بغداد – بقلم دعاء يوسف:

"ماذا سنفعل لو ظهر غير داعش كما ظهرت القاعدة قبله؟"، يتساءل زهير سلمان، 43 عاماً، في إشارة إلى أن نظرة العراقيين الآن لمرحلة ما بعد داعش تبدو سلبية.

داعش أخرى

ويضيف الرجل في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "المواجهة الحقيقية التي تنتظرنا هي بعد انتهاء داعش عسكرياً، خاصة أن ظهور داعش كان نتيجة الصراعات الطائفية في البلاد".

ويطرح زهير، الذي يعمل في وظيفة حكومية، تساؤلات عديدة تخطر بباله بعد أن تنتهي المعارك العسكرية، "ما الذي يمكن أن نفعله؟ هل خطر داعش يتمثل في أتباعه والمنظمين إليه أم بفكره التكفيري المتطرف؟". ويجيب "لا أستبعد أن يخرج بعد مدة داعش آخر".

"أشعر بشيء من القلق إزاء مرحلة ما بعد داعش، لأنني على يقين من احتمال أن تظهر جماعات أخرى تشبه هذا التنظيم لكن بتسميات مختلفة".

الأفكار التكفيرية

أما محمد الزيدي، 37 عاماً، فيعتقد أن المشكلة بالأساس تتعلق بالفكر المتطرف. ويقول في حديثه لموقع (إرفع صوتك) إنه لا يوجد احتمال في انتهاء داعش على الأمد القصير كفكر في المجتمع العراقي حتى بعد انتهاء المعارك ضد هذا التنظيم.

ويضيف محمد الذي يعمل في محل لتزيين سيارات الأعراس ببغداد أنّ فكر وثقافة داعش موجودان أصلاً في منظومة البيئة العراقية قبل ظهور هذا التنظيم، "وكل ما حدث أنه قد تم استغلالها لغرض النفوذ السياسي".

ويشير في حديثه لموقع (إرفع صوتك) إلى أننا بحاجة إلى جدية في مكافحة الأفكار التكفيرية، لمواجهة تحديات المرحلة القادمة خاصّة أن المجتمع العراقي يعاني الآن من مشكلات سياسية واقتصادية.

مصير المكونات العرقية والدينية

وتتمثل التحديات التي تواجهها الأقليات الدينية في مرحلة ما بعد داعش في كيفية حمايتهم من مجتمع إسلامي لم يقدّم لهم غير شعارات الاستنكار، وهو الأمر الذي دفع بالكثير من أبناء الديانات الأخرى إلى الهجرة، حسب رامي عولو، وهو من أبناء الديانة المسيحية.

ويتساءل رامي، الذي يبلغ 32 عاماً من العمر، عن مصيره كمسيحي اضطر للفرار من مدينة الموصل عقب دخول داعش إليها، وعن مصير المكونات العرقية والدينية التي اضطهدها داعش، وأجبرها على تغيير عقيدتها اعتناق الإسلام وانتهك حريتها بالقتل والاغتصاب؟

ويعتقد الشاب الذي يعمل الآن في محل لبيع الملابس ببغداد، أنهم كأقليات سيواجهون مشكلة شائكة للغاية متمثلة بمدى قدرتهم على استعادة الأمل وتوفير بيئة مناسبة لهم، ليعود الذين هربوا وهاجروا من مدنهم.

ويشير في حديثه لموقع (إرفع صوتك) إلى أن مصيرهم كأقليات يواجه العديد من المخاطر حتى ما قبل دخول داعش، ومنها الصراعات السياسية بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان.

ولا يشعر الشاب بأن الظروف ستكون مواتية لمعالجة قضاياهم المصيرية بهدوء. "أشعر وكأن مرحلة ما بعد داعش ستشهد صراعات كثيرة بهذا الشأن".

قضايا عالقة

كما أبدى المحلل السياسي ياسر عبد الكريم قلقه من إمكانية معالجة الكثير من القضايا العالقة منها إعادة إعمار المدن التي تم تحريرها من داعش، وإعادة النازحين إلى مدنهم والصراعات العشائرية والانتقامية والثارات، ومصير الذين عاشوا تحت سيطرة داعش بعد انتهاء العمليات العسكرية القائمة، خاصة وأن هناك اتهامات مجتمعية في عدم معارضتهم لهذا التنظيم - وإن لم ينتموا إليه أو يقاتلوا في صفوفه.

ويقول في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "هناك صراعات سياسية وخلافات حول الثروات وتوزيع النفط وعلى مصير المدن المحررة ورؤى ومقترحات لرسم خارطة حدود جديدة، لذا فالمرحلة القادمة قد لا تشهد الاستقرار الذي قد نتوقعه".

حزمة قانونية

ويعتقد الباحث الاجتماعي د. خالد حنتوش أننا  بحاجة اليوم إلى إنشاء مراكز تعنى بدراسة الإرهاب، وإتاحة الفرصة للباحثين لدراسة الظاهرة الداعشية.

ويتابع في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن العمل على اجراء مراجعة من حكومة ومجتمع لما مر به العراق منذ العام 2003 وإلى الآن لتصحيح ما يمكن تصحيحه ومحاولة بناء عقد اجتماعي جديد يحكم علاقة السلطة بالمجتمع.

ويشير إلى أن هناك حاجة ماسة لحزمة قانونية تعالج مشكلة الإرهاب والطائفية، فضلا عن إعادة النظر بعلاقة الدين بالسلطة السياسية والعمل على بناء دولة مدنية حقيقية.

