الأردن – بقلم صالح قشطة:

في زيارة إلى أحد المراكز المعنية برعاية الشباب في إحدى مناطق مدينة عمّان القديمة، التقى موقع (إرفع صوتك) مجموعة من اليافعين، الذين شاء لهم قدرهم أن يعيشوا ظروفاً استثنائية، وطفولة حرموا فيها من وطن يحتضنهم. تحدّث كل منهم عن قصته التي كانت سبباً في نزوحه هو وأسرته من العراق، وعن تبعات ما شهدوه من أحداث شوّهت ملامح مستقبلهم، الذي أصبح المجهول يشكل السمة الأبرز له.

زكريا علي هاشم، شاب يبلغ من العمر 16 عاماً، نزح ككثير من أهالي مدينة الموصل، في رحلة بحثٍ عن الأمان، لم تكن باليسيرة على طفلٍ في سنه، لتستقر به الأحوال في العاصمة الأردنية عمّان التي باتت تحتضن الآلاف من النازحين من عدد من دول المنطقة، التي لا تزال ومنذ سنوات تعاني ويلات الحروب والنزاعات.

رحلة إلى بغداد

وفي حديثه إلى موقع (إرفع صوتك) يقول الشاب "بعد أن عمّت الفوضى والحرب، وبعد أن دمّر داعش بلادنا، اضطررنا للنزوح إلى هنا، فقد قاموا بتفجير بيوتنا وقتلوا الكثير من الناس".

ويستذكر اليوم الذي رافق فيه والده في رحلة إلى بغداد، وفي طريق عودتهم إلى الموصل بواسطة إحدى سيارات الأجرة، أوقفهم أفراد داعش، وقاموا بقتل شخصين من الركاب. "كنت في عامي الـ12  وقتها، وأذكر أنّني رأيت حفرة كبيرة بالقرب منهم يلقون فيها جثث من يقومون بذبحهم. عندها أدركت أن القتل ولا شيء غيره سيكون مصيرنا المحتوم".

شياطين لا بشر

وأمام هول الموقف وبشاعته خارت قوى الصبي ليصاب بانهيار أفقده الوعي، وباللحظات الأولى من استفاقته بعد إنعاشه كان متأكداً أن والده قد قتل "إلا أن خوفي تبدد في اللحظة التي رأيت بها والدي إلى جانبي حياً يرزق، بعد أن نجح بالتحايل على الإرهابيين فأطلقوا سراحنا"، يقول الشاب بسعادة.

وبصوت يشوبه الهلع يعود الشاب لوصف رحلة خروجهم من الموصل "سيطرة داعش على حياتنا آنذاك، وتفاصيل الخوف الذي عشناه لا يفارقان مخيلتي، حتى بعد خروجنا من الموصل تعرضنا لعدة نقاط تفتيش تتبع لداعش، والتي بالكاد أفلتنا منها".

ويتابع أنّه لا يمكن تخيّل بشاعة أفراد داعش، "أشعر أنهم شياطين لا بشر"، ليختم حديثه بتمنيه أن يرى الموصل وكل مناطق العراق محررة من داعش، وأن يلتئم شمل عائلته من جديد "الفراق هو أصعب شعور يعيشه النازح"، يقول زكريا.

اللجوء "بشع"

أما سام أرشد خزعل، القادم من منطقة البياع، والذي لا يبلغ من العمر سوى 17 عاماً، فيصف خلال حديثه إلى موقع (إرفع صوتك) صعوبة رحلة نزوحه بطريقته الخاصة، قائلاً "تهجرنا بطريقة تزيد قسوة عن معظم قصص التهجير الأخرى".

توفي جدّ أرشد في العراق. وأتى هو ووالده الأصم إلى الأردن. أما والدته التي لم يقابلها منذ خمسة سنوات فقد وصلت أستراليا بعد أن غامرت بحياتها بسلوكها لأخطر طرق الهجرة عبر البحر، "وقد فقدوا ما يزيد عن مئة شخص خلال تلك الرحلة، من ضمنهم شقيق والدتي".

ويصف الشاب اللّجوء بأنه "بشع" بجميع مراحله وتفاصيله، لدرجة أنه يشعر أحياناً أن البقاء في العراق حيث التفجيرات والحرب قد يكون أكثر رحمة من الشتات الذي يعيشه.

ويضيف الشاب متنهداً "أتمنى أن أرى والدتي مرة أخرى، فهي في أستراليا تواجه ظروفاً صعبة جداً. تعيش في غرفة هي بالأصل موقف للسيارات لا يحوي أي من مقومات الحياة. ولا أريد من هذه الدنيا سوى رؤيتها والبقاء إلى جانبها".

ممنوعون عن العمل

كما يتحدّث سام عن المصاعب التي تواجههم في حياتهم في بلاد النزوح قائلاً "نحن ممنوعون عن العمل، وبالكاد نستطيع تأمين متطلباتنا الضرورية".

ويوضح أنّ ما زاد الأمر صعوبة هو حقيقة أنّ والده بحاجة إلى رعاية صحية وعلاج كونه أصم، وهم على أمل الخروج في أقرب فرصة إلى إحدى الدول الأوروبية لمتابعة علاجه. ليختم حديثه "نحن وحيدون هنا، حتى عندما نذهب لممارسة طقوسنا الدينية كصابئة، نواجه الكثير من نظرات الاستغراب وعادة ما يتم سؤالنا عن طقوسنا وعن طائفتنا التي لا يوجد لها أتباع هنا".

قصة تزخم بالألم عاشها الشاب بهرام فرحان الذي لم يتم عامه الـ18 بعد، ابتدأت فصولها منذ أن كان في المهد حيث مسقط رأسه في بغداد، ككابوس لم يلبث أن استفاق منه الشاب ليظهر تنظيم داعش ويعيده إلى كابوسه الأول.

يقول الشاب لموقع (إرفع صوتك) "كنت لا أزال طفلاً صغيراً عندما توفي والدي، ومنذ ذاك الوقت عشنا أصعب الظروف، إلى أن كبرت وازدادت الفوضى وظهر داعش في العراق، حتى اليوم الذي تلقينا فيه رسالة بداخلها رصاصة مسدس كنوع من التهديد، مكتوب بها (أنتم صابئة أنجاس، وسنقوم بذبحكم)".

فراق وشتات يزيد من مرارة اللجوء الذي يعيشه الشاب، فقد باتت حياته بعد النزوح تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، لا سيّما وأن الإرهاب كان سبباً في تمزيق عائلته بطريقة زادت رحلتهم ومصيرهم تعقيداً. "أتمنى أن تجتمع عائلتي مرة أخرى بعد أن تفرقت، أنا ووالدتي وشقيقي هنا، ولي شقيق في النمسا، وشقيقتي في أستراليا والأخرى في السويد".

*الصورة: لاجئون عراقيون في الأردن/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.