تطرف

داعش، القاعدة وإيران.. عداوة باردة

خالد الغالي
17 يوليو 2019

خمسة مقاتلين فقط أعلنوا وجود داعش رسميا في إيران. في الحلقة السابعة من سلسلة "العاقبة للمتقين" التي يصدرها داعش منذ أسابيع، ظهر المقاتلون الخمسة بلباس عسكري وهم يتوعدون الحكومة الإيرانية بـ"الأفعال لا الأقوال".

يأتي هذا بعد أشهر من الهجوم الذي نفذه التنظيم المتطرف ضد استعراض عسكري للحرس الثوري الإيراني في مدينة الأحواز، وقتل 25 شخصا.

وقبل عامين، نفذ داعش هجومين متزامنين ضد البرلمان الإيراني وضريح زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني أسفرا عن مقتل 17 شخصا.

لكن هذه الهجمات، رغم الرمزية الكبيرة للمواقع المستهدفة (البرلمان، الحرس الثوري، ضريح الخميني)، تخفي وراءها الكثير من مناطق الظل في "العلاقة" بين داعش، وقبلها تنظيم القاعدة، مع إيران.

عذرا أمير القاعدة!

تسبب إعلان أبي بكر البغدادي قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، في بداية سنة 2014، ليس في انفصال داعش عن القاعدة فقط، بل في الكشف عن الكثير من تفاصيل وأسرار التنظيمين، ومن بينها علاقتهما معا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي حمى الملاسنات العلنية بين وأيمن الظواهري وأبي محمد العدناني الناطق الرسمي باسم داعش، أصدر الأخير شريطا صوتيا في ماي 2015 من أكثر من نصف ساعة بعنوان "عذرا أمير القاعدة"، نفى فيه بشدة أن تكون داعش فرعا للقاعدة. لكنه أكد أن تنظيمه كان يلتزم بتوجيهات القاعدة ويحرص على عدم مخالفتها احتراما لرموز وقادة "الجهاد العالمي".

في سنة 2015، خاض الظواهري والعدناني حربا كلامية حادة حول العلاقة بين داعش والقاعدة.

​​

​​من بين هذه التوجيهات، عدم تنفيذ ضربات على الأراضي الإيرانية. "لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتها.. امتثالا لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران"، يقول العدناني في رده على الظواهري، ويضيف "نعم، فليسجل التاريخ للقاعدة دين ثمين في عنق إيران!". والتزاما بتوجيهات القاعدة أيضا، لم تنفذ داعش لفترة طويلة هجمات في مصر وليبيا وتونس والسعودية.

لكن هذا كله انتهى، فقد صار لداعش فرع بكامله في مصر (داعش في سيناء) وفي ليبيا، ونفذت أكثر من هجوم في تونس والسعودية. ونفذت ثلاث هجمات على الأقل في إيران، قبل أن يظهر مقاتلوها في شريطهم الأخير، معلنين بيعة البغدادي.

مصالح وخطوط إمداد

لم يفصح العدناني عن طبيعة "مصالح" القاعدة أو "خطوط إمدادها" في إيران، ولا عن حقيقة "الدين الإيراني" تجاه تنظيم أيمن الظواهري، والذي مكن إيران من الإفلات من ضربات داعش لسنوات طويلة.

في الواقع، ما يقصده العدناني يعود إلى سنوات طويلة للوراء، وبالضبط إلى الفترة التي تلت الاجتياح الأميركي لأفغانستان. فبعد 2001، توزع قادة القاعدة إلى مجموعتين: تبعت الأولى زعيم التنظيم أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري إلى داخل باكستان، فيما عبرت مجموعة ثانية الحدود إلى إيران. ضمت المجموعة الأخيرة عددا من كبار قادة القاعدة، مثل سيف العدل وأبو حفص الموريتاني وسليمان أبو غيث وأبو يحيى الليبي وحتى أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق وناصر الوحيشي زعيمها في اليمن.

​​تحول هؤلاء القادة إلى أشبه بالأسرى في يد إيران. ومكن وجودهم طهران من ضمان عدم قيام القاعدة بأي ضربة على الأراضي الإيرانية. وهو ما نجح فعلا. ففي رسالته لسنة 2005، يحتج أيمن الظواهري على زعيم القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي (كان أفرج عنه من إيران سنة 2002) لاستهدافه المدنيين الشيعة في العراق بأن لدى إيران أكثر من 100 أسير من القاعدة.

