الشيخ حسن فرحان المالكي/ يوتيوب
الشيخ حسن فرحان المالكي/يوتيوب

حاوره خالد الغالي:

حسن فرحان المالكي، أحد أكثر الباحثين إثارة للجدل في المملكة العربية السعودية. اشتهر بنقاشاته الدينية في قضايا حساسة مثل عدالة الصحابة، ما تسبب له في مشاكل كثيرة. اعتقل في تشرين الأول/أكتوبر 2014 قبل أن يفرج عنه، لكنه ما زال لحد الساعة ممنوعا من السفر خارج السعودية.

(إرفع صوتك) حاوره في موضوع القضايا الخلافية في التراث الشيعي والسني وكيف يمكن تجاوزها لتحقيق التعايش.

يعيش العالم الإسلامي الكثير من التوتر بين الشيعة والسنة، بعض أسبابه سياسية لكن الأخرى تاريخية فقهية. كيف يمكن تجاوز هذا التوتر؟

الحل هو إخضاع المذهبين للقرآن الكريم ومشتركاته وقطعياته، مثل الصدق والعدل وحسن المعاملة وأداء الحقوق. المذهبان معا فيهما معتدلون ومتطرفون، لكن فوق هؤلاء جميعا القرآن بخطوطه العريضة وما تنص عليه من حفظ الحقوق. هذه الخطوط العامة أمضى بها النبي مجتمعا فيه من التناقض أكثر مما هو حاليا بين الشيعة والسنة. كان في ذلك المجتمع منافقون ومؤمنون، ومع ذلك سيّره النبي. فعودة المذهبين إلى قطعيات القرآن وأصوله العامة وإبقاء الخلافات في الجوانب الفكرية، هو الحل لنزع التوتر.

لا نريد محاربة الفكر، فمن حق السنة والشيعة أن يعبروا عن آرائهم، لكن ليس من حقهم أن يعطلوا المشتركات القرآنية الجامعة.

هذا عن الحل، ماهي في رأيك القضايا التاريخية والفكرية التي يتضمنها تراث الطرفين، في أمهات الكتب عندهما، والتي تشكل أصل التوتر؟

أنا عندي خبرة بالتراث السني، بحكم أني سني، ولا أعرف كثافة هذه القضايا في التراث الشيعي. السنة مختلفون، التيار الحنبلي مثلا أكثر تطرفا من التيار الشافعي أو المعتزلي أو الصوفي.

ما المشكلة في التيار الحنبلي؟

التكفير واستباحة الدماء، وهذا أسوأ ما في المذاهب، وهو خاصة –فيما أعرفه أنا – في المذهب السلفي الحنبلي. قد يكون في التيارات الأخرى أشياء مثل هذا، لكنها غير موظفة حاليا. فعلى ما نرى ظاهريا مثلا في القنوات والخطب (الشيعية) أن الشيعة يخضعون للمجتهد المعاصر وليس للتراث، بينما للأسف عندنا نحن السنة كلما كان الشخص متقدما في الزمن كلما كان أكثر حجة. ابن تيمية عندنا أكثر حجة من مفتى الأزهر أو السعودية، بينما في المذهب الشيعي لا تؤخذ الفتوى إلا من المجتهد المعاصر، وهذا أسهل فيما يتعلق بالحوار.

هل يجعل هذا المذهب الشيعي أكثر قابلية للتطور؟

هذا صحيح. وهذه شهادة لله، فمع أنّني سني النشأة والتعليم، أرى أن المذاهب الشيعية والزيدية والإباضية تجاوزت التراث إلى حد كبير، بينما المذهب السلفي ما زال غارقا في التراث وما يتضمنه من تطرف.

