الباحث المصري أحمد عبده ماهر/يوتيوب
الباحث المصري أحمد عبده ماهر/يوتيوب

حاوره خالد الغالي:

 أحمد ماهر هو أحد أكثر الباحثين إثارة للجدل في مصر. فهو لم يتردد في توجيه النقد الشديد لكتاب "صحيح البخاري". بل رفع دعوى قضائية تتهم شيخ الأزهر بالإهمال والمماطلة في حذف الأحاديث المدسوسة في الكتاب الذي يعتبره أهل السنة ثاني أصح كتاب بعد القرآن.

(إرفع صوتك) يحاور أحمد ماهر حول ما أثاره عن "صحيح البخاري"، و في قضايا أخرى من التراث خاصة ما يسمه بـ"فقه دماء".

لنبدأ بـ"آية السيف"، وهي الآية الخامسة من سورة التوبة: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد".

تُفسر هذه الآية في الكثير من كتب التفسير على أنها تؤصل للعلاقة بين المسلم وغير المسلم على أنها علاقة قتال في كل زمان ومكان؟

هذه الآية هي الخامسة، فلنبدأ من الآية الأولى لنرى ماذا تقول: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين". الأمر يتعلق بناس عاهدوا ونقضوا العهد، فأمرنا الله ألا نقاتلهم في الأشهر الحرم، فإذا انسلخت الأشهر الحرم نقاتلهم، لأنهم نقضوا العهود، وليس معناها أن كل الآيات الخاصة بالرحمة والتسامح الواردة في القرآن تم إلغاؤها بآية السيف. هذا مفهوم خاطئ ابتدعه الفقهاء مثل القول بالجزية على اليهودي والمسيحي. لا جزية على المسيحي واليهودي في القرآن، لكنهم يستخدمون آية في القرآن للقول بذلك.

ما دام أن القتال ليس هو الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم، فكيف يحدد القتال في القرآن؟

القتال في القرآن محدد بآية هي العمدة في الموضوع "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة". هذه الآية تعني أن هناك قتالا من المشركين أولا. الله سبحانه وتعالى تكلم عن القتال في موضع آخر وقال "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".

لا يمكن أن نأتي ونلغي هذه الآيات ونظهر القرآن بمظهر دموي غير حضاري. عندما نحكم على شيء يجب ألا نحكم عليه موضعيا، بل موضوعيا. وهنا فرق بينهما. فأن نلغي كل آيات الرحمة لنخرج بنظرة موضعية، هذا فكر غير موزون.

بعض الفقهاء يعتبرون أن آية السيف نَسخَت كل آيات الرحمة والصفح والموادعة وعدم الإكراه والتعايش مع المشركين، بل يقولون إنها نسخت أكثر من 124 آية في القرآن.

أولا لا يوجد في القرآن شيء اسمه ناسخ ومنسوخ، لكن هناك أحكاما شرعية ألغت أحكاما شرعية في الرسالات السابقة.

على سبيل المثال: كان الصيام أقسى وأصعب في التوراة، فخفف هذا في القرآن وجعل الصوم شهر واحدا في السنة.

كيف لا يوجد ناسخ ومنسوخ في القرآن؟ ألم ينسخ حديث "لا وصية لوارث" آية "الوصية للوالدين والأقربين"؟

أولا، يجب أن يكون معلوما أن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع. أما أن نقول إن السنة القولية التي تمت لملمتها بعد مئات السنين من وفاة الرسول تكون ناسخة للقرآن فهذا "خبل" وفكر منحرف. لا يمكن أن ندحض الوحي السماوي من أجل مرويات أحيانا أحادية، وليست حتى متواترة.

لماذا لا ترى السنة مصدر ثانيا في التشريع في الإسلام؟

أتحدث عن السنة القولية. لا يمكن اعتبارها مصدر تشريع ثانيا للإسلام. السنة القولية لا يصح أن تكون سنة على الإطلاق لأن السنة هي العادة، السنة في اللغة تعني العادة..

عفوا، ولكن حتى السنة الفعلية نقلت إلينا، الأولى نقلت قولا والثانية نقلت فعلا.

