تطرف

إحراق الكتب.. النار التي تحمي العقيدة

خالد الغالي
23 مايو 2019

بحلول السنة 16 للهجرة، بسط المسلمون سيطرتهم على سائر بلاد فارس.

كانت فارس إمبراطورية عظيمة متواصلة منذ أكثر من 1000 عام. وكانت لعلوم الحساب والهندسة والفلسفة والفلك والمنطق والموسيقى (العلوم العقلية أو علوم الأوائل) عند الفرس مكانة خاصة.

بعد سقوط المدائن، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، والتوغل في عمق فارس، وجد المسلمون أنفسهم أمام آلاف الكتب، والمكتبات، لم يعهدوها ولم يعهدوا ما بها من علوم. فبعث قائد الجيش الإسلامي سعد بن أبي وقاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة يستشيره.

ينقل ابن خلدون في مقدمته رد الخليفة. "فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا االله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا االله. فطرحوها في الماء أو في النار. وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا".

نار تحمي العقيدة

كان رد الخليفة الثاني، وهو صانع مؤسسات الدّولة الإسلاميّة، نابعا من الرغبة في حماية القرآن، كتاب الأمة المقدس، واقتناعه الشديد بأن المسلمين في غنى عما سواه.

في الواقع، وقف هاجس حماية القرآن ليس فقط أمام الاستفادة من علوم الفرس، بل وراء التردد في كتابة السنة نفسها. والأمثلة كثيرة حول إحراق أو إتلاف الصحابة لصحائف الأحاديث. عمر نفسه عزم في البداية أن يكتب السنن، ثم تراجع عن قراره وكتب إلى الأمصار: "من كان عنده شيء فليمحه".

بل إن كتابة القرآن شابها التردد ذاته. وتنقل المصادر التاريخية أن عمرا اقترح على الخليفة الأول أبي بكر جمع القرآن، فرد الأخير: "رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله". لكنه "استبصر ورجع إلى رأي عمر وأمر زيدا بن ثابت بجمعه" (ابن خلدون).

وحتى بعد جمع القرآن كاملا، في عهد الخليفة الثالث عثمان، استخدم الإحراق مجددا لحماية العقيدة.

وتشير القصة المعروفة إلى أن الخليفة عثمان وزع نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية، ثم أحرق ما سواه. "وذلك ليجمع أمة محمد على قراءة واحدة خوفا عليها من مغبة الاختلاف والانقسام"، يقول خالد السعيد في كتابه "حرق الكتب: تاريخ إتلاف الكتب والمكتبات".

وزع الخليفة عثمان نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية ثم أحرق ما سواه.

​​بعد الاطمئنان إلى سلامة القرآن، انتقل المسلمون إلى تدوين السنة. وكانت كتب الرأي والكلام الضحية الجديدة. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل: أكتب الرأي؟ فأجاب: لا تفعل عليك بالحديث والآثار.

هكذا، أحرقت كتب الرأي لحماية الحديث. أحيانا قام بذلك ملاك الكتب أو كتابها.

يقول ناصر الخزيمي في كتابه "حرق الكتب في التراث العربي": "في الفترات المبكرة من الإسلام استثني القرآن الكريم من هذا العداء، فدُوّن مصحف عثمان وأتلف ما عداه من المصاحف. ثم تطور الموقف، فاستثني تدوين السنة مع القرآن وكره ما عداه مثل كتب الرأي (الفقه المجرد) والتي استثنيت فيما بعد.. حتى شمل ذلك كتب الأدب والتاريخ واللغة".

لكن هذا لم يمنع أن يتم، خلال هذه الفترة المبكرة من عمر دولة الإسلامية (القرن الأول)، إحراق الكتب لأسباب سياسية محضة لا علاقة لها بالعقيدة.

ينقل الزبير بن بكار في "الموفقيات" أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان استحسن سنة 82 هجرية إحراق ابنه سليمان بن عبد الملك لكتاب يمدح أهل المدينة. وخشي الخليفة أن يطلع أهل الشام على الكتاب، الذي ألفه أبان بن عثمان بن عفان، حول فضائل أهل المدينة. وقال بوضوح إنه لا حاجة له في كتاب "يُعَرِّف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها".