انتقدت كثيرا المذهب الحنبلي بخصوص الموقف من الشيعة، هل هناك فعلا تكفير صريح لهم فيه؟

هناك ما هو أسوأ من التكفير، وهو استباحة الدماء. قد تجد السلفية يقولون إن فلانا مبتدع وضال يجب أن يقتل. عبارة "يجب أن يقتل" أو "يستتاب وإلا قتل" أسوأ من كلمة "كافر". المسلمون يتعايشون مع أتباع ديانات أخرى يرون أنهم غير مسلمين أو كفارا، لكنهم لا يرون استباحة دمائهم. عندنا في السعودية ودول الخليج عمالة هندوسية وبوذية وزرادشتية، ومع ذلك لا أحد يرى استباحة دمائها، فلماذا لا ينقل هذا إلى المسلم المخالف. هل الأخطاء الفكرية عند الفرق المخالفة، مثل الإباضية أو الشيعة، أكبر من الأخطاء الفكرية عند غير المسلمين؟

سألتك عن التكفير الصريح للشيعة في المذهب الحنبلي.

نعم. عند المتطرفين، هناك تكفير للشيعة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة ولكل المسلمين. عند السلفيين المتطرفين هناك تكفير لكل المسلمين إلا المذهب السلفي. أكرر: عند المتطرفين. لكن هناك معتدلون يبدعون فقط ويضللون، لكن النتيجة الحقوقية واحدة وهي أن الجميع يجب أن يقتل عند هذا المذهب. هذه مشكلة. أنا عندي أن تتهمني أنني كافر وتبقيني حيا أفضل من أن تتهمني بالابتداع فقط وتقتلني. إشكالية المذهب السلفي الوهابي هي في القتل قبل التكفير. وبالتالي لا يجب أن يضللونا ويقولوا إن التكفير موجود أيضا عند الإباضية والشيعة والزيدية، نقول لهم ولكنهم لا يرون استباحة الدماء.

عفوا، لكن في المذهب الشيعي هناك أيضا تراث ينص على أن من لا يرى الإمامة كافر، وهناك نصوص ترى استباحة الدماء؟

كما قلت سابقا، هذا التطرف وإن كان موجودا عند إخواننا الشيعة، إلا أن ما نسمعه من المفتين المجتهدين المعاصرين، كالخامنئي والسيستاني ومحمد حسين فضل الله (توفي سنة 2010) هو أنهم تجاوزوا هذا التراث. لكن المشكلة في التراث السلفي هو أن الفتاوى لا تزال مفعلة. التراث بشكل عام مفعل عند السلفية أكثر مما هو الشيعة. هذا مع إدانتي لجميع الفتاوى المنتهكة للحقوق.

لكن هناك تنظيمات شيعية مسلحة في العراق وسورية، ما تزال تتهم بأنها تقتل على المذهب؟

إذا كانت موجودة يجب أن تدان. وأنا من كثرة ما أجد من الكذب على الشيعة في مجتمعي أصبحت لا أصدق كثيرا من مثل هذه القصص، لكن إن وجد مثل هؤلاء الأشخاص يجب أن يواجهوا وأن يحاكموا.

إذا كان الشيعة استطاعوا، كما تقول، تجاوز الكثير مما في تراثهم، لماذا لم يستطع السنة ذلك؟ ما الخلل المنهجي؟

التقليد، تقليد الميتين في زمن غير زمنهم. هذا بعكس الاعتماد على المفتى المعاصر، الذي على الأقل يكتسب خبرات ووعيا بالواقع، بالإضافة إلى أنه في المذهب السني هناك اختيار سياسي للمفتي وليس اختيار علميا وفق درجات فقهية ثقافية. قد يقوم الحاكم باختيار مفتي له موالاة، لكن ليس عنده تقوى أو تحفظ من استباحة دماء المخالف.

هل تعتقد أنه لو كان للعالم السني مؤسسة المرجعية، كما عند الشيعة سيكون الوضع أفضل، ويحول دون تشظي الفتاوى.