لجأ ناصر الوحيشي (يمين) وأبو مصعب الزرقاوي (يسار) إلى إيران عقب الاجتياح الأميركي لأفغانستان.

​​

​​وإلى جانب هؤلاء القادة، استقبلت إيران العشرات من المقاتلين وعائلاتهم، بما فيهم عائلة أسامة بن لادن (ستة من أبنائه وإحدى زوجاته على الأقل).

ورغم تأكيد طهران تحفظها على هؤلاء القادة واعتراف القاعدة بذلك منذ وقت مبكر، إلا أن تفاصيل "إقامة" هؤلاء القادة في إيران وعلاقتهم بالسلطات الإيرانية ظلت محاطة بالكثير من السرية.

إحدى وثائق "أبوت أباد"، التي عثر عليها في مخبأ أسامة بن لادن في باكستان ونشرت سنة 2017، توحي بأن أعضاء القاعدة في إيران كانوا أكبر من مجرد "أسرى". والوثيقة عبارة عن رسالة من 19 صفحة كتبها أحد قياديي القاعدة، لكن اسمه لم يرد فيها.

حسب الرسالة، كانوا هؤلاء الأعضاء يتحركون بحرية (لكن تحت الرقابة) على الأراضي الإيرانية، "فاشتروا السيارات وأخذوا يتحركون كما يحبون ويتجمعون وصارت لهم في مدة وجيزة شبه مضافات ونحوها".

​​هذه العلاقة الغريبة بين إيران والقاعدة عقب 2001، رغم الخلاف الديني الحاد، يفسرها المسؤول الكبير في القاعدة في رسالته بأنها مصلحية تماما. فـ"النظام الإيراني من أوضح النماذج والأمثلة لباب البراغماتية في السياسة.. إنهم على أتم الاستعداد للتعاون حتى مع أكثر الناس سلفية ووهابية، حيثما رأوا أن هذا التعاون والتعامل يحقق لهم مصلحة ولو مؤقتة".

أما بالنسبة للقاعدة، فهذه العلاقة لا تلغي العداوة المتأصلة مع إيران. "فما حصل من محاولة تفاهم مع إيران في وقت مخصوص لأجل إقامة بعض إخواننا أو عبورهم، كان له ظرفه الخاص وكان بمنزلة الضرورة". وإيران تبقى بالنسبة للقاعدة عدوا في جميع الأحوال. لكنها مقارنة بأميركا "عدو مؤجل". "كلاهما عدو لنا.. لكن أحدهما عدو ناجز، الآخر مؤجل"، يقول القيادي في القاعدة.

وعلى هذا الأساس، انتقل قادة القاعدة إلى إيران عقب الاجتياح الأميركي لأفغانستان، حسب ما تقترحه الرسالة. لكن الحكومة الإيرانية نفت تماما أي تعاون مع القاعدة، ووصف وزير خارجيتها جواد ظريف وثائق أبوت أباد بأنها "انحدار (أميركي) وضيع للتقرب من أنظمة البترودولار".

مودة تليها حرب

كان أول من دخل إلى إيران من قيادات القاعدة كبير فقهائها أبو حفص الموريتاني. وحسب الرسالة، كان التفويض الذي يحمله أبي حفص من قيادة الأزمة في القاعدة (انقطع الاتصال ببن لادن والظواهري حينها) هو أن يتولى التفاهم مع الإيرانيين للسماح لمقاتلي القاعدة بالعبور والإقامة في إيران.

وافق الإيرانيون على طلب أبي حفص، لكنهم حددوا مجموعة من الشروط الأمنية: الامتناع عن الاتصالات الهاتفية، والامتناع عن نشاط داخل الأراضي الإيرانية.

ويبدو من الرسالة أن إيران سمحت بنوع من الحركة لأعضاء القاعدة على أراضيها، فقد كان بإمكانهم أن يؤجروا بيوتا بأنفسهم، وأقام بعضهم علاقات مع سكان المناطق السنية. لكن هذه التحركات ظلت تحت المراقبة دائما، بحيث يمكن لطهران أن تتدخل ضد أعضاء القاعدة في أية لحظة.

حسب رسالة القيادي في القاعدة، أوكلت مهمة التفاوض مع إيران إلى أبي حفص الموريتاني.