السنة الفعلية تواتر على فعلها جماعة من الناس عن جماعة من الناس عبر القرون. هذه الجماعات كانت تتناقلها عمليا. مثلا عمرو بن العاص لما دخل مصر وبنى مسجده، صلى كما كان يصلي خلف رسول الله. على من يدعي خلاف ذلك أن يأتي بدليل، ويقول لنا أن عمرا ابتدع صلاة اسمها صلاة العصر أو صلاة الجمعة لم تكن في عهد النبي... لا نحتاج من السنة القولية إلا ما كان منها موافقا للقرآن وكل ما خالف القرآن يبقى مكذوبا.

وحكم السنة القولية هو أنها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، ولا يمكن أبدا أن تقف في وجه ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

لننتقل إلى حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، وهو تقريبا مرادف آية السيف في السنة.

ما المشكلة في هذا الحديث؟ أنت لا تراه صحيحا؟

لو كان هذا الحديث صحيحا، لكان رسول الله قاتل كل الناس، إنما كل قتاله كان دفاعيا. والدليل على أن التراث متلاعب به هو تسمية كل قتال اشترك فيه رسول الله بـ"الغزوة"، فهل كان رسول الله في بدر وأحد والخندق غازيا أم مغزيا! 

جبلا بدر وأحد يقعان قرب المدينة، والخندق حفر حول المدينة. فالرسول كان مغزيا لا غازيا.

ماذا عن غزوة تبوك، ألم تكن في الشام عندما خرج الرسول لقتال الروم؟

هل تثق أنت بهذه المقولات وتلغي القرآن، وتجعل التراث في أعلى عليين؟ من أجل ماذا؟ من أجل مسخ صورة الرسول وصورة الإسلام. أنت بهذه الطريقة تمسخ صورة القرآن، بأن تنتقي منه الآيات التي تخدم غرضا معينا في ذهنك، وتعلي قيمة المرويات من أجل نفس الأهداف.

بالنسبة لكم أحاديث مثل "أمرت أن أقاتل الناس" و"بعثت بين يدي الساعة بالسيف"  كلها مكذوبة، هل أضيفت إلى كتب الحديث، خاصة البخاري، لاحقا أم ما المشكلة؟

حديث "أمرت أن أقاتل الناس" في صحيح البخاري و"بعثت بين يدي الساعة بالسيف" في مسند أحمد بن حنبل. ولتعرف الدور المهترئ في جمع الأحاديث، حديث "بعثت بين يدي الساعة بالسيف" عُرض على البخاري ولم يقبله ولم يجزه، لكن أخرجه أحمد بن حنبل بعد مئة سنة.

حديث آخر مثلا، وهو حديث المهدي المنتظر، عرض على البخاري ومسلم ولم يجيزاه، لكن الحاكم في مستدركه أجازه. فهذا يدل على الخيبة التي نشأت بها الأحاديث النبوية.

ابن عباس روى 1660 حديثا، بينما في البخاري يقول هو نفسه " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين". فكيف بطفل عمره عشر سنوات حفظ هذا الكم من الأحاديث عن الرسول؟!

هل هي مباشرة عن ابن عباس عن الرسول، أم بينهما راو؟

مباشرة عن ابن عباس عن رسول الله. هنا أيضا مسألة أخرى، مبدأ عدالة الصحابي مخالف للقرآن. فكيف يكون أهل النار عدولا. في القرآن "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما".

ألم يقتل الصحابة بعضهم؟ أليس هناك 40 ألف قتيل في معارك صفين والجمل وغيرها؟ فكيف يكون كل الصحابة عدولا، والقرآن يقول "ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم".

كيف يكون كلهم عدولا والله يقول "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما؟". 

هل تعتقد أن الأحاديث السابقة إذن دست على البخاري ومسلم وغيرهما من مدوني الحديث؟

لا توجد مخطوطة في العالم بخط يد البخاري. أقدم مخطوطة، وهي فقط جزء من صحيح البخاري، تعود إلى 105 سنة بعد وفاة البخاري. أنا طلبت من الأزهر أن يأتي بالمخطوطة التي على أساسها يعطي التصريح للمطابع بطبع البخاري، فجاؤوني بصورة مخطوطة -وليس مخطوطة أصلية- تعود إلى سنة 650 للهجرة، بينما البخاري توفي 256 هجرية، أي بعد 394 من وفاته.

هل بين وفاة البخاري وتاريخ أولى المخطوطات التي لدينا، يمكن أن يكون حدث الحذف والزيادة والتغيير في صحيح البخاري؟

طبعا. وأنا لا أبرئ البخاري نفسه. البخاري ولد سنة 195 للهجرة، وبينه وبين الرسول أربعة إلى خمسة أجيال كلهم ماتوا، فكيف يمكن التحقق من الحديث؟!