بالتأكيد هذا أفضل، على أن يكون ترشيح هذه المرجعيات من أهل العلم أنفسهم، وليس من السلطة. شهدت مرة في لبنان كيف اختار الإخوة المسيحيون بطريرك الكنيسة، وكيف عملوا جلسات مطولة بين أهل العلم ثم خلوا للدعاء حتى يختاروا الأفضل. رأيت هذه المنهجية ولعلها أفضل من المنهجية عند المسلمين عامة، والتيار السلفي خاصة. مشكلة السلفية أنهم لا يرون الحوار مع الآخر ولا يؤمنون به. سابقا في عهد الملك عبد الله، كان الملك يجبرهم على الحوار مع المذاهب والديانات الأخرى. إجبار السلطة للسلفية على الحوار هو الواجب، ما دام الاختيار السلطاني للمفتين هو القائم حاليا.

من داخل التيار السلفي، من هي الشخصيات التي تراها صالحة لتلعب دورا في الحوار؟

الشريف حاتم العوني مثلا. هو شخصية سلفية لا يزايد عليها أحد، وعنده انفتاح واستعداد وشجاعة للحوار مع الآخر.

هل يمكن لشخصيات مما عرف في التسعينيات بتيار الصحوة الإسلامية، مثل سلمان العودة وعايض القرني ومحمد العريفي، أن تقود الحوار مع الشيعة؟

ربما بعضهم، لكن عامتهم سلفية لهم نفس الأيديولوجيا القائمة على أن الطرف الآخر لا يمكن الحوار معه.

من تقصد ببعضهم؟

سلمان العودة مثلا، إذا تخلص من جمهوره ومن مجاملة التيار المحلي يمكن أن يكون محاورا جيدا. أما البقية مثل العريفي أو القرني، فلا. هم وعاظ لهم جمهور نتيجة دغدغتهم لعواطفه بالسياسة والمذهبية، لكن سلمان العودة مؤهل للحوار لو تخلص من جمهوره ومحيطه. حتى يوسف القرضاوي، الذي يخلط بين السلفية والفكر الإخواني، وقد رأينا حواره مع الراحل هاشمي رفسنجاني، ليس مؤهلا للحوار مع الشيعة.

المفترض في المحاور للشيعة أو غيرهم أن يبدأ الهرم من أعلاه، بالمشترك الإنساني ثم الديني ثم المذهبي إن وجد، أما أن يأتي كتلة واحدة غير مستعد للتنازل عن تفاصيل الأمور الصغيرة، فلا.

مثلا عند الحوار مع الشيعة، ليس هناك استعداد سني للتنازل عن معاوية، فكيف تريد من الشيعة أن يتنازلوا ويترضوا عن أبي بكر وعمر وعثمان، إذا كنت أنت لا تريد التنازل عن رجل مثل معاوية، هو مؤسس الملك العضوض، والنصوص السنية نفسها تذمه. موضوع الخلاف بين الصحابة أصلا لماذا لا يتم تجاوزه أو تأجيله. قضية الصحابة وأهل البيت قضية تاريخية يجب أن نتجاوزها. السلفيون لا يستطيعون ذلك. لا يستطيعون تجاوز موضوع خلق القرآن أو موضوع الصفات. ولا يستطيعون أن يتنازلوا عن قضية واحدة من قضايا الفكر السلفي. ليس المطلوب التنازل بمعنى التخلي، بل فقط أن تؤمن بأن الآخر موجود.

هناك أيضا شيعة لا يستطيعون تجاوز مسألة الإمامة أو ذم الصحابة بدعوى أنهم انتزعوها من الإمام علي؟

نعم صحيح. أصل الخلاف السني الشيعي هو هذا، أنصار الغدير في مواجهة أنصار السقيفة. لكل من الطرفين رأي. لكن فوق هذا الرأيين، يجب أن يكون التعايش. لماذا يتعايشون مع البوذيين والنصارى والزرادشتيين، ولا يتعايشون مع بعضهم! من أجل تحقيق هذا هناك خطوتان: الأولى تفعيل المشتركات، والثانية بحث الخلافات في مراكز بحثية وحوارية بعيدا عن الجمهور.