​​​​وهذا ما حدث فعلا، فقد شنت السلطات الإيرانية أكثر من حملة مداهمات ضدهم في سنة 2002 وبداية 2003، ورحلت الكثير منهم، بينهم أبو مصعب الزرقاوي وعبد الله الصادق أمير الجماعة الليبية المقاتلة (اعتقل في تايلند سنة 2004). ومع اشتداد الحرب على الإرهاب (بعد دخول أميركا إلى العراق) وبروز نجم القاعدة في العراق وزعيمها الزرقاوي، نفذت السلطات الإيرانية مرة أخرى سلسلة اعتقالات وترحيلات جديدة ضد أعضاء القاعدة. لكنها هذه المرة احتفظت بقادة القاعدة كورقة ضغط ضد التنظيم.

من بين من تم الاحتفاظ بهم، سيف العدل وأبو حفص الموريتاني وسليمان أبو غيث وأبو الخير المصري. وكان هؤلاء حينها قادة الصف الأول.

وفعلا، لم تنفذ القاعدة أية هجمات في طهران. تقول الرسالة "الإخوة المأسورون من القاعدة لدى إيران لا شك أنهم شكلوا عبئا وتقييدا لقدرات الإخوة وإعاقة لهم. فمثلا تلحظون سكوت الشيخ أسامة عن إيران وعن الرافضة. وفي ظني أن من أسباب ذلك مراعاة وجود الإخوة المأسورين في إيران".

لا تشير الرسالة، التي يفترض أنها داخلية، إلى أن العلاقة بين إيران والقاعدة وصلت إلى التعاون الفعلي لتنفيذ عمليات إرهابية، بسبب فقدان الثقة وغياب أي تقارب فكري أساسا. لكنها مع ذلك، تكشف عن محاولة مفترضة من طهران لاستقطاب عدد من أعضاء تنظيم القاعدة السعوديين، فقد أبدت إيران استعدادها لتدريبهم في معسكرات حزب الله في لبنان مقابل ضرب أهداف أميركية في السعودية. لكن هؤلاء الأعضاء، الذين وصفهم كاتب الرسالة بأنهم "شباب جدد" وفيهم "مرونة" و"ليونة"، رفضوا العرض، فتم ترحيلهم في أول حملة ترحيل.

تبادل رهائن

مثل ما كشفت الخلافات بين داعش والقاعدة أسباب تفادي الأخيرة تفادي هجمات إرهابية في طهران، كشفت الخلافات بين هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) والقاعدة عن صفقة عقدتها القاعدة مع إيران سنة 2015، وأسفرت عن الإفراج عن ستة من قادة التنظيم الذين ظلوا معتقلين في إيران.

ففي معرض دفاعه عن انفصال تنظيمه عن القاعدة، قال عبد الرحيم عطون "الشرعي العام" لهيئة تحرير الشام، إن إيران نفذت عملية تبادل رهائن مع فرع القاعدة في اليمن تم بموجبها الإفراج أبي الخير المصري القيادي الكبير في القاعدة وصهر أسامة بن لادن وخمسة من كوادر التنظيم مقابل إطلاق سراح دبلوماسي إيراني.

وأبو الخير هو من منح جبهة النصرة لاحقا الضوء الأخضر للانفصال عن القاعدة.​

​​وتسربت أنباء الصفقة مع إيران حينها، إلا أن طهران قالت إن مخابراتها نفذت عملية في اليمن لإنقاذ الدبلوماسي.

وعقب الإفراج عنه، غادر أبو الخير الأراضي الإيرانية نحو سوريا قبل أن يقتل بداية 2017 بصاروخ أميركي.

صورة نادرة لسيف العدل القيادي الكبير في القاعدة.

​​

​​وورد في الصفقة أيضا اسم سيف العدل، القيادي العسكري في القاعدة (جندي مصري سابق). فحسب برنامج المكافآت التابع لوزارة الخارجية الأميركية، "أطلق سراح العدل وأربعة آخرين من قادة منظمة القاعدة من الحجز الإيراني مقابل دبلوماسي إيراني كانت منظمة القاعدة قد اختطفته في اليمن". وتضع أميركا مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه.

لكن تقارير صحافية تشير إلى إطلاق سراح سيف العدل منذ سنة 2010، وعودته إلى باكستان.  ويعزز هذا ما نشر عن اختياره زعيما مؤقتا للقاعدة عقب مقتل أسامة بن لادن.

