تمثال ابن رشد في قرطبة-اسبانيا/Shutterstock
تمثال ابن رشد في قرطبة-اسبانيا/Shutterstock

هل فكرت يوماً بتاريخ التطرف؟ قد يكون معرفة الوقت الذي بدأت فيه هذه الظاهرة بالتغلغل في عقول الناس أمراً صعباً. ولكن نظرة سريعة إلى حياة عدد من أعلام المسلمين تشير إلى أن عدداً كبيراً منهم قد تعرض للإضطهاد على يد متطرفين أكانوا ولاة وحكام أم من المتنفذين. وكانت تبعات ذلك حرق مؤلفاتهم أو سجنهم أو حتى نفيهم، ومنهم:

1-جابر بن حيان

عالم وكيميائي مسلم. عرف بلقب "أبو الكيمياء". وكان ملماً أيضاً بعلم المعادن والفلك والفلسفة والصيدلة. اتهم بالإلحاد والزندقة لأن أعماله استندت على حقائق علمية كانت مخالفة للمعتقدات السائدة في زمنه حيث كان يعتقد أن المعادن الرخيصة يمكن تحويلها إلى معادن ثمينة عبر الطلاء أو عبر السحر، بينما اعتمد هو على العلم فاكتشف علم المعادن. وتقول روايات أخرى إنه مات مسجوناً في عهد الخليفة العباسي هاورن الرشيد.

تختلف الروايات حول مولد تاريخ الكيميائي الشهير، منها ما يقول إنه ولد في مدينة طوس في إيران عام 721 م، ومنها ما يقول إنه ولد في مدينة حران جنوب شرق تركيا. وتوفي في الكوفة في العراق عام 815م.

وترجم عدد من مؤلفاته إلى لغات عدة، من أشهرها كتاب الرسائل السبعين.

2-محمد بن جرير الطبري

مفكر إسلامي. يعتبر من كبار أئمة الاجتهاد والحديث والفقه، عرف بضلوعه في التاريخ. تعرض للاضطهاد من قبل الحنابلة في تلك الفترة والذين أرغموه على البقاء في منزله وألا يخرج منه إلى أن توفي. تقول روايات إن السبب في غضب الحنابلة هو قيام الطبري بتأليف كتاب جمع فيه مختلف فقهاء عصره ولم يذكر فيه شيئاً عن كبار الحنابلة في بغداد ومنهم أحمد بن حنبل لأنه لم "يكن فقيهاً مجتهداً" حسب الطبري وأدى ذلك إلى امتعاض الحنابلة فقاموا باضطهاده.

ولد في طبرستان سنة 224 شمال إيران وبعد الترحال في منطقة الهلال الخصيب (والتي تمتد من نهر النيل في مصر حتى نهري دجلة والفرات في العراق) استقر في بغداد. من أشهر كتبه "تاريخ الأمم والملوك" أو "تاريخ الرسل والملوك"، ويعرف أيضاً بـ"تاريخ الطبري"، والذي يحكي قصة الخليقة منذ بدايتها وصولا إلى سنىة 915 ميلادية (سنة 302 هجرية). تميز بتضمين تفسيرات ووجهات نظر عدة للقصة نفسها، مما جعل أعماله محببة من قبل عدد واسع من القراء، حسب موقع الدراسات الإسلامية التابع لجامعة أكسفورد البريطانية. ومن أعماله أيضاً "صريح السنة" و"جامع البيان في تفسير القرآن".

3-عبد الله ابن المقفع

مفكر وكاتب ومترجم. ولد في إيران عام 724م. سمي بالمقفع عند اعتناقه الإسلام، وذلك نسبة إلى والده الذي تورمت أو تقفعت يداه بسبب محاولته سرقة خزينة الدولة فعندما كشف أمره تلقت يداه العقاب بعصا من حديد.

اضطهد المقفع بسبب خلافه مع والي البصرة، معاوية بن يزيد ما دفع الأخير إلى قتله. وتقول الرواية إن ابن المقفع كان يستخف بالوالي ويسخر به ومن شكله ولهذا السبب دبر الأخير قتله.

عمل ابن المقفع على ترجمة الحكايات من الفارسية ومن أبرز أعماله "كليلة ودمنة" والذي يحكي في هذا الكتاب حكماً ترد على ألسنة الحيوانات.

4- أبو العلاء المعري

أديب وشاعر وفيلسوف سوري. لقب بـ"رهين المحبسين" وذلك لسببين: الأول فقدانه بصره في الثالثة من عمره حين أصيب بمرض الجدري، والسبب الثاني هو قراره الاعتكاف في المنزل بعد وفاة والدته. اتهم بالزندقة لأنه كان يشكك ببعض عقائد الدين الإسلامي. وكان يشك أيضاً بقضية الوحي الإلهي واعتبر أن الدين هو صنيعة الإنسان.

ولد في مدينة معرة النعمان شمال سورية عام 973م وإليها ينسب وتوفي فيها عن عمر يناهز 84 عاماً ووقف على قبره أكثر من ثمانين شاعراً لرثائه. اشتهر بآرائه وكتبه ومن أشهرها "رسالة الغفران" و"اللزوميات". ومن أشهر قصائده "قصيدة تعب كلها الحياة" التي يصور الحياة فيها دون بهرجات.

5- ابن رشد

من أهم أعلام الفلاسفة المسلمين. اشتعر في الغرب باسم "أفيروس". ولد في الأندلس عام 1226. واتبع المذهب المالكي لتفسير الفقه. كان قاضي مدينة قرطبة. عرف بشروحاته لكتب أرسطو والتي ترجمت إلى لغات عدة وتصحيح نظريات الفلسفة لسابقيه.

بخلاف المبدأ السائد في عصره، كان يؤمن بعدم وجود تعارض بين الدين والفلسفة في وقت كان الفلاسفة فيه يؤمنون بالفصل بينهما. ومن أهم كتبه "فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من اتصال".

تعرض للاضطهاد بسبب مكيدة دبرت له فنفي إلى أليسانة وهي مدينة أخرى في الأندلس، ثم أحرقت كتبه وحرم المنصور (حاكم البلاد وقتها) المسلمين من قراءة كتب الفلسفة، حسب ما تقول الروايات. بعد عامين عفا المنصور عنه وأعاده إلى مراكش في المغرب ولكنه لم يستمر طويلاً إلى أن توفي فيها عام 1198م.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.