من أجل تجاوز الخلافات، يوجد هاجس نفسي كبير يتمثل في مساءلة بعض ما هو موجود في أمهات الكتب عند الفريقين.

في الحقيقة، لا أرى أن الفريقين متساويان. الشيعة تجاوزوا جزءا من تراثهم إلى حد كبير، وهناك تأصيل لهذا التجاوز قاده شيوخ مثل كمال الحيدري (يقيم في إيران، وهو مرجعية عراقية)، ومحمد حسين فضل الله في لبنان. علي السيستاني قال "السنة هم أنفسنا"، فهل يستطيع مفتي آخر من السنة، خاصة في الخليج، أن يقول مثل هذا؟

هناك خطوات من الشيعة يجب أن لا تنكر. النسبية مطلوبة، ومن العدالة أن نقول ذلك. وبالحديث عن مراجعة التراث وأمهات الكتب، هناك باحثون شيعة في إيران أخضعوا كتاب الكافي (أحد الكتب الأربعة الأهم عند الشيعة الاثني عشرية) للبحث، وأخرجوا ضعيفه وصحيحه، بل ضعفوا أغلبه. هل عندنا باحث سني أخرج ضعيف البخاري؟! حتى ابن تيمية، وهو متأخر، ما زال يقدس عند التيار السلفي، وهو رجل متطرف جدا، لديه فتاوى في القتل حتى على أحكام صغيرة مثل الجهر بالنية في الصلاة. هناك 250 موضعا في كتبه كلها "يستتاب وإلا قتل"، وهي كلها باطلة. لا يوجد شيء في الإسلام ولا في القرآن شيء اسمه الاستتابة. هناك عرض للتوبة فقط لا فرض لها.

أثرت سابقا موضوع الشيخ القرضاوي، لكنه في الواقع قاد حوارا مطولا مع الشيعة، تحت يافطة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان نائبه في الاتحاد هو محمد علي تسخيري من إيران وهو شيعي.

لم أتابع هذا الحوار، لكن الذي أراه أن القرضاوي –وأنا من محبيه- ارتد إلى التطرف. في أول حياته العلمية، كان معتدلا في قضايا كثيرة كالتواصل مع الآخر وحقوق المسيحيين في مصر وموضوع الغناء وكشف الوجه. لكنه في الفترة الأخيرة، مع بقائه في قطر، عاد واعتذر لأنه لم يكن مثل هيئة كبار العلماء السعودية.

هو قال إن فترة الحوار لم تأت بما كان مرجوا منها...

للأسف. القرضاوي ضعيف، وجماعتنا عندهم ضعف علمي وخوف من الطرف الآخر لأنهم يكتشفون أن عنده أدلة. وهذا نتيجة استفراد المذهب السني عبر التاريخ، وشعوره بأنه ليس محتاجا للحوار مع الشيعة والمعتزلة، بينما هؤلاء يشعرون بأنهم في حاجة إلى الحوار مع السنة، لذا هم أعلم بالتراث السني. أما نحن فليس لنا نفس العلم بالتراث والحجج الشيعية والاعتزالية. إنما نحن نعتمد على تلوين حججهم حتى نستطيع أن نرد عليها.

مثلا في مسألة الصحابة، نحن لا نقرأ إلا أن الشيعة يكفرون الصحابة ولا نقرأ أن القرآن أخبرنا أن الصحابة فيهم خبيث ومنافق، في مثل قوله عز وجل "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب". هذه الآية تدل على أن في الصحابة الخبيث والطيب. جماعتنا لا يعترفون بهذا، عندهم الصحابة كلهم عدول. فإذا استخرج لهم الشيعي هذه الآية أو آية "إذا جاءكم فاسق بنبأ" أو "لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، يشعرون أن ليس لديهم حجج للرد عليها، فينكفئون على أنفسهم ويعتبرون أن لا حاجة للحوار مع الشيعة. في المقابل، الفرق الأخرى، ولأن التيار السني وهو الحاكم، دربت نفسها على التعامل معه وقراءة كتبه.