وفي سنة 2012، أطلقت إيران أيضا سراح أبي حفص الموريتاني ورحلته إلى بلده موريتانيا.

داعش والقاعدة والشيعة

عقديا، تبدو القاعدة أقل حدة من داعش تجاه إيران والشيعة عموما. فهي تحاول ألا تشذ عن الموقف السني السلفي من التشيع بشكل عام والذي يميز بين "عوام الشيعة" و"أئمتهم وفقهائهم".

ويحكم هذا الموقف بإسلام "عوام الشيعة" واعتبارهم "من أهل القبلة على ما فيهم من ضلال بل وكفر".  لكنه يكفر أئمتهم وفقهاءهم. وهذا بالضبط ما ورد في رسالة القيادي المجهول في القاعدة للتأكيد أن لا شيء تغير في موقف التنظيم من التشيع وأن التقارب بين الطرفين كان للضرورة فقط، وليس تقاربا فكريا.

في الواقع، تسبب الموقف من الشيعة في خلاف حاد بين تنظيم القاعدة وداعش. في شريطه "عذرا أمير القاعدة"، دعا الناطق باسم داعش أبو محمد العدناني أيمن الظواهري إلى "تصحيح منهجه بأن يصدع بتكفير الروافض"، بل اعتبر تجاهل داعش لتوجيهات القاعدة بالكف عن استهداف الشيعة في العراق دليلا على أن تنظيمه لم يكن يوما تابعا للقاعدة. "لو كنا مبايعين لك، لامتثلنا أمرك حتى لو كنا نخالفك الحكم عليهم والمعتقد فيهم"، قال العدناني مخاطبا الظواهري.

يعود الخلاف في الحقيقة إلى ما قبل ظهور داعش بوقت طويل. فمنذ سنة 2005، بعث أيمن الظواهري برسالة إلى زعيم القاعدة في بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي يطالبه بعدم استهداف "عوام الشيعة". وهو الطلب الذي لم يلتزم به الزرقاوي، ويبدو أن داعش ما تزال وفية له.

ما قبل القاعدة

 تتهم الولايات المتحدة إيران بربط علاقات مع القاعدة حتى قبل عمليات هجوم 11 سبتمبر 2001.

يقول تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في الهجوم (نشر سنة 2004) إن "مسؤولين إيرانيين التقوا مع زعماء القاعدة في السودان عام 1991 أو أوائل عام 1992، وأن مسلحين من التنظيم تلقوا في وقت لاحق تدريبا في لبنان على يد حزب الله اللبناني الذي لا يزال يحظى بدعم طهران".

جدراية كبيرة لخالد الإسلامبولي في أحد شوارع طهران

​​وحتى قبل القاعدة، ربطت طهران علاقات مع جماعات سنية متطرفة رغم الخلاف العقدي الحاد. فقد استضافت طهران عددا من قادة "الجماعة الإسلامية" المصرية عقب مشاركة التنظيم في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات. وكان من الذين استضافتهم إيران محمد شوقي الإسلامبولي شقيق خالد الإسلامبولي قاتل السادات، بل أطلقت اسم خالد الإسلامبولي على أحد الشوارع الرئيسية في طهران.

وهذا ما تشيره إليه رسالة القيادي في القاعدة: "وقد سبق إليها الإخوة المصريون من الجماعة الإسلامية.. تكلموا مع الدولة الإيرانية وتفاهموا معها على الإقامة عندهم بشكل رسمي، مستغلين التناقض والتنافر بين دولتي إيران ومصر". لكن هذه التجربة، مثل تجربة القاعدة لاحقا، لم تكن ناجحة تماما. بل، كانت "تجربة فاشلة ومريرة! وسبب الفشل والمرارة أنك اضطرتك الظروف والصعوبات أن تتعامل مع ناس ليسوا مرتدين فقط، بل رافضة يسبون مقدساتك".​

​​وحتى على أعلى مستويات القيادة في إيران، لا ينفي الخلاف العقدي الحاد مع الإسلام السياسي السني، بما في ذلك الجهادي، إمكانية التقارب بل إبداء الإعجاب أحيانا. فقد كان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي منذ فترة طويلة معجبا بسيد قطب، وهو الذي ترجم كتابه "المستقبل لهذا الدين" سنة 1966. وجاءت الترجمة الفارسية بعنوان "بيان ضد الحضارة الغربية".

