شواطئ عدن/وكالة الصحافة الفرنسية
شواطئ عدن/وكالة الصحافة الفرنسية

صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

لم يعد محمد عطبوش، وهو باحث يمني في مقتبل العمر، يجرؤ على مغادرة منزله في مدينة عدن جنوب غرب اليمن منذ تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة أواخر كانون الأول/ ديسمبر الماضي على يد مسلحين يعتقد بانتمائهم لجماعات إسلامية متطرفة، بسبب كتاباته الناقدة في بعض المسائل الدينية.

يقول عطبوش، وهو أيضاً مدون وكاتب مهتم بالأديان والفكر الإسلامي، لموقع (إرفع صوتك)، “أنا قلق كذلك على أفراد أسرتي”.

نقد

ومطلع العام الماضي أصدر عطبوش، الذي لا يزال طالباً في السنة الأولى بكلية الطب في جامعة عدن، كتاباً بعنوان “نقد الإعجاز العلمي”، وهو دراسة نقدية في 125 صفحة لأمثلة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية المعتمدة في مناهج التعليم الأساسي والثانوي في اليمن.

ويناقش الكتاب، الذي صدر عن دار مسارات الكويتية للطباعة والنشر، مسألة الخلط بين الدين والعلم في الثقافة الإسلامية قديماً وحديثاً، باعتباره خطراً على الدين نفسه وعائقاً حقيقياً للحركة العلمية والتعليمية.

ويذكر عطبوش، 20 عاما، أن مالك إحدى المكتبات بمدينة عدن، حيث يباع كتابه، تلقى تهديدات من مجهولين بالقتل واحراق المكتبة “إن لم يسحب الكتاب ويوقف بيعه”.

سفور

ومنذ استعادة مدينة عدن من قبضة القوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والحوثيين، منتصف تموز/يوليو 2015، تصاعد نفوذ الجماعات الإسلامية المتشددة على نحو لافت في المدينة الساحلية الجنوبية على البحر العربي التي أعلنتها الحكومة اليمنية عاصمة مؤقتة للبلاد.

وقادت تلك الجماعات حملة مضايقات واسعة، طالت كتّابا وصحافيين وناشطات حقوقيات بحجة الإساءة للدين الإسلامي والدعوة للحرية، فضلاً عن السفور وعدم ارتداء النقاب.

وفي 25 نيسان/أبريل 2016، اغتال متطرفون إسلاميون المدون اليمني عمر باطويل (18 عاما) في مدينة عدن، بتهمة الإلحاد، بعد سلسلة منشورات له في صفحته الشخصية على “فيسبوك”، تدعو إجمالاً إلى السلام والحرية والمحبة.

لذلك يقول الباحث محمد عطبوش إنه اضطر لوقف دراسته الجامعية، ويسعى لإيجاد فرصة لمغادرة البلاد.

أضاف “صار بإمكان أي شخص أن يستوقفك في الشارع ويجبرك على نزع السماعات من أذنيك بحجة أن الأغاني حرام”.

 تكميم

من جانبه، يؤكد الكاتب والصحافي اليمني، نشوان العثماني، أن “عدن عاشت حرباً لم تعهدها من قبل. أفرزت متغيرات عديدة كان أهمها بروز الجماعات الدينية والتي جاء بعضها يحمل تطرفاً حاداً في تفسير الشريعة الإسلامية”.

وأوضح العثماني أن هذا الوضع الجديد كمم الأصوات الليبرالية والعلمانية بين أوساط الشباب “إذ صار التعبير عن الرأي يواجه مخاطر عدة منها التهديد المباشر”.

أضاف العثماني، وهو أيضاً معيد في قسم الصحافة والإعلام بجامعة عدن، لموقع (إرفع صوتك) “خلال الفترة الماضية شهدت المدينة سلسلة اغتيالات وتهديدات لكبار قيادات الدولة السياسيين والأمنيين والعسكريين، لكن بعضها تم توجيهه ضد نشطاء يملكون آراء مغايرة كما حدث للشاب عمر باطويل، ومؤخراً محاولة اغتيال الكاتب الشاب محمد عطبوش”.

وأكد أن العديد من الناشطات الشابات والصحافيات تعرضن للمضايقات والتلفظ بألفاظ مسيئة بسبب الرداء.

الاختلاط

وفي السياق تقول عهد ياسين، 24 عاما، وهي ناشطة في قضايا المجتمع، تعيش في مدينة عدن إنه “خلال الأشهر الأخيرة بات من الصعب أن أخرج كفتاة إلى الشارع وأنا أرتدي عباية قصيرة إلى الركبة أو ملونة، أو أظهر جزءا من شعري أو كفيّ”.

