تطرف

إحراق الكتب.. النار التي تحمي العقيدة

خالد الغالي
23 مايو 2019

بحلول السنة 16 للهجرة، بسط المسلمون سيطرتهم على سائر بلاد فارس.

كانت فارس إمبراطورية عظيمة متواصلة منذ أكثر من 1000 عام. وكانت لعلوم الحساب والهندسة والفلسفة والفلك والمنطق والموسيقى (العلوم العقلية أو علوم الأوائل) عند الفرس مكانة خاصة.

بعد سقوط المدائن، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، والتوغل في عمق فارس، وجد المسلمون أنفسهم أمام آلاف الكتب، والمكتبات، لم يعهدوها ولم يعهدوا ما بها من علوم. فبعث قائد الجيش الإسلامي سعد بن أبي وقاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة يستشيره.

ينقل ابن خلدون في مقدمته رد الخليفة. "فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا االله بأهدى منه، وإن يكن ضلالا فقد كفانا االله. فطرحوها في الماء أو في النار. وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا".

نار تحمي العقيدة

كان رد الخليفة الثاني، وهو صانع مؤسسات الدّولة الإسلاميّة، نابعا من الرغبة في حماية القرآن، كتاب الأمة المقدس، واقتناعه الشديد بأن المسلمين في غنى عما سواه.

في الواقع، وقف هاجس حماية القرآن ليس فقط أمام الاستفادة من علوم الفرس، بل وراء التردد في كتابة السنة نفسها. والأمثلة كثيرة حول إحراق أو إتلاف الصحابة لصحائف الأحاديث. عمر نفسه عزم في البداية أن يكتب السنن، ثم تراجع عن قراره وكتب إلى الأمصار: "من كان عنده شيء فليمحه".

بل إن كتابة القرآن شابها التردد ذاته. وتنقل المصادر التاريخية أن عمرا اقترح على الخليفة الأول أبي بكر جمع القرآن، فرد الأخير: "رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعله". لكنه "استبصر ورجع إلى رأي عمر وأمر زيدا بن ثابت بجمعه" (ابن خلدون).

وحتى بعد جمع القرآن كاملا، في عهد الخليفة الثالث عثمان، استخدم الإحراق مجددا لحماية العقيدة.

وتشير القصة المعروفة إلى أن الخليفة عثمان وزع نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية، ثم أحرق ما سواه. "وذلك ليجمع أمة محمد على قراءة واحدة خوفا عليها من مغبة الاختلاف والانقسام"، يقول خالد السعيد في كتابه "حرق الكتب: تاريخ إتلاف الكتب والمكتبات".

وزع الخليفة عثمان نسخ المصحف الذي جمعه على مختلف بقاع الدولة الإسلامية ثم أحرق ما سواه.

​​بعد الاطمئنان إلى سلامة القرآن، انتقل المسلمون إلى تدوين السنة. وكانت كتب الرأي والكلام الضحية الجديدة. سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل: أكتب الرأي؟ فأجاب: لا تفعل عليك بالحديث والآثار.

هكذا، أحرقت كتب الرأي لحماية الحديث. أحيانا قام بذلك ملاك الكتب أو كتابها.

يقول ناصر الخزيمي في كتابه "حرق الكتب في التراث العربي": "في الفترات المبكرة من الإسلام استثني القرآن الكريم من هذا العداء، فدُوّن مصحف عثمان وأتلف ما عداه من المصاحف. ثم تطور الموقف، فاستثني تدوين السنة مع القرآن وكره ما عداه مثل كتب الرأي (الفقه المجرد) والتي استثنيت فيما بعد.. حتى شمل ذلك كتب الأدب والتاريخ واللغة".

لكن هذا لم يمنع أن يتم، خلال هذه الفترة المبكرة من عمر دولة الإسلامية (القرن الأول)، إحراق الكتب لأسباب سياسية محضة لا علاقة لها بالعقيدة.

ينقل الزبير بن بكار في "الموفقيات" أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان استحسن سنة 82 هجرية إحراق ابنه سليمان بن عبد الملك لكتاب يمدح أهل المدينة. وخشي الخليفة أن يطلع أهل الشام على الكتاب، الذي ألفه أبان بن عثمان بن عفان، حول فضائل أهل المدينة. وقال بوضوح إنه لا حاجة له في كتاب "يُعَرِّف أهل الشام أمورا لا نريد أن يعرفوها".

