تطرف

إحراق الكتب.. النار التي تحمي العقيدة

خالد الغالي
23 مايو 2019

بحلول السنة 16 للهجرة، بسط المسلمون سيطرتهم على سائر بلاد فارس.

كانت فارس إمبراطورية عظيمة متواصلة منذ أكثر من 1000 عام. وكانت لعلوم الحساب والهندسة والفلسفة والفلك والمنطق والموسيقى (العلوم العقلية أو علوم الأوائل) عند الفرس مكانة خاصة.

بعد سقوط المدائن، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، والتوغل في عمق فارس، وجد المسلمون أنفسهم أمام آلاف الكتب، والمكتبات، لم يعهدوها ولم يعهدوا ما بها من علوم. فبعث قائد الجيش الإسلامي سعد بن أبي وقاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة يستشيره.

ينقل ابن خلدون في مقدمته رد الخليفة. "فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا االله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا االله. فطرحوها في الماء أو في النار. وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا".

نار تحمي العقيدة

كان رد الخليفة الثاني، وهو صانع مؤسسات الدّولة الإسلاميّة، نابعا من الرغبة في حماية القرآن، كتاب الأمة المقدس، واقتناعه الشديد بأن المسلمين في غنى عما سواه.

في الواقع، وقف هاجس حماية القرآن ليس فقط أمام الاستفادة من علوم الفرس، بل وراء التردد في كتابة السنة نفسها. والأمثلة كثيرة حول إحراق أو إتلاف الصحابة لصحائف الأحاديث. عمر نفسه عزم في البداية أن يكتب السنن، ثم تراجع عن قراره وكتب إلى الأمصار: "من كان عنده شيء فليمحه".

بل إن كتابة القرآن شابها التردد ذاته. وتنقل المصادر التاريخية أن عمرا اقترح على الخليفة الأول أبي بكر جمع القرآن، فرد الأخير: "رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله". لكنه "استبصر ورجع إلى رأي عمر وأمر زيدا بن ثابت بجمعه" (ابن خلدون).

وحتى بعد جمع القرآن كاملا، في عهد الخليفة الثالث عثمان، استخدم الإحراق مجددا لحماية العقيدة.

وتشير القصة المعروفة إلى أن الخليفة عثمان وزع نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية، ثم أحرق ما سواه. "وذلك ليجمع أمة محمد على قراءة واحدة خوفا عليها من مغبة الاختلاف والانقسام"، يقول خالد السعيد في كتابه "حرق الكتب: تاريخ إتلاف الكتب والمكتبات".

وزع الخليفة عثمان نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية ثم أحرق ما سواه.

​​بعد الاطمئنان إلى سلامة القرآن، انتقل المسلمون إلى تدوين السنة. وكانت كتب الرأي والكلام الضحية الجديدة. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل: أكتب الرأي؟ فأجاب: لا تفعل عليك بالحديث والآثار.

هكذا، أحرقت كتب الرأي لحماية الحديث. أحيانا قام بذلك ملاك الكتب أو كتابها.

يقول ناصر الخزيمي في كتابه "حرق الكتب في التراث العربي": "في الفترات المبكرة من الإسلام استثني القرآن الكريم من هذا العداء، فدُوّن مصحف عثمان وأتلف ما عداه من المصاحف. ثم تطور الموقف، فاستثني تدوين السنة مع القرآن وكره ما عداه مثل كتب الرأي (الفقه المجرد) والتي استثنيت فيما بعد.. حتى شمل ذلك كتب الأدب والتاريخ واللغة".

لكن هذا لم يمنع أن يتم، خلال هذه الفترة المبكرة من عمر دولة الإسلامية (القرن الأول)، إحراق الكتب لأسباب سياسية محضة لا علاقة لها بالعقيدة.

ينقل الزبير بن بكار في "الموفقيات" أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان استحسن سنة 82 هجرية إحراق ابنه سليمان بن عبد الملك لكتاب يمدح أهل المدينة. وخشي الخليفة أن يطلع أهل الشام على الكتاب، الذي ألفه أبان بن عثمان بن عفان، حول فضائل أهل المدينة. وقال بوضوح إنه لا حاجة له في كتاب "يُعَرِّف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها".