وتتابع عهد، التي تخرجت عام 2015 من قسم الصحافة والإعلام في جامعة عدن، قائلة لموقع (إرفع صوتك) “مؤخراً وصل الأمر بملاك بعض المطاعم التي كنا نتردد عليها لتناول الطعام، إلى منع الاختلاط بين الجنسين”.

أضافت “حتى في شواطئ المدينة نواجه مضايقات كلما وجدونا مع زملائنا الذكور”.

ملحدة

وتقول عهد إنّها اعتادت مؤخراً على سماع عبارة “أهلا بالملحدة” كلما التقت بعض صديقاتها وزملائها، فضلاً عن معاريف ومواطنين عاديين في شوارع عدن، رداً على كتاباتها أو ملابسها شبه العصرية التي ترتديها.

“مصادرة الحريات الشخصية تفاقمت بشكل كبير في عدن، والفكر المتطرف نما بشكل مخيف بعد الحرب (آذار/مارس - وتموز/يوليو 2015).. عدن تفقد التعايش الذي عرفته منذ القدم، هذا الموضوع يزعجني”، وفقاً لعهد.

واختتمت قائلة “الناس هنا عندما وجدت الفكر المتطرف يتنامى استقبلته وتعاملت معه كأمر واقع، لذلك نحن بحاجة إلى مواجهة هؤلاء المتطرفين الذين لا يؤمنون بالحرية”.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شادن فقيه
الفنانة الكوميدية اللبنانية شادن فقيه

أثار مقطع فيديو مسرّب من عرض مسرحي كوميدي للفنانة الساخرة، شادن فقيه، موجة من الاعتراضات من قبل جهات إسلامية في لبنان، رأت في المقطع إهانة لرموز ومقدسات الدين الإسلامي، واعتبرت أنه لا يجوز تناول الدين بشكل ساخر، مطالبة بمحاسبة فقيه وملاحقتها قضائياً.

لم يقتصر الأمر على هذا فقط،  بل تعرضت شادن لحملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي وصل بعضها إلى حدّ هدر دمها. وقد سبق أن تعرض زميل لشادن، هو الكوميدي نور حجار، لحملة مماثلة بعد مقطع شبيه يدخل الدين فيه كمادة ساخرة.

فتح الأمر باب النقاش حول وظيفة الكوميديا وحدودها، وما إذا كانت هناك "خطوط حمراء" يجب على الكوميديين عدم تجاوزها، وحضرت مع النقاش المقارنة بالغرب، حيث لا يبدو أن هناك سقفاً لما يمكن للكوميديا أن تسخر منه، وليس هناك خطوط حمر أو مقدّسات.

يبدو هذا جلياً في مئات الأعمال الكوميدية التي تبثها منصات مثل نيتفلكس وHBO ويوتيوب وغيرها، تتضمن سخرية لاذعة وقاسية من الأديان، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعريض الكوميديين للمساءلة والملاحقة القضائية، مع أن كثيرين منهم يتعرضون لحملات مضادة ممن يعتبرون أنفسهم معنيين بالدفاع عن ما يرونه مقدساً. لكن يبقى ذلك ضمن حرية التعبير وحرية الردّ على الرأي بالرأي المضاد، وعلى السخرية بالسخرية المضادة.

الكوميدي البريطاني الشهير ريكي جيرفيز لديه "فلسفته" الخاصة لشرح هذه الحرية. يقول في أحد منشوراته على انستغرام:"الرجاء عدم القول أنه لا يمكنك السخرية من أمر ما، أيا يكن هذا الأمر، بعد الآن. حتماً تستطيع. تستطيع أن تسخر من أي شيء تريده، وبعض الناس لن يعجبهم ذلك، وسيقولون لك إنه لا يعجبهم، وحينها يعود إليك ما إذا كنت ستوليهم أهمية أم لا، وهكذا دواليك. هذا منطق جيد للأمور".

هذا المنطق نفسه، يحاجج به الكوميدي اللبناني شاكر أبو عبد الله. فبرأيه، "لا يجب أن يكون هناك حدود للكلام ولا للنكات. لم يحدث في التاريخ أن تسببت نكتة بحرب أو مصيبة. النكتة لا تؤذي، ولا يجب أن نُسكت أي أحد يتفوه بنكتة، بل على العكس يجب أن نشجع على السخرية التي تلعب دوراً في الإضاءة على المشاكل".

ما حدث مع شادن فقيه لا علاقة له، برأي أبو عبد الله، بما قالته في المقطع المسرّب، بل "المشكلة معها ترتبط بكل ما قالته في السابق في القضايا الاجتماعية والسياسية والجندرية، ولأنهم لا يستطيعون التصويب على شادن من هذا الباب، اتخذوا مما قالته من سخرية بحق الدين ذريعة للهجوم عليها وإسكاتها".