وأثنى خامنئي في مقدمة الكتاب على سيد قطب، ووصفه بـ"المفكر المجاهد". وعاد لاحقا وترجم جزءا من كتاب "في ظلال القرآن" أهم مؤلفات قطب.

 

 

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية
علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية

ظهر التصوف في الإسلام منذ فترة مبكرة. عُرف الصوفيون بالهدوء والتقشف والزهد والبُعد إجمالاً عن السياسة. ولكن لم يمنع ذلك من بعض الاستثناءات، عبر المشاركة في حركات "الجهاد" و"مقاومة الاستعمار" في بعض الفترات التاريخية الحرجة.

في العقود الأخيرة، دفعت الأوضاع السياسية في عدد من الدول الإسلامية إلى استدعاء الصوفية إلى ميادين العمل السياسي، بهدف الحد من خطورة التيارات الجهادية الطامحة للوصول إلى الحكم؟

 

 التصوف كـ"سلاح" ضد التطرف

 

على الرغم من تبني الأنظمة العربية التصوف منذ فترات طويلة، إلا أن استدعاء التصوف كسلاح فعال ضد التطرف بدأ في لحظات متباينة من العقود الأخيرة. وذلك بحسب الظروف والسياقات التي مرت بها كل دولة على حدة.

في السبعينات، ومع تصاعد المد السلفي في مصر، لجأت السلطة إلى عدد من شيوخ الأزهر المعروفين بتوجهاتهم الصوفية -ومن أبرزهم محمد متولي الشعراوي- لمحاورة أعضاء التيارات التكفيرية الجهادية، فيما عُرف وقتها باسم المراجعات. في السياق نفسه، تبنت الدولة الخطاب الصوفي التقليدي الذي يدعو إلى التصالح مع الأمر الواقع من جهة، ورفض الثورة والتغيير بالقوة من جهة أخرى.

في الحالة السورية، بدأ التحالف بين التصوف والسلطة في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين. في سنة 1982م تحديداً، وقعت المواجهة المسلحة بين القوات العسكرية التابعة للنظام والكتائب الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين. انتهى هذا الصراع بهزيمة الجبهة الإسلامية على يد قوات النظام. وتم نفي الكثير من شيوخ الصوفية المتحالفين مع الإخوان، ومن أبرزهم الشيخ عبد القادر عيسى، شيخ الشاذلية في حلب، والذي توفي في منفاه في الأردن.

على إثر تلك المعارك الضارية، بدأ النظام البعثي السوري في مصالحة بعض التيارات الصوفية، واتخذ منها سلاحاً موجهاً ضد حركات الإسلام السياسي. وبحسب ما تذكره الباحثة الألمانية أنابيله بوتشر في دراستها "الإسلام الرسمي، الشبكات الإسلامية العابرة للحدود، والسياسات المحلية: سوريا أنموذجاً"، فإن الطريقة الكفتارية للشيخ أحمد كفتارو، والطريقة الخزنوية للشيخ محمد الخزنوي كانتا أبرز الطرق التي تحالفت مع النظام البعثي.

تذكر بوتشر أن الطريقتين انتشرتا في مناطق واسعة من سوريا. وفي حين تركّزت شبكة علاقات طريقة الشيخ كفتارو في المناطق الحضرية في دمشق بشكل أساسي، تركزّت شبكة الشيخ الخزنوي في المناطق الريفية للجزيرة السورية.

في العراق، استدعى نظام صدام حسين المكون الصوفي -الرفاعي والنقشبندي والقادري- من بوابة بعض رجال السلطة المتأثرين بالطابع الصوفي، ومن أبرزهم عزة الدوري، النائب الأسبق لرئيس الجمهورية.

استعان النظام البعثي بتلك الطرق الصوفية في سبيل إضفاء المسحة الدينية على حكمه من جهة، ولتحقيق التوازن مع القوى الشيعية العراقية من جهة أخرى.

يختلف الوضع في الحالة المغربية. بدأ التحالف المُعلن الأكبر بين التصوف والسلطة بعد أحداث السادس عشر من مايو 2003.

في ذلك اليوم فجّر 13 شاباً أنفسهم في قلب مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، ما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بما فيهم الانتحاريون الذين اكتشفت السلطات فيما بعد أنهم ينتمون إلى ما بات يسمى في المغرب بـ"السلفية الجهادية".