*الصورة: "المواجهة الحقيقية التي تنتظرنا هي بعد انتهاء داعش عسكرياً"/إرفع صوتك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية عادت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع
صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية أُعيدت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع

منذ بداية الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في العراق، ولغاية اليوم، تستمر محاولات لمحاربة الفكر المتطرّف والمتشدد، من قِبل منظمات محلية غير حكومية، عبر مبادرات ثقافية وفنية وتوعوية، خصوصاً في المناطق المحررة.

هدف هذه المبادرات هو محو الآثار السلبية التي خلفها داعش في مناطق سيطرته، وإعادة تأهيل ومعالجة أفراد المجتمعات المحلية التي عاشت هناك وشهدت مختلف أنواع الجرائم والانتهاكات التي مارسها.

في المقابل، تؤكد جهات حكومية بين الحين والآخر "حرصها" على إدخال عائلات مسلحي داعش من العراقيين وبقية المواطنين الذين عاشوا تحت سطوته في ظروف صعبة، مراكز للتأهيل وإشراكهم في برامج تأهيل، من أجل إعادة دمجهم اجتماعياً.

وقال مستشار الأمن الوطني العراقي قاسم الأعرجي في بيان (نوفمبر 2023): "نقلنا 11 وجبة بواقع 1567 عائلة من مخيم الهول وأدخلوا إلى مخيم الجدعة لإعادة تأهيلهم، إضافة الى إعادة 900 عائلة عراقية من مخيم الجدعة بعد إكمال التأهيل والإدماج إلى مناطقها الأصلية".

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة "المستنصرية" عصام كاظم الفيلي، لـ"ارفع صوتك": إن تنظيم داعش يمثلّ "امتداداً للفكر المتشدد الذي ربما يكاد يكون موجودا حتى قبل ولادة داعش، لذلك فهو لن ولم ينته".

ومن أسباب استمرار الفكر المتطرّف في العراق، برأي الفيلي، غياب القوانين التي تجرّم الطائفية، ما يعني استمرار الصراعات الطائفية "وشن فئات وجهات (لم يسمّها) الهجوم على طرف آخر دون احترام لخصوصية المذهب والعقيدة لهذا أو ذاك".

في الوقت نفسه، يشير الفيلي إلى أن المناطق المحررة تشهد تغييرات على المستوى الخطابي بالنسبة للسياسيين ورجال الدين المنحدرين منها، بشكل "يسهم في التخفيف من حدة الأفكار المتطرفة والمتشددة خلال المرحلة الحالية".

ويستدرك التأكيد على أهمية البدء من النظام التعليمي للقضاء على الفكر المتطرّف، الذي من خلاله أيضاً يجري بناء روح المواطنة لدى الأفراد.

 

مخيم "الهول"

لعل التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة العراقية في مجال مواجهة فكر داعش يتمثل في ذوي مقاتليه الذين عاشوا لسنوات في مخيم "الهول" شمال شرق سوريا، الذي يؤوي بحسب منظمات دولية أكثر من 45 ألف نسمة متوزعين على ما يزيد عن  60 جنسية.

ووفق إحصاءات عراقية رسمية صدرت عام 2022، بلغ عدد العراقيين في المخيم 25 ألفاً بينهم 20 ألفاً دون سن 18 عاماً، ويحتاج هؤلاء إلى برامج تأهيلية خاصة تسهم في تخليصهم من فكر داعش.

مدير مكتب العراق في "مؤسسة الجالية الكلدانية" غزوان الياس، يقول لـ"ارفع صوتك" إن "المشكلة تكمن في الفكر الذي وَلد هذا التنظيم المتشدد ومن الصعوبة أن يُقتلع من جذوره" وهناك "فئات حتى الآن وإن كانت قليلة تحمل هذا الفكر الإرهابي في مخيّلتها، وربما تكون نواة لإنشاء أجيال جديدة تؤمن به" على حدّ تعبيره.

ويبيّن إلياس: "كان من المفترض التوجه إلى خطوات متزامنة مع العلميات العسكرية أو بعد التحرير عبر المناهج التدريبية وندوات ومؤتمرات اجتماعية حقيقية لبناء السلم المجتمعي، والاستفادة من التجارب الدولية المشابهة لما عاناه الشعب العراقي، وكذلك التركيز على مفهوم المواطنة والإنسانية في التعامل بعيداً عن أي اعتبار آخر".

لذلك، يدعو الحكومة العراقية إلى "فرض سلطتها حسب الدستور والقانون لمنع إنتاج مجاميع مماثلة (متطرّفة) تقوّي وتفرض أيديولوجياتها على الوطن والشعب مرة أخرى".

وسجل مؤشر أعداد الوفيات في العراق جراء الإرهاب خلال عام 2023 أقل من مئة حالة وفاة، مقارنة بالأعداد المسجلة عام 2007 حيث بلغت ذروتها بحسب تقرير معهد الاقتصاد والسلام، وانخفض إجمالي الوفيات بنسبة 99% كما انخفضت أعداد الحوادث والعمليات الإرهابية بنسبة 90%.

لكن تبقى خطورة فكر داعش وإمكانية شنه هجمات داخل العراق قائمة بحسب مراقبين للشأن العراقي، لأسباب منها "غياب إستراتيجية حكومية لمواجهة الفكر المتشدد ومعالجته والحد من خطاب الكراهية ضد المكونات الدينية والعرقية، الذي يبرز إلى الواجهة بين الحين والآخر".

من جهته، يعتبر حيدر القريشي، رئيس منظمة "مستقبل الطفل" وهي منظمة عراقية غير حكومية، أن المراهقين والشباب "من أكثر الفئات العمرية عُرضة لخطورة فكر داعش".

ويرى أن "زيادة البرامج الدينية الصحيحة والبرامج التعليمية والترفيهية، أفضل وسيلة للابتعاد عن الفكر الديني المتطرف".