الأزهر، باعتباره أعرق المؤسسات الإسلامية السنية، هل يمكن أن يقود الحوار مع الشيعة؟

كان الأزهر يمكن أن يقوم بهذه المهمة أيام الكبار أمثال محمد عبده رفاعة الطهطاوي ومحمد شلتوت. أما الآن بعد أن فسد وصار نصفه سلفيا منغلقا وانكفأ نحو التراث السلفي وترك التراث العقلاني، إضافة إلى الضغوط السياسية، فظني أنه لا يمكن له أن يقوم بهذا.

في المقابل، ما هي الشخصيات الشيعية التي يمكن أن تقود الحوار مع السنة؟

الشيخ حيدر حب الله من إيران مثلا، وله رسالة في جامعة طهران في نقد معنى السنة عند الإمامية. كمال الحيدري، وصائب عبد الحميد. في الجانب السني هناك الشيخ خالد الملا رئيس الوقف السني في العراق، الشيخ ماهر محمود من لبنان، الشريف حاتم العوني في السعودية، إسلام بحيري في مصر، وعدنان إبراهيم.

أنتم الدعاة الجدد، مثل عدنان إبراهيم وحسن المالكي، هل قمتم بخطوات في موضوع الحوار السني-الشيعي؟

نعم، قمت منذ وقت طويل بحوار مع الإخوة الشيعة، ولا يزال موجودا في منتدى هجر الثقافي. لكن شعوري بأن الفريق الشيعي مستضعف عندنا في السعودية يجعلني لا أتحمس للحوار مع مستضعف، إضافة إلى أنني ممنوع من السفر خارج السعودية، فلا أستطيع أن أذهب إلى لبنان مثلا وأقيم حوارا مع الشيعة.

لكن  على الأقل مع العلماء الشيعة المعروفين في السعودية، مثل الشيخ حسن الصفار.

عندي معرفة بالشيخ حسن الصفار، وبيننا تلاق فكري كبير. هو لديه حركة نقدية داخل التراث الشيعي، مثلما عندي حركة نقدية داخل التراث السني. أجد أن الشيخ حسن الصفار، لو كان عندنا تسامح، لكان في هيئة كبار العلماء. المفترض أن هيئة كبار العلماء يجب أن تكون من جميع المذاهب الموجودة في البلد. بيني وبين الشيخ حسن معرفة وتبادل زيارات. ولا أشعر بالخلاف معه، لا نفسيا ولا ثقافيا، مثلما أشعر بالخلاف مع صاحبي السلفي رغم أن مدرستنا واحدة. السلفي منغلق على نفسه ولا يتحاور، بينما الشيخ حسن وأمثاله تجدهم يحفظون الحقوق ويقبلون أن تختلف معهم.

ألا ترى أنك اكثر تحاملا على السنة من الشيعة؟ معظم انتقاداتك تخص بها التيار السني؟

ممكن. أنا لا أبرئ نفسي من ردة الفعل. أنا داخل مجتمع ضاغط وتعرضت منه لمظالم كثيرة. وأدرك أخطاءه أكثر. ولو كنت أعيش في العراق او إيران، ربما كنت شديدا على الفريق القوي المؤثر هناك. التراث السلفي أعلمه ودرست مصادره وكتبه، وأستطيع أن أتحدث عنه بعلمية. الجانب الشيعي قد يكون له عرض جيد على القنوات، وقد يكون أذكى. ولكن ربما، كما أشرت أنت، قد تكون هناك طوائف شيعية في العراق مثلا تقتل على المذهب، فحينها لو كنت عراقيا لكنت شديدا على الشيعة هناك لأنهم الطرف القوي.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".