الباحث المصري أحمد عبده ماهر/يوتيوب
الباحث المصري أحمد عبده ماهر/يوتيوب

حاوره خالد الغالي:

 أحمد ماهر هو أحد أكثر الباحثين إثارة للجدل في مصر. فهو لم يتردد في توجيه النقد الشديد لكتاب "صحيح البخاري". بل رفع دعوى قضائية تتهم شيخ الأزهر بالإهمال والمماطلة في حذف الأحاديث المدسوسة في الكتاب الذي يعتبره أهل السنة ثاني أصح كتاب بعد القرآن.

(إرفع صوتك) يحاور أحمد ماهر حول ما أثاره عن "صحيح البخاري"، و في قضايا أخرى من التراث خاصة ما يسمه بـ"فقه دماء".

لنبدأ بـ"آية السيف"، وهي الآية الخامسة من سورة التوبة: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد".

تُفسر هذه الآية في الكثير من كتب التفسير على أنها تؤصل للعلاقة بين المسلم وغير المسلم على أنها علاقة قتال في كل زمان ومكان؟

هذه الآية هي الخامسة، فلنبدأ من الآية الأولى لنرى ماذا تقول: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين". الأمر يتعلق بناس عاهدوا ونقضوا العهد، فأمرنا الله ألا نقاتلهم في الأشهر الحرم، فإذا انسلخت الأشهر الحرم نقاتلهم، لأنهم نقضوا العهود، وليس معناها أن كل الآيات الخاصة بالرحمة والتسامح الواردة في القرآن تم إلغاؤها بآية السيف. هذا مفهوم خاطئ ابتدعه الفقهاء مثل القول بالجزية على اليهودي والمسيحي. لا جزية على المسيحي واليهودي في القرآن، لكنهم يستخدمون آية في القرآن للقول بذلك.

ما دام أن القتال ليس هو الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم، فكيف يحدد القتال في القرآن؟

القتال في القرآن محدد بآية هي العمدة في الموضوع "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة". هذه الآية تعني أن هناك قتالا من المشركين أولا. الله سبحانه وتعالى تكلم عن القتال في موضع آخر وقال "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".

لا يمكن أن نأتي ونلغي هذه الآيات ونظهر القرآن بمظهر دموي غير حضاري. عندما نحكم على شيء يجب ألا نحكم عليه موضعيا، بل موضوعيا. وهنا فرق بينهما. فأن نلغي كل آيات الرحمة لنخرج بنظرة موضعية، هذا فكر غير موزون.

بعض الفقهاء يعتبرون أن آية السيف نَسخَت كل آيات الرحمة والصفح والموادعة وعدم الإكراه والتعايش مع المشركين، بل يقولون إنها نسخت أكثر من 124 آية في القرآن.

أولا لا يوجد في القرآن شيء اسمه ناسخ ومنسوخ، لكن هناك أحكاما شرعية ألغت أحكاما شرعية في الرسالات السابقة.

على سبيل المثال: كان الصيام أقسى وأصعب في التوراة، فخفف هذا في القرآن وجعل الصوم شهر واحدا في السنة.

كيف لا يوجد ناسخ ومنسوخ في القرآن؟ ألم ينسخ حديث "لا وصية لوارث" آية "الوصية للوالدين والأقربين"؟

أولا، يجب أن يكون معلوما أن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع. أما أن نقول إن السنة القولية التي تمت لملمتها بعد مئات السنين من وفاة الرسول تكون ناسخة للقرآن فهذا "خبل" وفكر منحرف. لا يمكن أن ندحض الوحي السماوي من أجل مرويات أحيانا أحادية، وليست حتى متواترة.

لماذا لا ترى السنة مصدر ثانيا في التشريع في الإسلام؟

أتحدث عن السنة القولية. لا يمكن اعتبارها مصدر تشريع ثانيا للإسلام. السنة القولية لا يصح أن تكون سنة على الإطلاق لأن السنة هي العادة، السنة في اللغة تعني العادة..

عفوا، ولكن حتى السنة الفعلية نقلت إلينا، الأولى نقلت قولا والثانية نقلت فعلا.