حرائق في الشرق والغرب

ظل نطاق إحراق الكتب محدودا في الدولة الأموية ثم العباسية. لكنه توسع بشكل ملفت في الأندلس والغرب الإسلامي، حيث وقعت عمليات إحراق شهيرة لمؤلفات كبار الفقهاء والمفكرين: ابن مسرة، ابن حزم، أبو حامد الغزالي، ابن رشد، لسان الدين بن الخطيب...إلخ.

ومن الخلفاء العباسيين المشهورين في هذا المجال: المهدي. يقول ناصر الخزيمي: "اشتهر عن المهدي شدته على الزنادقة، حتى استحدث ما يسمى بصاحب الزنادقة". كان يمتحنهم ويحرق كتبهم. وكان من ضحاياه شاعران عباسيان معروفان: بشار بن برد وصالح بن عبد القدوس.

أما في الأندلس، فتحول إحراق الكتب إلى ما يشبه الظاهرة بسبب العداء الشديد للفلسفة بين الناس. يقول خالد السعيد: "ومما يدعو للعجب أن العداء للفلسفة والفلاسفة كان منبعه العوام لا الملوك والحكام. فملوك الأندلس وأمراؤها لم يلاحقوا الفلاسفة ولم يحرقوا كتبهم بغضا فيهم وإرهابا لهم، وإنما لجأوا إلى ذلك توددا للعوام وتزلفا".

​​وينقل السعيد عن أحمد المقري التلمساني صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب": "إنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه. فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان أو يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة. وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت".

ومن أمثلة من أحرقوا الكتب استرضاء "للعامة" المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة الأموي هشام المؤيد بالله (كان طفلا). يذكر صلاح الدين الصفدي، صاحب الوافي بالوفيات، أنه لما آلت إليه مقاليد الحكم، عمد إلى مكتبة الخليفة السابق المستنصر بالله و"أمر بإفراد ما فيها من كتب الأوائل، حاشا كتب الطب والحساب، وأمر بإحراقها، فأحرقت.. فعل ذلك تحببا إلى العوام وتقبيحا لرأي المستنصر".

أشار إلى هذه القصة أيضا ناصر الخزيمي في كتابه. ونقل خالد السعيد أن مكتبة المستنصر بلغت 400 ألف مجلد.

وفي الأندلس كذلك، أمر السلطان المرابطي علي بن يوسف (كان يحكم الأندلس انطلاقا من المغرب) بإحراق كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، فـ"أحرق بقرطبة على الجانب الغربي من رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا، بمحضر جماعة من أعيان الناس" (المعيار المعرب للونشريسي).

وجرى الإحراق بتوجيه من فقهاء الدولة المرابطية بعد إصدار قاضي الجماعة محمد بن حمدين فتوى بتكفير الغزالي بسبب ميولاته الصوفية والفلسفية.

واستمرت الحملة على كتاب الغزالي وكتابه "الإحياء" حتى بعد وفاة السلطان علي بن يوسف. فقد وجه ابنه تاشفين رسالة إلى عماله وقضاته يقول فيها: "فمتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة فإياكم وإياه، وخاصة، وفقكم الله، كتب أبي حامد الغزالي. فليتتبع أثرها وليقطع بالحرق المتتابع ضرها".

وفي قرطبة، وقعت محنة الفيلسوف المعروف ابن رشد. اتهم بالإلحاد وأحرقت كتبه، ثم نفي إلى المغرب حتى مات هناك.​

​​وفي ساحة غرناطة سنة 773هـ، أحرقت كتب الوزير والأديب لسان الدين بن الخطيب، وكان أغلبها في العقائد والأخلاق. ولقي صاحب "الإحاطة في أخبار غرناطة" نهاية مأساوية، فقد قتل خنقا في سجنه بالمغرب الذي فر إليه وأحرقت جثته.

صراع المذاهب

ينقل الوزير جمال الدين القفطى في كتابه "إنباه الرواة على أنباه النحاة" واقعة طريفة بطلها الحسن بن أحمد الهمداني، المعروف بابن الحائك.