 يتفق جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، مع ما يقوله أبو عبد الله، لجهة اعتبار أن المسألة لا ترتبط بمضمون ما قالته فقيه، بل بالوضع الأمني العام في البلاد والحملات، التي يرى فيها شحرور "صبغة أمنية مقصودة، خصوصا أنها ليست المرة الأولى التي يجري فيها تسريب كلام من عروض كوميدية قديمة وشن حملات عليها. وقد جرى التحريض الممنهج على شادن من قبل حسابات مشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدث مثل هذا الأمر مع نور حجار قبلها".

قبل النقاش في مضمون ما قالته شادن، يقول شحرور، إنه يجب أن نتوقف عند "الأسلوب الأمني في نبش ملفات والتحريض عليها بالتزامن مع وجود فضائح مجتمعية أو سياسية في البلد، لحرف الأنظار عن المشكلة الأساسية. وفي حالة شادن، يجب أن ننتبه إلى أن الحملة عليها أتت للتغطية على قضية الاعتداءات الجنسية على الاطفال بما بات يعرف بفضيحة التيك توك".

وبالعودة إلى مضمون ما صدر عن فقيه في المقطع الساخر، والذي تناول الدين الإسلامي، يرى أبو عبد الله أن "الشعوب العربية في الغالب يحركها الدين، وهو المقدس الأكبر، إذ يمكن لهذه الشعوب أن تتعرض لأنواع شتى من الانتهاكات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية كما في حالة لبنان من دون اعتراض، لكن إذا جرى تناول رجل دين أو الشعائر الدينية بنقد أو بسخرية ممكن أن تتعرض للقتل!".

يشدد أبو عبد الله على "وجود أناس مسالمين ومتقبلين للآخر ولحرية التعبير في جميع المجتمعات والأديان، وفي مقابلهم هناك أناس أصوليون متطرفون لا يتقبلون الرأي الآخر".

ويرى أننا نعيش في مرحلة تاريخية حيث هناك فئة أصولية متعصبة تحاول السيطرة على الخطاب العام، فيما في السابق، تاريخياً، تداورت أديان وجماعات راديكالية وأنظمة توتاليتارية على القمع والتشدد بحق حرية الرأي وتقييدها.

ويلفت أبو عبد الله إلى أن الأمر لا يقتصر على الإسلام. "ففي لبنان حركة أصولية مسيحية أيضاً تتمظهر في سلوكيات من يسمون أنفسهم جنود الرب، وهؤلاء يحملون خطاباً متطرفاً، ويستخدمون العنف للتضييق على الحريات الجندرية وحرية التعبير والسخرية".

من هنا، يرى شحرور أن ما تناولته شادن فقيه لم يكن جديداً في خطابها الكوميدي، "المستند أساساً إلى القضايا الجندرية والجنسانية وحقوق مجتمع الميم والصراع مع الدين، كمصدر أساسي للمحتوى الذي تقدمه، وهو ما شكل ما يمكن تسميته هويتها الكوميدية".

وبالنسبة إلى شحرور ،فإن أي أمر جديد على المجتمع، سيكون صعباً على الناس في البداية تفهمه وتقبله. و"هناك فارق بين الكوميديا الترفيهية، والكوميديا التي تحمل خطاباً سياسياً وتتناول قضايا عميقة وحساسة"، كما يشرح شحرور،

ويضيف: "هناك في العالم أسماء كبيرة في عالم الكوميديا تذهب بعيداً في كسر المحرمات والخروج عن المألوف في تناول قضايا حساسة. وهناك بيئة حاضنة لأي نوع من المحتوى. ولا يعني توسيع أفق النقد الديني والسياسي أن في ذلك إلغاء للآخر أو اعتداء عليه، بل على العكس هذا الأمر يجب أن يفتح أفقا التفكير وإعطاء خيارات جديدة للناس، وهذا الأمر لن يجري بسلاسة طبعاً، ولا بد أن يواجه عوائق وصعوبات وحتى مخاطر تواجه أصحاب الرأي المختلف كما هو الحال مع كثر ممن حاولوا كسر القوالب الجاهزة والتجرؤ على المقدس".

بالنسبة إلى عبدالله، لا يجب أن تؤدي الحملة على شادن فقيه، وقبلها الحملة على نور حجار، إلى دفع الكوميديين اللبنانيين للخوف والتراجع ووضع قيود على نكاتهم وتفكيرهم الحر، أو أن يخلق هذا الأمر رقابة ذاتية: "يجب أن نكمل بما نفعله بحرية، وهناك أثمان لهذه الحرية، علينا أن ندفعها. التراجع ليس خياراً".

شحرور من جهته يخشى أن  المجتمع المحافظ في لبنان، يستسهل تكفير أي خطاب يعتبره مهيناً لمقدساته. يقول: "سيكون الطريق صعباً في سبيل أن يتقبل المجتمع المحافظ هذا النوع الجديد من الكوميديا، كما هو الحال مع كل جديد".