لنعد إلى المسائل المتعلقة بقضايا القتال، كيف ترى ما يطلق عليه فقهيا "جهاد الطلب" (المبادرة بغزو البلدان وطلب العدو)؟ انت تقول إن  هناك "جهاد الدفاع" فقط.

يقول المولى عز وجل " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين". هذا هو العمدة في القتال. لا يوجد جهاد الطلب في الإسلام. جهاد الطلب هذا بدعة أموية، وأنا أسمي الفقه الأموي فقها دمويا، أيام عصر التدوين في القرن الثالث والرابع الهجري.

أنت مصري، كيف وصل الصحابة إلى مصر وكيف دخل الإسلام إلى مصر لو لم يكن هناك جهاد طلب؟

قال الله عز وجل في القرآن الكريم "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم". هذه الآية نزلت طرية غضة على الصحابة، لكن عادت إليهم همجيتهم القرشية، حيث كانت قريش تعتمد الإغارة على القبائل المجاورة. فلما مات الرسول، عادت إليهم قرشيتهم وتوارى الإسلام، لذلك الحقبة المثالية في الإسلام ليست حقبة أبي بكر ولا عمر ولا غيرهم، بل حقبة حياة الرسول.

بمعنى أن كل ما يسمى "فتوحات" بعد وفاة الرسول لا علاقة له بالإسلام، وهو فقط "عنجهية قرشية" للبحث عن التوسع؟

نعم، والدليل أنه صاحب هذه الفتوحات وطء نساء، ودخول الدور والقصور وسرقها ونهبها، وبيع الناس في أسواق النخاسة. هذه الأمور كلها لم يأت بها دين سماوي. لا يوجد دين سماوي يقول بإعطاء المرأة المتزوجة للفاتحين وانفساخ كل عقود الزواج بمجرد دخولهم البلاد. فتذهب هذه الفتاة لهذا المقاتل وتلك الفتاة لذلك المقاتل ضمن توزيع الغنائم.

ألم يحدث هذا في العهد النبوي، ألم يتزوج النبي جويرية بنت الحارث وكانت في السبي (بعد غزوة بني المصطلق)؟

أنا أقول منذ البداية إن القرآن هو المصدر الرئيس للتشريع، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان قرآنا يمشي على الأرض. فأي شيء مخالف للقرآن معناه أن النبي لم يعمله. القرآن تكلم عن الغنائم وليس الأسلاب، وبينهما فرق. الغنائم هي عدة المقاتل من سيف ودرع وفرس والأسلاب هي النساء والأطفال والذهب مما لا علاقة بالقتال.

لكن جويرية بنت الحارث لم تكن مقاتلة؟ 

كل القصة مبنية أصلا على زيف. قصة جويرية وغيرها مبنية على سيف. لا أستطيع أن أعتمد أن الرسول خالف أمر الله في الغنائم، لينقض على أسلاب من البشر. الغنائم هي ما كان في ميدان القتال من عدة للمحارب، والله لم يتكلم عن أسلاب إنما عن الغنائم.

لكن واقعة الزواج هذه تاريخية معروفة؟

لا، ليست واقعة عملية. هذه واقعة تاريخية. كونها زوجته واقعة عملية، لكن السبب في أن تكون زوجته (وقوعها في الأسر بعد غزوة بني المصطلق) واقعة روائية.. القصص البعيد عن القصص القرآني، لا أعتمده.

لنتحدث عما يعرف بـ"التترس" وهو العذر الذي تعتمده الجماعات الإسلامية المسلحة لتبرير التفجيرات في البلدان الإسلامية وقتل مسلمين.

كل ما هو دماء وفقه كراهية ليس من الإسلام، بداية من "إذا رأيتم المشركين في الطرقات فاضطروهم إلى أضيقها"، وبأن تعلم دور غير المسلمين بعلامات حتى لا يمر السائل عليهم فيدعو لهم بخير، وأن تعلم المرأة المسيحية بزنار في رقبتها، وألا يوقر المسيحيون في مجلس فيه مسلم وألا يمشوا متجمعين بل فرادى، وأن يركبوا الحمير والبغال ولا يركبوا الخيل لأنها كريمة. كل هذا الكلام، بداية من فقه الكراهية الذي أتحدث عنه وحتى فقه القتل والتفجيرات، من فقه بني أمية.

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".