ألف ابن الحائك كتابا من 10 أجزاء عن عجائب اليمن وأهله وقبائله، وأسماه "الإكليل". ولأن الكتاب يشتمل على عيوب كثير من القبائل، فقد عمد أهلها إلى إتلاف أية نسخة وقعت عليها أيديهم، حتى كاد الكتاب يختفي تماما.

لكن هذه الواقعة استثنائية، فنادرا ما لجأت القبائل إلى إحراق أو إتلاف كتب تذمها. في المقابل، مثل هذه الحوادث متكررة جدا في الصراعات المذهبية.

يحكي المقري التلمساني في "نفح الطيب" أن "القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي ألف كتابا لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب، في مئة جزء وسماه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر فغرقه في النيل".

​​وفي الأندلس، دفعت الخصومة بين فقهاء المالكية وابن حزم (إمام الظاهرية) إلى نبذه وإحراق كتبه.

وفي المغرب، دفع التعصب للمذهب الظاهري السلطان الموحدي يعقوب بن يوسف إلى الأمر بإحراق كثير من كتب المذهب المالكي.

عبد الواحد المراكشي صاحب "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" عاين عملية الإحراق ووصفها قائلا: "لقد شهدت منها، وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، وتوضع، وتُطلق فيها النار". (خالد السعيد: حرق الكتب..)

ودفعت الخلافات الشيعية السنية مثلا إلى الهجوم على بيت شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي وإحرِاق كتبُه ومآثره كما يورد ابن كثير في البداية والنهاية.

ولا يثير حرق كتب المخالفين، خاصة إذا ما قرن بتهمة الزندقة أو الإلحاد، أي اعتراضات لدى الفقهاء. فابن كثير يصف الطوسي بأنه "متكلم الشيعة" ويشيد بحرق دفاتره "التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته" ويختم "ولله الحمد".

أما ابن قيم الجوزية، فيؤكد أن "كل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها". بل إن ذلك "أولى من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم" (الطرق الحكمية).

مكتبات محروقة

كانت الخلافات المذهبية مبررا كافيا لحرق المكتبات. وكان الحكام الجدد غالبا ما يستحوذون على كتب الطب والطبيعة والرياضيات والفلك، قبل إضرام النار في الكتب الفقهية والفكرية والفلسفية.

ويشير خالد السعيد في كتابه إلى إحراق الفاطميين لمكتبة "المعصومة" بتاهرت مركز الدولة الرستمية (في الجزائر حاليا). وكانت هذه المكتبة تضم 300 ألف كتاب "من صنوف العلم وضروب الأدب".

تعرضت المكتبة للدمار سنة 296 هجرية، "لما زحف أبو عبيد الله الشيعي (مؤسس الدولة الفاطمية) بجيشه.. ودخل المعصومة فأخذ ما فيها من كتب الرياضيات والفلك والهندسة والصناعة، وأحرق ما عدا ذلك. فقضى في لحظات قليلة على ما زرعه علماء المسلمين وفقهاؤهم في عقود طويلة".

في المقابل، تشير أصابع الاتهام إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي بتدمير وحرق مكتبات الفاطميين بالقاهرة بعد الإطاحة بدولتهم.

لوحة "صلاح الدين"، لكريستيفانو ديل ألتيسيمو، 1568.

​​يقول محمد كامل حسين كامل في كتباه "في أدب مصر الفاطمية": "ونحن لا نتردّد في اتّهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري تعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد حرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفاً من أن يكون بالشعر مديح للأئمة، وهو كفر بزعمهم".

لكن في المقابل، هناك من يرى أن صلاح الدين لم يحرق مكتبات الفاطميين، وإنما اكتفى ببيع وتوزيع كتبها فقط، معتمدين على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، مثل المقريزي وابن الأثير.

يقول المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (المعروف بالخطط المقريزية) نقلا عن المؤرخ الحلبي يحيى بن أبي طي: "ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال: إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة.. ويقال: إنها كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب (أي مليون و600 ألف كتاب)!".

وقال ابن الأثير في "الكامل في التاريخ": "وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يُعد، فباع (إي صلاح الدين) جميع ما فيه".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

تقع مصفاة بيجي في محافظة صلاح الدين وقد تأسست عام 1978.
تقع مصفاة بيجي في محافظة صلاح الدين وقد تأسست عام 1978.