على إثر تلك الحادثة الدموية سارعت الدولة إلى استدعاء المكون الصوفي بهدف التصدي للأفكار السلفية الجهادية.

 

دعم الأنظمة للتصوف

 

ظهرت دلائل الدعم المتبادل بين الأنظمة السياسية العربية والتيارات الصوفية في الكثير من الشواهد. والتي تنوعت بين الدعم المالي في بعض الأحيان، والدعم المعنوي في أحيان أخرى.

في مصر، عُينت القيادات الدينية في المؤسسات الرسمية -الأزهر، والإفتاء، ووزارة الأوقاف- من بين الشيوخ المعروفين بتوجهاتهم الصوفية. في السياق نفسه، اهتمت الدولة بمظاهر التدين الصوفي التقليدي، من خلال الحرص على إقامة الموالد، والاحتفال الرسمي بالمواسم، وهو الاسم الذي يُطلق على المناسبات الدينية الأهم على مدار العام، فضلاً عن تقديم الدعم المادي للمؤسسات الصوفية وعلى رأسها نقابة الأشراف، والمجلس الأعلى للطرق الصوفية.

من جهتهم، قدم الصوفيون دعمهم الكامل للأنظمة السياسية التي حكمت مصر على مر السنوات السابقة. على سبيل المثال في 2009م، أعلن مشايخ الطرق الصوفية مبايعتهم للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك ولأبنائه من بعده.

تكرر المشهد في 2014م، عندما حظي ترشيح الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم مطلق من قِبل قيادات الطرق الصوفية.  صارت قوة التحالف بين التيارات الصوفية والدولة أوضح في 2018م، عندما فاز رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر عبد الهادي القصبي برئاسة ائتلاف "دعم مصر" داخل مجلس النواب وهو ائتلاف الأغلبية المقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في سوريا، تمتع مشايخ الصوفية بمكانة عالية من قِبل السلطة الحاكمة، خصوصاً بعدما اختارتهم الدولة لتمثيل "الإسلام السني الوسطي"، وقلدت قياداتهم العديد من المناصب الدينية الرفيعة مثل منصب المفتي العام لسوريا. وهو منصب تعاقب عليه كل من أحمد كفتارو، وأحمد بدر الدين حسون.

بحسب ما تذكره بوتشر في دراستها، فإن الدولة السورية لم تكتف بتقليد مشايخ الصوفية أهم المراكز الدينية في الدولة، بل منحتهم كذلك دعماً مالياً كبيراً.

على سبيل المثال أشرفت الدولة على تطوير "مجْمع أبو النور الإسلامي" التابع للتيار الصوفي، فتحول من مكان صغير إلى مؤسسة كبيرة تضم العديد من المدارس الإسلامية، وأربع جامعات، ومسجداً كبيراً ومكاتب، ومكتبة وشققاً وغرف اجتماعات، فضلاً عن بعض الجمعيات الخيرية.

من جهة أخرى، عُين مشايخ الصوفية في إدارة "معاهد القرآن" التي تضطلع بمهمة تحفيظ وتفسير القرآن للأطفال في العديد من المدن السورية، كما شغل الصوفيون المناصب الأساسية المعنية بتدريس الإسلام في كل من وزارة الأوقاف والتلفزيون السوري.

اختلف الوضع بشكل كبير في العراق بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في 2003. حافظ الصوفيون لفترة على ولائهم للسلطة البعثية، وتم الإعلان وقتها عما عُرف بـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" والذي شارك في قتال القوات الأميركية.

برزت أهمية هذا التنظيم بعد إعدام صدام حسين في ديسمبر سنة 2006م. نشط التنظيم في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق ولا سيما في كل من محافظة ديالى ومناطق جنوب غرب كركوك ومحافظتي نينوى وصلاح الدين، شمال غرب العراق.

امتلك النقشبنديون الكثير من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصل عليها التنظيم من الجيش العراقي. وروجوا لأنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الهوية العربية الإسلامية السنية في العراق.

