العاصمة اليمنية صنعاء/وكالة الصحافة الفرنسية
العاصمة اليمنية صنعاء/وكالة الصحافة الفرنسية

صنعاء- بقلم غمدان الدقيمي:

يرتبط إبراهيم أبو جعيل، وهو يمني يعتنق الديانة البهائية، بعلاقات جيدة مع زملائه وأصدقائه وجيرانه المسلمين في العاصمة اليمنية صنعاء. ويقول “اليمن بلد تعايشي”.

ويؤكد أبو جعيل، 41 عاماً، الذي يعمل موظفاً حكومياً في صنعاء، أن لديه عديد الأصدقاء من المسلمين اليمنيين.

أضاف لموقع (إرفع صوتك) إنّه منذ أكثر من عامين، عندما عرفوا أنه بهائي اتخذوا منه موقفاً وقاطعوه لعدة أشهر، "لكن في الأخير اقتنعوا بحريتي الدينية كشخص وعادت علاقتي بهم إلى ما كانت عليه وأفضل”.

وأشار أبو جعيل، وهو أب لخمسة أطفال، إلى أنه يقطن منزلاً يملكه والده وسط العاصمة صنعاء، “أعيش وأشقائي المسلمين في منزل واحد”.

وأرجع أبو جعيل، التعصب الديني من قبل بعض المسلمين اليمنيين إلى “الجهل وضعف الثقافة الدينية”، لكنه قال “من المعروف تاريخياً أن النبي محمد (ص) حث على التعايش، كما ورد في القرآن أنه لا إكراه في الدين”.

متعايشون

من جانبه يقول سعيد الناعطي، 55 عاماً، وهو من معتنقي الديانة اليهودية في اليمن “نحن متعايشون مع المسلمين”.

وأكد الناعطي الذي يعيش في منطقة ريدة بمحافظة عمران (حوالي 50 كم شمالي العاصمة صنعاء)، أنه لا يواجه أي إشكالية مع المسلمين في المنطقة، حيث لا يزال يقطن هناك مع أسرته المكونة من 10 أفراد، رافضاً حتى الآن الهجرة إلى إسرائيل، مفضلاً البقاء في اليمن.

وأضاف الناعطي لموقع (إرفع صوتك)، “ظروفي سيئة، كنت أعمل منذ سنوات طويلة في مجال الخياطة (حرفة يدوية)، ومنذ أكثر من عام توقفت عن ممارسة هذه المهنة، لأن المنتجات لا تحظى بالطلب من المسلمين”.

ويقول إنه بالكاد يستطع حالياً توفير لقمة العيش لأطفاله من خلال عمله في إحدى المزارع هناك، “أعمل أحياناً خلال موسم الزراعة مع المسلمين. أريد الحصول على معاش شهري (راتب حكومي)”.

ربما أبيع منزلي

لكن الناعطي أشار إلى أن هناك عديد إشكاليات تواجههم كأقلية دينية في اليمن، في مقدمتها عدم توفر مدارس خاصة ودور للعبادة، ومع ذلك قال إنه استطاع تدريس أطفاله في منزله في “ريده”، فيما إثنان من أبنائه بعثهما للدراسة في بريطانيا.

وقال “اليهود اليمنيون الذين غادروا مؤخراً إلى إسرائيل السبب الرئيس ظروفهم المعيشة”.

ولم يخف الناعطي القول إنه بات الآن يفكر بالهجرة من اليمن بسبب ظروفه المعيشة، “ربما أبيع منزلي هنا في ريده وأهاجر خارج اليمن.. لم تعترضني مضايقات بسبب ديني، غالبية اليمنيين متعايشين معنا بشكل جيد”.

وتحدث عن بعض المضايقات، لكنه قال إنه يتم حلها من خلال رجال القبائل والمسلمين أنفسهم.. “نحن في اليمن مرتاحون لكن وضعنا المعيشي سيئ جداً”، يقول سعيد الناعطي.

أحببته كثيراً...

“يجب احترام هؤلاء”، الكلام للشاب اليمني المسلم نضال ياسين، متحدثاً عن أبناء الطوائف الدينية الأخرى في اليمن.

يقول ياسين 30 عاماً، لموقع (إرفع صوتك)، “نحن كمواطنين يمنيين، مسلمين ويهود وبهائيين متعايشين، لكن إشكاليتنا هي في الجماعات الدينية المتطرفة”.

أضاف “الحوثيون على سبيل المثال، عصفوا بالتعايش مع اليهود، قاموا بتهجيرهم من محافظة صعدة”.

وتابع ياسين، وهو أب لطفلين، جمعته علاقة صداقة حميمية بأحد أفراد الطائفة اليهودية بصنعاء، “أحببته كثيراً، دائما ما كان يتمنى الخير لليمن”.

دولة يهودية

من جانبه، يقول عبد الباري طاهر، وهو رئيس الهيئة العامة للكتاب، ونقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، إن اليمن بلد متعايش منذ آلاف السنين.

أضاف لموقع (إرفع صوتك)، “في اليمن تأسست دولة يهودية في العهد الحميري الثاني (ما بين 600  إلى 500 سنة قبل الإسلام)، النصرانية أيضاً حكمت اليمن، القرامطة حكموا في اليمن.. كما توحدت اليمن لاحقا لأكثر من 50 سنة تحت حكم الصليحيين، حيث شهد عهد السيدة أروى بنت أحمد الصليحي أهم أشكال التعدد في الفكر والمذاهب الإسلامية”.

ويرى طاهر أن “توظيف الإسلام السياسي والعصبيات التي نشأت ليست فقط ضد الأديان الأخرى، وإنما ضد المذاهب الإسلامية نفسها، هي التي أدت مؤخراً إلى الكارثة التي نعيشها”، في إشارة إلى تصاعد ظاهرة التطرف الديني والمذهبي في اليمن.

إحياء قيم الإسلام

ومن أجل تعزيز ثقافة التعايش، يقول طاهر، “نحتاج عدم توظيف وتسييس الدين الإسلامي ضد الأديان الأخرى.. هذا التوظيف السيئ للإسلام هو ما أدى إلى الكارثة في اليمن والمنطقة العربية بالكامل”.

وأكد طاهر على ضرورة إصلاح النظام التعليمي وخطاب المساجد والإعلام والأحزاب السياسية، والتربية المجتمعية لكونها “ستعيد إحياء قيم الإسلام الإيجابية...”.

واتهم طاهر النظام اليمني السابق بـ“توظيف الدين ضد الشعب والمجتمع والحياة العامة”.

“أجمل قصة للتعايش في اليمن هي وجود الكنائس في مدينة عدن حتى اللحظة، فضلاً عن معبد لليهود ومقابر لهم هناك"، قال طاهر.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.