بعد نحو عشرة أعوام على توقف الإنتاج فيها إثر معارك طاحنة بين القوات الأمنية العراقية وتنظيم داعش، تعود مصفاة بيجي،  أكبر مصافي البلاد للإنتاج، إلى العمل مجددا وسط جدل مستمر حول سرقة معداتها التي تتجنب الحكومة الخوض في تفاصيلها.

يقع مصفى بيجي في محافظة صلاح الدين متوسطاً الطريق بين بغداد والموصل. ويعتبر أكبر مجمعات تصفية وتصنيع النفط في العراق. جرى افتتاحه عام 1978 وتبلغ طاقته الإنتاجية 15 مليون طن سنوياً من المشتقات النفطية، فيما تبلغ طاقته التكريرية 310 آلاف برميل يومياً.

الموقع الإستراتيجي لمدينة بيجي ومصفاتها جعلها هدفاً لعصابات داعش في يونيو 2014، فهي تقع على مفترق طرق رئيسة تربط بين بغداد والموصل وصلاح الدين وكركوك وديالى، والسيطرة عليها تعني قطع طريق الإمداد القادم من بغداد. أما السيطرة على المصفاة فكانت تعني الحصول على خزانات وقود ضخمة وتوفير دخل مادي كبير للتنظيم.

ولأكثر من عام، ظلت قوة أمنية صغيرة داخل المصفى تقاتل بشراسة لمنع التنظيم المتشدد من قطع طرق الإمداد أو الحصول على مخزونات النفط.

معارك شرسة

المعارك التي خاضتها القوات الأمنية ضد تنظيم داعش تحدث عنها للإعلام العقيد علي الكناني الذي استلم قيادة القوات بعد مقتل قائد حماية المصفاة.

امتد الكر والفر في معارك ضارية بين القوات الأمنية وعناصر داعش للفترة من يونيو 2014 حتى أكتوبر 2015. قال الكناني في تصريحاته الإعلامية إن القوات الأمنية صدت خلالها 40 هجوماً واسعاً و175 تعرضاً استخدم خلاله مقاتلو ا داعش مئات السيارات المفخخة فكانت سحب الدخان جراء حرق خزانات الوقود تحجب أشعة الشمس وكان المكان يهتز باستمرار على وقع السيارات المفخخة.

في البداية كان عدد الجنود في المصفى لا يتجاوز 110، واستمرت هذه القوة الصغيرة بحماية المصفى حتى أغسطس 2014 حين تمكنت القوات الأمنية من إيصال التعزيزات ليصبح العدد الكلي للمقاتلين 350 جندياً من كل الصنوف.

وقبل ذلك، تمكن التنظيم من إسقاط مروحيتين لتتوقف التعزيزات حتى الاستعانة بقوات التحالف لإيصال العتاد باستخدام مظلات كبيرة الحجم تلقى من ارتفاعات عالية.

شن داعش أشرس هجماته على المصفى في نيسان 2015 بحوالي 1400 مقاتل، واستمر الهجوم 11 يوماً استخدم التنظيم خلالها كل ما لديه من أسلحة من ضمنها غاز الكلور وعشرات من السيارات المفخخة والقصف بالهاون، كما راقب المكان بالطائرات المسيرة لتحديد تحركات الجنود، ليقتل في تلك الهجمة قائد القوة اللواء الركن ضيف الطائي ومعاونه العميد عبد الكريم شبر.

حينها، وكما روى الكناني، استخدم داعش مكبرات الصوت يطالب فيها القوات بالاستسلام مع وعود بعدم المساس بهم، لكن أحداث "مجزرة سبايكر" لم تكن تبعد أكثر من 35 كيلومتراً عن المصفى، ورفض الجنود تلقي المصير ذاته بالوعود ذاتها.

استمرت المعارك الضارية حتى تمكنت القوات المسلحة العراقية من السيطرة على مدينة بيجي، لتصل  قوات مكافحة الإرهاب ترافقها فصائل من الحشد الشعبي ويعلن العراق تحرير المصفى في 20 أكتوبر 2015.

 

نكسة

تعرض المصفى إلى تدمير كبير في خطوط الأنابيب ومرافق التخزين المرتبطة به جراء العمليات العسكرية التي دارت فيه، ثم تعرض إلى عملية نهب منظمة للآلات والمعدات، ما تسبب بتوقفه عن العمل بالكامل.