السنة الفعلية تواتر على فعلها جماعة من الناس عن جماعة من الناس عبر القرون. هذه الجماعات كانت تتناقلها عمليا. مثلا عمرو بن العاص لما دخل مصر وبنى مسجده، صلى كما كان يصلي خلف رسول الله. على من يدعي خلاف ذلك أن يأتي بدليل، ويقول لنا أن عمرا ابتدع صلاة اسمها صلاة العصر أو صلاة الجمعة لم تكن في عهد النبي... لا نحتاج من السنة القولية إلا ما كان منها موافقا للقرآن وكل ما خالف القرآن يبقى مكذوبا.

وحكم السنة القولية هو أنها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، ولا يمكن أبدا أن تقف في وجه ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة.

لننتقل إلى حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"، وهو تقريبا مرادف آية السيف في السنة.

ما المشكلة في هذا الحديث؟ أنت لا تراه صحيحا؟

لو كان هذا الحديث صحيحا، لكان رسول الله قاتل كل الناس، إنما كل قتاله كان دفاعيا. والدليل على أن التراث متلاعب به هو تسمية كل قتال اشترك فيه رسول الله بـ"الغزوة"، فهل كان رسول الله في بدر وأحد والخندق غازيا أم مغزيا! 

جبلا بدر وأحد يقعان قرب المدينة، والخندق حفر حول المدينة. فالرسول كان مغزيا لا غازيا.

ماذا عن غزوة تبوك، ألم تكن في الشام عندما خرج الرسول لقتال الروم؟

هل تثق أنت بهذه المقولات وتلغي القرآن، وتجعل التراث في أعلى عليين؟ من أجل ماذا؟ من أجل مسخ صورة الرسول وصورة الإسلام. أنت بهذه الطريقة تمسخ صورة القرآن، بأن تنتقي منه الآيات التي تخدم غرضا معينا في ذهنك، وتعلي قيمة المرويات من أجل نفس الأهداف.

بالنسبة لكم أحاديث مثل "أمرت أن أقاتل الناس" و"بعثت بين يدي الساعة بالسيف"  كلها مكذوبة، هل أضيفت إلى كتب الحديث، خاصة البخاري، لاحقا أم ما المشكلة؟

حديث "أمرت أن أقاتل الناس" في صحيح البخاري و"بعثت بين يدي الساعة بالسيف" في مسند أحمد بن حنبل. ولتعرف الدور المهترئ في جمع الأحاديث، حديث "بعثت بين يدي الساعة بالسيف" عُرض على البخاري ولم يقبله ولم يجزه، لكن أخرجه أحمد بن حنبل بعد مئة سنة.

حديث آخر مثلا، وهو حديث المهدي المنتظر، عرض على البخاري ومسلم ولم يجيزاه، لكن الحاكم في مستدركه أجازه. فهذا يدل على الخيبة التي نشأت بها الأحاديث النبوية.

ابن عباس روى 1660 حديثا، بينما في البخاري يقول هو نفسه " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين". فكيف بطفل عمره عشر سنوات حفظ هذا الكم من الأحاديث عن الرسول؟!

هل هي مباشرة عن ابن عباس عن الرسول، أم بينهما راو؟

مباشرة عن ابن عباس عن رسول الله. هنا أيضا مسألة أخرى، مبدأ عدالة الصحابي مخالف للقرآن. فكيف يكون أهل النار عدولا. في القرآن "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما".

ألم يقتل الصحابة بعضهم؟ أليس هناك 40 ألف قتيل في معارك صفين والجمل وغيرها؟ فكيف يكون كل الصحابة عدولا، والقرآن يقول "ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم".

كيف يكون كلهم عدولا والله يقول "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما؟". 

هل تعتقد أن الأحاديث السابقة إذن دست على البخاري ومسلم وغيرهما من مدوني الحديث؟

لا توجد مخطوطة في العالم بخط يد البخاري. أقدم مخطوطة، وهي فقط جزء من صحيح البخاري، تعود إلى 105 سنة بعد وفاة البخاري. أنا طلبت من الأزهر أن يأتي بالمخطوطة التي على أساسها يعطي التصريح للمطابع بطبع البخاري، فجاؤوني بصورة مخطوطة -وليس مخطوطة أصلية- تعود إلى سنة 650 للهجرة، بينما البخاري توفي 256 هجرية، أي بعد 394 من وفاته.

هل بين وفاة البخاري وتاريخ أولى المخطوطات التي لدينا، يمكن أن يكون حدث الحذف والزيادة والتغيير في صحيح البخاري؟

طبعا. وأنا لا أبرئ البخاري نفسه. البخاري ولد سنة 195 للهجرة، وبينه وبين الرسول أربعة إلى خمسة أجيال كلهم ماتوا، فكيف يمكن التحقق من الحديث؟!