حرائق في الشرق والغرب

ظل نطاق إحراق الكتب محدودا في الدولة الأموية ثم العباسية. لكنه توسع بشكل ملفت في الأندلس والغرب الإسلامي، حيث وقعت عمليات إحراق شهيرة لمؤلفات كبار الفقهاء والمفكرين: ابن مسرة، ابن حزم، أبو حامد الغزالي، ابن رشد، لسان الدين بن الخطيب...إلخ.

ومن الخلفاء العباسيين المشهورين في هذا المجال: المهدي. يقول ناصر الخزيمي: "اشتهر عن المهدي شدته على الزنادقة، حتى استحدث ما يسمى بصاحب الزنادقة". كان يمتحنهم ويحرق كتبهم. وكان من ضحاياه شاعران عباسيان معروفان: بشار بن برد وصالح بن عبد القدوس.

أما في الأندلس، فتحول إحراق الكتب إلى ما يشبه الظاهرة بسبب العداء الشديد للفلسفة بين الناس. يقول خالد السعيد: "ومما يدعو للعجب أن العداء للفلسفة والفلاسفة كان منبعه العوام لا الملوك والحكام. فملوك الأندلس وأمراؤها لم يلاحقوا الفلاسفة ولم يحرقوا كتبهم بغضا فيهم وإرهابا لهم، وإنما لجأوا إلى ذلك توددا للعوام وتزلفا".

​​وينقل السعيد عن أحمد المقري التلمساني صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب": "إنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه. فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان أو يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة. وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت".

ومن أمثلة من أحرقوا الكتب استرضاء "للعامة" المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة الأموي هشام المؤيد بالله (كان طفلا). يذكر صلاح الدين الصفدي، صاحب الوافي بالوفيات، أنه لما آلت إليه مقاليد الحكم، عمد إلى مكتبة الخليفة السابق المستنصر بالله و"أمر بإفراد ما فيها من كتب الأوائل، حاشا كتب الطب والحساب، وأمر بإحراقها، فأحرقت.. فعل ذلك تحببا إلى العوام وتقبيحا لرأي المستنصر".

أشار إلى هذه القصة أيضا ناصر الخزيمي في كتابه. ونقل خالد السعيد أن مكتبة المستنصر بلغت 400 ألف مجلد.

وفي الأندلس كذلك، أمر السلطان المرابطي علي بن يوسف (كان يحكم الأندلس انطلاقا من المغرب) بإحراق كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، فـ"أحرق بقرطبة على الجانب الغربي من رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا، بمحضر جماعة من أعيان الناس" (المعيار المعرب للونشريسي).

وجرى الإحراق بتوجيه من فقهاء الدولة المرابطية بعد إصدار قاضي الجماعة محمد بن حمدين فتوى بتكفير الغزالي بسبب ميولاته الصوفية والفلسفية.

واستمرت الحملة على كتاب الغزالي وكتابه "الإحياء" حتى بعد وفاة السلطان علي بن يوسف. فقد وجه ابنه تاشفين رسالة إلى عماله وقضاته يقول فيها: "فمتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة فإياكم وإياه، وخاصة، وفقكم الله، كتب أبي حامد الغزالي. فليتتبع أثرها وليقطع بالحرق المتتابع ضرها".

وفي قرطبة، وقعت محنة الفيلسوف المعروف ابن رشد. اتهم بالإلحاد وأحرقت كتبه، ثم نفي إلى المغرب حتى مات هناك.​

​​وفي ساحة غرناطة سنة 773هـ، أحرقت كتب الوزير والأديب لسان الدين بن الخطيب، وكان أغلبها في العقائد والأخلاق. ولقي صاحب "الإحاطة في أخبار غرناطة" نهاية مأساوية، فقد قتل خنقا في سجنه بالمغرب الذي فر إليه وأحرقت جثته.

صراع المذاهب

ينقل الوزير جمال الدين القفطى في كتابه "إنباه الرواة على أنباه النحاة" واقعة طريفة بطلها الحسن بن أحمد الهمداني، المعروف بابن الحائك.