أعيدت المواد المنهوبة من أربيل عاصمة إقليم كردستان في أغسطس 2023، حيث كانت مخزنة لسبع سنوات، إلى بغداد، محملة على عشرات الشاحنات. حصل ذلك بعد ظهور "تاجر كردي" تبرع بإعادة تلك المواد إلى بغداد وقال حينها إنه ينفذ وصية شقيقه الراحل الذي قام بدفع مبلغ 300 مليون دولار إلى جهات لم يسمّها وأنه يتبرع بهذا المبلغ إلى حكومة المركز!.

كل هذه التفاصيل رواها رئيس لجنة الطاقة في البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي، في لقاء تلفزيوني، قال فيه إن جهات في مجلس الوزراء كانت على علم بوجود تلك المواد منذ عام 2017.

واتهمت العديد من الجهات مليشيا "عصائب أهل الحق" في التورط في القضية، إلا أن زعيمها قيس الخزعلي نفى التهمة وقال في لقاء تلفزيوني إن "مسؤول القوة العسكرية لعصائب أهل الحق قام بتسليم المصفى إلى القوة الماسكة بوجود أبو مهدي المهندس وشخص آخر لا أتذكره"، مشيرا إلى أن من مسك الأرض هي قوات متعددة وليست قوة واحدة متجنباً ذكر اسم تلك القوات.

ورغم الجدل الكبير الذي رافق إعادة المواد المنهوبة والمطالبات الشعبية بمحاسبة الجهات المسؤولة عن عملية النهب، إلا أن أي جهة لم يتم الإعلان عن مسؤوليتها وجرى الاكتفاء باستعادة المعدات والمضيّ قدماً بعملية التأهيل.

 

إعادة الافتتاح

أعاد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني افتتاح مصفاة بيجي في 24 فبراير الحالي، بعد إعادة تأهيلها التي استغرقت سبعة أشهر من تاريخ استلام المواد المنهوبة.

وقال خلال حفل الافتتاح "نحن أمام إنجاز ينظر له من عدة نواح، فمن الناحية الاقتصادية فإن العراق المعروف بثروته النفطية وينتج أكثر من أربعة ملايين برميل من النفط يومياً يقوم باستيراد مشتقات نفطية وهي سياسة كانت قائمة منذ عقود".

وأوضح السوداني أن حكومته "تعمل على تأمين كافة احتياجات البلد النفطية من خلال افتتاح مصفى كربلاء الكبير ومصفى في البصرة، ليحقق خطوة مهمة ومتقدمة في طريق إعلان العراق بعد إكمال باقي المشاريع في موعد أقصاه منتصف 2025،  الانتهاء من استيراد المشتقات النفطية، وسيتم تحويل الأموال الطائلة من مليارات الدولارات إلى جوانب أخرى".

على الصعيد ذاته، يتفق أستاذ اقتصاديات النفط بجامعة المعقل بالبصرة نبيل المرسومي، مع ما ذهب إليه السوداني، فالعراق "رغم أنه واحد من أكبر المنتجين للنفط إلا أنه يعاني عجزاً في المشتقات النفطية يستنزف نحو خمسة مليارات دولار من موارد البلاد لتوفير احتياجات السوق المحلية عبر الاستيراد".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن هذا الأمر "دفع الحكومة مؤخراً إلى إطلاق مخطط لزيادة سعة مصافي النفط في العراق، بهدف وقف استيراد الوقود وتحقيق شبه الاكتفاء الذاتي من المنتجات النفطية بحلول عام 2025 والتحول بعد ذلك إلى التصدير للخارج".

وإذا ما نجح العراق في خططه، بحسب المرسومي، فإن "الإنتاج الإجمالي للمصافي سيرتفع إلى 27 مليون لتر يومياً وهو يغطي نسبة 90% من الاستهلاك المحلي من البنزين".

عندئذ، سيحتاج العراق إلى استيراد ثلاثة ملايين لتر يومياً فقط من البنزين الذي يشكل حالياً ثلاثة أرباع المشتقات النفطية المستوردة، يتابع المرسومي.