حرائق في الشرق والغرب

ظل نطاق إحراق الكتب محدودا في الدولة الأموية ثم العباسية. لكنه توسع بشكل ملفت في الأندلس والغرب الإسلامي، حيث وقعت عمليات إحراق شهيرة لمؤلفات كبار الفقهاء والمفكرين: ابن مسرة، ابن حزم، أبو حامد الغزالي، ابن رشد، لسان الدين بن الخطيب...إلخ.

ومن الخلفاء العباسيين المشهورين في هذا المجال: المهدي. يقول ناصر الخزيمي: "اشتهر عن المهدي شدته على الزنادقة، حتى استحدث ما يسمى بصاحب الزنادقة". كان يمتحنهم ويحرق كتبهم. وكان من ضحاياه شاعران عباسيان معروفان: بشار بن برد وصالح بن عبد القدوس.

أما في الأندلس، فتحول إحراق الكتب إلى ما يشبه الظاهرة بسبب العداء الشديد للفلسفة بين الناس. يقول خالد السعيد: "ومما يدعو للعجب أن العداء للفلسفة والفلاسفة كان منبعه العوام لا الملوك والحكام. فملوك الأندلس وأمراؤها لم يلاحقوا الفلاسفة ولم يحرقوا كتبهم بغضا فيهم وإرهابا لهم، وإنما لجأوا إلى ذلك توددا للعوام وتزلفا".

​​وينقل السعيد عن أحمد المقري التلمساني صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب": "إنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه. فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان أو يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة. وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت".

ومن أمثلة من أحرقوا الكتب استرضاء "للعامة" المنصور بن أبي عامر حاجب الخليفة الأموي هشام المؤيد بالله (كان طفلا). يذكر صلاح الدين الصفدي، صاحب الوافي بالوفيات، أنه لما آلت إليه مقاليد الحكم، عمد إلى مكتبة الخليفة السابق المستنصر بالله و"أمر بإفراد ما فيها من كتب الأوائل، حاشا كتب الطب والحساب، وأمر بإحراقها، فأحرقت.. فعل ذلك تحببا إلى العوام وتقبيحا لرأي المستنصر".

أشار إلى هذه القصة أيضا ناصر الخزيمي في كتابه. ونقل خالد السعيد أن مكتبة المستنصر بلغت 400 ألف مجلد.

وفي الأندلس كذلك، أمر السلطان المرابطي علي بن يوسف (كان يحكم الأندلس انطلاقا من المغرب) بإحراق كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، فـ"أحرق بقرطبة على الجانب الغربي من رحبة المسجد بجلوده بعد إشباعه زيتا، بمحضر جماعة من أعيان الناس" (المعيار المعرب للونشريسي).

وجرى الإحراق بتوجيه من فقهاء الدولة المرابطية بعد إصدار قاضي الجماعة محمد بن حمدين فتوى بتكفير الغزالي بسبب ميولاته الصوفية والفلسفية.

واستمرت الحملة على كتاب الغزالي وكتابه "الإحياء" حتى بعد وفاة السلطان علي بن يوسف. فقد وجه ابنه تاشفين رسالة إلى عماله وقضاته يقول فيها: "فمتى عثرتم على كتاب بدعة أو صاحب بدعة فإياكم وإياه، وخاصة، وفقكم الله، كتب أبي حامد الغزالي. فليتتبع أثرها وليقطع بالحرق المتتابع ضرها".

وفي قرطبة، وقعت محنة الفيلسوف المعروف ابن رشد. اتهم بالإلحاد وأحرقت كتبه، ثم نفي إلى المغرب حتى مات هناك.​

​​وفي ساحة غرناطة سنة 773هـ، أحرقت كتب الوزير والأديب لسان الدين بن الخطيب، وكان أغلبها في العقائد والأخلاق. ولقي صاحب "الإحاطة في أخبار غرناطة" نهاية مأساوية، فقد قتل خنقا في سجنه بالمغرب الذي فر إليه وأحرقت جثته.

صراع المذاهب

ينقل الوزير جمال الدين القفطى في كتابه "إنباه الرواة على أنباه النحاة" واقعة طريفة بطلها الحسن بن أحمد الهمداني، المعروف بابن الحائك.