ألف ابن الحائك كتابا من 10 أجزاء عن عجائب اليمن وأهله وقبائله، وأسماه "الإكليل". ولأن الكتاب يشتمل على عيوب كثير من القبائل، فقد عمد أهلها إلى إتلاف أية نسخة وقعت عليها أيديهم، حتى كاد الكتاب يختفي تماما.

لكن هذه الواقعة استثنائية، فنادرا ما لجأت القبائل إلى إحراق أو إتلاف كتب تذمها. في المقابل، مثل هذه الحوادث متكررة جدا في الصراعات المذهبية.

يحكي المقري التلمساني في "نفح الطيب" أن "القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي ألف كتابا لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب، في مئة جزء وسماه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر فغرقه في النيل".

​​وفي الأندلس، دفعت الخصومة بين فقهاء المالكية وابن حزم (إمام الظاهرية) إلى نبذه وإحراق كتبه.

وفي المغرب، دفع التعصب للمذهب الظاهري السلطان الموحدي يعقوب بن يوسف إلى الأمر بإحراق كثير من كتب المذهب المالكي.

عبد الواحد المراكشي صاحب "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" عاين عملية الإحراق ووصفها قائلا: "لقد شهدت منها، وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، وتوضع، وتُطلق فيها النار". (خالد السعيد: حرق الكتب..)

ودفعت الخلافات الشيعية السنية مثلا إلى الهجوم على بيت شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي وإحرِاق كتبُه ومآثره كما يورد ابن كثير في البداية والنهاية.

ولا يثير حرق كتب المخالفين، خاصة إذا ما قرن بتهمة الزندقة أو الإلحاد، أي اعتراضات لدى الفقهاء. فابن كثير يصف الطوسي بأنه "متكلم الشيعة" ويشيد بحرق دفاتره "التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته" ويختم "ولله الحمد".

أما ابن قيم الجوزية، فيؤكد أن "كل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها". بل إن ذلك "أولى من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم" (الطرق الحكمية).

مكتبات محروقة

كانت الخلافات المذهبية مبررا كافيا لحرق المكتبات. وكان الحكام الجدد غالبا ما يستحوذون على كتب الطب والطبيعة والرياضيات والفلك، قبل إضرام النار في الكتب الفقهية والفكرية والفلسفية.

ويشير خالد السعيد في كتابه إلى إحراق الفاطميين لمكتبة "المعصومة" بتاهرت مركز الدولة الرستمية (في الجزائر حاليا). وكانت هذه المكتبة تضم 300 ألف كتاب "من صنوف العلم وضروب الأدب".

تعرضت المكتبة للدمار سنة 296 هجرية، "لما زحف أبو عبيد الله الشيعي (مؤسس الدولة الفاطمية) بجيشه.. ودخل المعصومة فأخذ ما فيها من كتب الرياضيات والفلك والهندسة والصناعة، وأحرق ما عدا ذلك. فقضى في لحظات قليلة على ما زرعه علماء المسلمين وفقهاؤهم في عقود طويلة".

في المقابل، تشير أصابع الاتهام إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي بتدمير وحرق مكتبات الفاطميين بالقاهرة بعد الإطاحة بدولتهم.

لوحة "صلاح الدين"، لكريستيفانو ديل ألتيسيمو، 1568.

​​يقول محمد كامل حسين كامل في كتباه "في أدب مصر الفاطمية": "ونحن لا نتردّد في اتّهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري تعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد حرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفاً من أن يكون بالشعر مديح للأئمة، وهو كفر بزعمهم".

لكن في المقابل، هناك من يرى أن صلاح الدين لم يحرق مكتبات الفاطميين، وإنما اكتفى ببيع وتوزيع كتبها فقط، معتمدين على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، مثل المقريزي وابن الأثير.

يقول المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (المعروف بالخطط المقريزية) نقلا عن المؤرخ الحلبي يحيى بن أبي طي: "ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال: إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة.. ويقال: إنها كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب (أي مليون و600 ألف كتاب)!".

وقال ابن الأثير في "الكامل في التاريخ": "وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يُعد، فباع (إي صلاح الدين) جميع ما فيه".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".