لنعد إلى المسائل المتعلقة بقضايا القتال، كيف ترى ما يطلق عليه فقهيا "جهاد الطلب" (المبادرة بغزو البلدان وطلب العدو)؟ انت تقول إن  هناك "جهاد الدفاع" فقط.

يقول المولى عز وجل " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين". هذا هو العمدة في القتال. لا يوجد جهاد الطلب في الإسلام. جهاد الطلب هذا بدعة أموية، وأنا أسمي الفقه الأموي فقها دمويا، أيام عصر التدوين في القرن الثالث والرابع الهجري.

أنت مصري، كيف وصل الصحابة إلى مصر وكيف دخل الإسلام إلى مصر لو لم يكن هناك جهاد طلب؟

قال الله عز وجل في القرآن الكريم "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم". هذه الآية نزلت طرية غضة على الصحابة، لكن عادت إليهم همجيتهم القرشية، حيث كانت قريش تعتمد الإغارة على القبائل المجاورة. فلما مات الرسول، عادت إليهم قرشيتهم وتوارى الإسلام، لذلك الحقبة المثالية في الإسلام ليست حقبة أبي بكر ولا عمر ولا غيرهم، بل حقبة حياة الرسول.

بمعنى أن كل ما يسمى "فتوحات" بعد وفاة الرسول لا علاقة له بالإسلام، وهو فقط "عنجهية قرشية" للبحث عن التوسع؟

نعم، والدليل أنه صاحب هذه الفتوحات وطء نساء، ودخول الدور والقصور وسرقها ونهبها، وبيع الناس في أسواق النخاسة. هذه الأمور كلها لم يأت بها دين سماوي. لا يوجد دين سماوي يقول بإعطاء المرأة المتزوجة للفاتحين وانفساخ كل عقود الزواج بمجرد دخولهم البلاد. فتذهب هذه الفتاة لهذا المقاتل وتلك الفتاة لذلك المقاتل ضمن توزيع الغنائم.

ألم يحدث هذا في العهد النبوي، ألم يتزوج النبي جويرية بنت الحارث وكانت في السبي (بعد غزوة بني المصطلق)؟

أنا أقول منذ البداية إن القرآن هو المصدر الرئيس للتشريع، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان قرآنا يمشي على الأرض. فأي شيء مخالف للقرآن معناه أن النبي لم يعمله. القرآن تكلم عن الغنائم وليس الأسلاب، وبينهما فرق. الغنائم هي عدة المقاتل من سيف ودرع وفرس والأسلاب هي النساء والأطفال والذهب مما لا علاقة بالقتال.

لكن جويرية بنت الحارث لم تكن مقاتلة؟ 

كل القصة مبنية أصلا على زيف. قصة جويرية وغيرها مبنية على سيف. لا أستطيع أن أعتمد أن الرسول خالف أمر الله في الغنائم، لينقض على أسلاب من البشر. الغنائم هي ما كان في ميدان القتال من عدة للمحارب، والله لم يتكلم عن أسلاب إنما عن الغنائم.

لكن واقعة الزواج هذه تاريخية معروفة؟

لا، ليست واقعة عملية. هذه واقعة تاريخية. كونها زوجته واقعة عملية، لكن السبب في أن تكون زوجته (وقوعها في الأسر بعد غزوة بني المصطلق) واقعة روائية.. القصص البعيد عن القصص القرآني، لا أعتمده.

لنتحدث عما يعرف بـ"التترس" وهو العذر الذي تعتمده الجماعات الإسلامية المسلحة لتبرير التفجيرات في البلدان الإسلامية وقتل مسلمين.

كل ما هو دماء وفقه كراهية ليس من الإسلام، بداية من "إذا رأيتم المشركين في الطرقات فاضطروهم إلى أضيقها"، وبأن تعلم دور غير المسلمين بعلامات حتى لا يمر السائل عليهم فيدعو لهم بخير، وأن تعلم المرأة المسيحية بزنار في رقبتها، وألا يوقر المسيحيون في مجلس فيه مسلم وألا يمشوا متجمعين بل فرادى، وأن يركبوا الحمير والبغال ولا يركبوا الخيل لأنها كريمة. كل هذا الكلام، بداية من فقه الكراهية الذي أتحدث عنه وحتى فقه القتل والتفجيرات، من فقه بني أمية.

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.