ألف ابن الحائك كتابا من 10 أجزاء عن عجائب اليمن وأهله وقبائله، وأسماه "الإكليل". ولأن الكتاب يشتمل على عيوب كثير من القبائل، فقد عمد أهلها إلى إتلاف أية نسخة وقعت عليها أيديهم، حتى كاد الكتاب يختفي تماما.

لكن هذه الواقعة استثنائية، فنادرا ما لجأت القبائل إلى إحراق أو إتلاف كتب تذمها. في المقابل، مثل هذه الحوادث متكررة جدا في الصراعات المذهبية.

يحكي المقري التلمساني في "نفح الطيب" أن "القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي ألف كتابا لنصرة مذهب مالك على غيره من المذاهب، في مئة جزء وسماه النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، فوقع الكتاب بخطه بيد بعض قضاة الشافعية بمصر فغرقه في النيل".

​​وفي الأندلس، دفعت الخصومة بين فقهاء المالكية وابن حزم (إمام الظاهرية) إلى نبذه وإحراق كتبه.

وفي المغرب، دفع التعصب للمذهب الظاهري السلطان الموحدي يعقوب بن يوسف إلى الأمر بإحراق كثير من كتب المذهب المالكي.

عبد الواحد المراكشي صاحب "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" عاين عملية الإحراق ووصفها قائلا: "لقد شهدت منها، وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال، وتوضع، وتُطلق فيها النار". (خالد السعيد: حرق الكتب..)

ودفعت الخلافات الشيعية السنية مثلا إلى الهجوم على بيت شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي وإحرِاق كتبُه ومآثره كما يورد ابن كثير في البداية والنهاية.

ولا يثير حرق كتب المخالفين، خاصة إذا ما قرن بتهمة الزندقة أو الإلحاد، أي اعتراضات لدى الفقهاء. فابن كثير يصف الطوسي بأنه "متكلم الشيعة" ويشيد بحرق دفاتره "التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته" ويختم "ولله الحمد".

أما ابن قيم الجوزية، فيؤكد أن "كل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها، بل مأذون في محقها وإتلافها". بل إن ذلك "أولى من إتلاف آلات اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم" (الطرق الحكمية).

مكتبات محروقة

كانت الخلافات المذهبية مبررا كافيا لحرق المكتبات. وكان الحكام الجدد غالبا ما يستحوذون على كتب الطب والطبيعة والرياضيات والفلك، قبل إضرام النار في الكتب الفقهية والفكرية والفلسفية.

ويشير خالد السعيد في كتابه إلى إحراق الفاطميين لمكتبة "المعصومة" بتاهرت مركز الدولة الرستمية (في الجزائر حاليا). وكانت هذه المكتبة تضم 300 ألف كتاب "من صنوف العلم وضروب الأدب".

تعرضت المكتبة للدمار سنة 296 هجرية، "لما زحف أبو عبيد الله الشيعي (مؤسس الدولة الفاطمية) بجيشه.. ودخل المعصومة فأخذ ما فيها من كتب الرياضيات والفلك والهندسة والصناعة، وأحرق ما عدا ذلك. فقضى في لحظات قليلة على ما زرعه علماء المسلمين وفقهاؤهم في عقود طويلة".

في المقابل، تشير أصابع الاتهام إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي بتدمير وحرق مكتبات الفاطميين بالقاهرة بعد الإطاحة بدولتهم.

لوحة "صلاح الدين"، لكريستيفانو ديل ألتيسيمو، 1568.

​​يقول محمد كامل حسين كامل في كتباه "في أدب مصر الفاطمية": "ونحن لا نتردّد في اتّهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري تعمدهم أن يمحوا كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة، فقد حرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفاً من أن يكون بالشعر مديح للأئمة، وهو كفر بزعمهم".

لكن في المقابل، هناك من يرى أن صلاح الدين لم يحرق مكتبات الفاطميين، وإنما اكتفى ببيع وتوزيع كتبها فقط، معتمدين على ما ورد في بعض المصادر التاريخية، مثل المقريزي وابن الأثير.

يقول المقريزي في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (المعروف بالخطط المقريزية) نقلا عن المؤرخ الحلبي يحيى بن أبي طي: "ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال: إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة.. ويقال: إنها كانت تشتمل على ألف ألف وستمائة ألف كتاب (أي مليون و600 ألف كتاب)!".

وقال ابن الأثير في "الكامل في التاريخ": "وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يُعد، فباع (إي صلاح الدين) جميع ما فيه".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.