيات بنسبة 99% كما انخفضت أعداد الحوادث والعمليات الإرهابية بنسبة 90%.

لكن تبقى خطورة فكر داعش وإمكانية شنه هجمات داخل العراق قائمة بحسب مراقبين للشأن العراقي، لأسباب منها "غياب إستراتيجية حكومية لمواجهة الفكر المتشدد ومعالجته والحد من خطاب الكراهية ضد المكونات الدينية والعرقية، الذي يبرز إلى الواجهة بين الحين والآخر".

من جهته، يعتبر حيدر القريشي، رئيس منظمة "مستقبل الطفل" وهي منظمة عراقية غير حكومية، أن المراهقين والشباب "من أكثر الفئات العمرية عُرضة لخطورة فكر داعش".

ويرى أن "زيادة البرامج الدينية الصحيحة والبرامج التعليمية والترفيهية، أفضل وسيلة للابتعاد عن الفكر الديني المتطرف".