مع تغير الأحداث التي شهدها العراق في السنين الأخيرة، ظهرت بعض التنظيمات الصوفية التي تقاربت إلى حد بعيد مع مراكز القوى الجديدة المُمثلة في القوى الشيعية وإيران. يُعدّ "مجلس علماء الرباط المحمدي" أحد أهم تلك التنظيمات. أعلن المجلس عن علاقاته الوطيدة بالسلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال، أشاد رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي عبد القادر الآلوسي في وقت سابق بالحشد الشعبي وقال: "الحشد الشعبي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الوطن ولولا تضحياته لما تحررت المدن من داعش". من خلال تلك العلاقة، تمكن المجلس من ممارسة أنشطته في عموم المدن العراقية، الأمر الذي يثبت العلاقة الثنائية الوطيدة المنعقدة بين الصوفية والسلطة في بلاد الرافدين.

لا تختلف المعادلة كثيراً في المغرب، عملت السلطة على استقطاب الصوفية من خلال تعيينهم في العديد من المناصب السامية.

في هذا السياق، تم تعيين أحمد التوفيق -الذي ينتمي إلى الطريقة الصوفية البوتشيشية- على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2002م إلى اليوم، بما يجعله أقدم وزير في تاريخ الحكومة المغربية.

من جهة أخرى، تمت إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المغربية استناداً إلى المرجعية الصوفية. وحافظت السلطة على دعمها المادي للتصوف من خلال تسليم الهبات الملكية للزوايا المنتشرة في أنحاء البلاد.

في السياق نفسه، نُظمت العديد من الندوات والمهرجانات الفنية ذات الاتجاه الصوفي. كما أُنتجت البرامج الإعلامية التي تبث الشعائر الصوفية على القنوات الرسمية للدولة.

من جهتها، دأبت الطرق الصوفية المغربية على تأييد السلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال أعلن الصوفيون في 2011م عن تأييدهم المطلق للدستور الجديد رغم الاعتراض عليه من جانب الكثير من التيارات الأخرى.

 

الصراع بين التصوف والإسلام السياسي

 

تمكّن التحالف المُنعقد بين السلطة والتصوف من فرض وجوده في بعض الحالات أمام التيارات السلفية الجهادية. ويعدّ المغرب الحالة الأكثر بروزاً في هذا السياق بسبب قوة المكون الصوفي من جهة، وتراجع التيارات السلفية في المغرب من جهة أخرى.

في المقابل، يختلف الوضع في دول عربية أخرى، حيث خاض الطرفان -التصوف والإسلام السياسي- حرباً ضارية في السنوات السابقة. تعددت مظاهر تلك الحرب بين الفتاوى المتبادلة، والاقتتال المسلح، فضلاً عن عمليات الاغتيال.

كانت فتوى مفتي مصر الأسبق علي جمعة من أشهر الفتاوى التي وجهها التيار الصوفي ضد الإسلام السياسي. في 2013م، أفتى جمعة -الذي يُعدّ واحداً من كبار مشايخ الصوفية المصريين- في أحد المؤتمرات التي حضرها العشرات من القيادات العسكرية بجواز قتل عناصر جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين.

وشبّه جمعة الإخوان وحلفاءهم بالخوارج ووصفهم بـ"كلاب أهل النار". وتابع قائلاً: "اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء... طوبى لمن قتلهم، وقتلوه... كان يجب أن نطهر مدينتنا من هؤلاء الأوباش... يجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب". تعرضت هذه التصريحات لانتقادات كثيرة.

تشابه موقف جمعة مع موقف رجل الدين السوري الصوفي محمد سعيد رمضان البوطي -المقرب من النظام- عندما انتقد خروج المظاهرات المعارضة للنظام من المساجد ودعا السوريين إلى عدم "الانقياد وراء دعوات خارجية".

ووصف الثوار الذين حملوا السلاح في مواجهة الدولة بأنهم "عصابات إرهابية مسلحة". رد الجهاديون على تلك الفتاوى وقتها بشكل عنيف. وفي مارس 2013م، قُتل الشيخ البوطي أثناء إعطائه درساً دينياً في مسجد الإيمان بحي المزرعة في دمشق.

تصاعدُ العنف بين الصوفيين والتيارات الجهادية أخذ أشكالاً أكثر عنفاً في بعض الحالات. على سبيل المثال في 2014م، سقط الكثير من الضحايا في الاشتباكات التي وقعت بين جيش النقشبندية وتنظيم داعش.

وفي نوفمبر 2017م، وصل العداء الصوفي- الجهادي إلى دموية غير مسبوقة عندما هاجم إرهابيون مسجد الروضة الصوفي في سيناء المصرية، ما أسفر عن مقتل قرابة 300 شخص وإصابة العشرات بينهم أطفال.