تطرف

داعش، القاعدة وإيران.. عداوة باردة

خالد الغالي
17 يوليو 2019

خمسة مقاتلين فقط أعلنوا وجود داعش رسميا في إيران. في الحلقة السابعة من سلسلة "العاقبة للمتقين" التي يصدرها داعش منذ أسابيع، ظهر المقاتلون الخمسة بلباس عسكري وهم يتوعدون الحكومة الإيرانية بـ"الأفعال لا الأقوال".

يأتي هذا بعد أشهر من الهجوم الذي نفذه التنظيم المتطرف ضد استعراض عسكري للحرس الثوري الإيراني في مدينة الأحواز، وقتل 25 شخصا.

وقبل عامين، نفذ داعش هجومين متزامنين ضد البرلمان الإيراني وضريح زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني أسفرا عن مقتل 17 شخصا.

لكن هذه الهجمات، رغم الرمزية الكبيرة للمواقع المستهدفة (البرلمان، الحرس الثوري، ضريح الخميني)، تخفي وراءها الكثير من مناطق الظل في "العلاقة" بين داعش، وقبلها تنظيم القاعدة، مع إيران.

عذرا أمير القاعدة!

تسبب إعلان أبي بكر البغدادي قيام "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، في بداية سنة 2014، ليس في انفصال داعش عن القاعدة فقط، بل في الكشف عن الكثير من تفاصيل وأسرار التنظيمين، ومن بينها علاقتهما معا بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي حمى الملاسنات العلنية بين وأيمن الظواهري وأبي محمد العدناني الناطق الرسمي باسم داعش، أصدر الأخير شريطا صوتيا في ماي 2015 من أكثر من نصف ساعة بعنوان "عذرا أمير القاعدة"، نفى فيه بشدة أن تكون داعش فرعا للقاعدة. لكنه أكد أن تنظيمه كان يلتزم بتوجيهات القاعدة ويحرص على عدم مخالفتها احتراما لرموز وقادة "الجهاد العالمي".

في سنة 2015، خاض الظواهري والعدناني حربا كلامية حادة حول العلاقة بين داعش والقاعدة.

​​

​​من بين هذه التوجيهات، عدم تنفيذ ضربات على الأراضي الإيرانية. "لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتها.. امتثالا لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران"، يقول العدناني في رده على الظواهري، ويضيف "نعم، فليسجل التاريخ للقاعدة دين ثمين في عنق إيران!". والتزاما بتوجيهات القاعدة أيضا، لم تنفذ داعش لفترة طويلة هجمات في مصر وليبيا وتونس والسعودية.

لكن هذا كله انتهى، فقد صار لداعش فرع بكامله في مصر (داعش في سيناء) وفي ليبيا، ونفذت أكثر من هجوم في تونس والسعودية. ونفذت ثلاث هجمات على الأقل في إيران، قبل أن يظهر مقاتلوها في شريطهم الأخير، معلنين بيعة البغدادي.

مصالح وخطوط إمداد

لم يفصح العدناني عن طبيعة "مصالح" القاعدة أو "خطوط إمدادها" في إيران، ولا عن حقيقة "الدين الإيراني" تجاه تنظيم أيمن الظواهري، والذي مكن إيران من الإفلات من ضربات داعش لسنوات طويلة.

في الواقع، ما يقصده العدناني يعود إلى سنوات طويلة للوراء، وبالضبط إلى الفترة التي تلت الاجتياح الأميركي لأفغانستان. فبعد 2001، توزع قادة القاعدة إلى مجموعتين: تبعت الأولى زعيم التنظيم أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري إلى داخل باكستان، فيما عبرت مجموعة ثانية الحدود إلى إيران. ضمت المجموعة الأخيرة عددا من كبار قادة القاعدة، مثل سيف العدل وأبو حفص الموريتاني وسليمان أبو غيث وأبو يحيى الليبي وحتى أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق وناصر الوحيشي زعيمها في اليمن.

​​تحول هؤلاء القادة إلى أشبه بالأسرى في يد إيران. ومكن وجودهم طهران من ضمان عدم قيام القاعدة بأي ضربة على الأراضي الإيرانية. وهو ما نجح فعلا. ففي رسالته لسنة 2005، يحتج أيمن الظواهري على زعيم القاعدة في بلاد الرافدين أبو مصعب الزرقاوي (كان أفرج عنه من إيران سنة 2002) لاستهدافه المدنيين الشيعة في العراق بأن لدى إيران أكثر من 100 أسير من القاعدة.

لجأ ناصر الوحيشي (يمين) وأبو مصعب الزرقاوي (يسار) إلى إيران عقب الاجتياح الأميركي لأفغانستان.

​​

​​وإلى جانب هؤلاء القادة، استقبلت إيران العشرات من المقاتلين وعائلاتهم، بما فيهم عائلة أسامة بن لادن (ستة من أبنائه وإحدى زوجاته على الأقل).

ورغم تأكيد طهران تحفظها على هؤلاء القادة واعتراف القاعدة بذلك منذ وقت مبكر، إلا أن تفاصيل "إقامة" هؤلاء القادة في إيران وعلاقتهم بالسلطات الإيرانية ظلت محاطة بالكثير من السرية.

إحدى وثائق "أبوت أباد"، التي عثر عليها في مخبأ أسامة بن لادن في باكستان ونشرت سنة 2017، توحي بأن أعضاء القاعدة في إيران كانوا أكبر من مجرد "أسرى". والوثيقة عبارة عن رسالة من 19 صفحة كتبها أحد قياديي القاعدة، لكن اسمه لم يرد فيها.

حسب الرسالة، كانوا هؤلاء الأعضاء يتحركون بحرية (لكن تحت الرقابة) على الأراضي الإيرانية، "فاشتروا السيارات وأخذوا يتحركون كما يحبون ويتجمعون وصارت لهم في مدة وجيزة شبه مضافات ونحوها".

​​هذه العلاقة الغريبة بين إيران والقاعدة عقب 2001، رغم الخلاف الديني الحاد، يفسرها المسؤول الكبير في القاعدة في رسالته بأنها مصلحية تماما. فـ"النظام الإيراني من أوضح النماذج والأمثلة لباب البراغماتية في السياسة.. إنهم على أتم الاستعداد للتعاون حتى مع أكثر الناس سلفية ووهابية، حيثما رأوا أن هذا التعاون والتعامل يحقق لهم مصلحة ولو مؤقتة".

أما بالنسبة للقاعدة، فهذه العلاقة لا تلغي العداوة المتأصلة مع إيران. "فما حصل من محاولة تفاهم مع إيران في وقت مخصوص لأجل إقامة بعض إخواننا أو عبورهم، كان له ظرفه الخاص وكان بمنزلة الضرورة". وإيران تبقى بالنسبة للقاعدة عدوا في جميع الأحوال. لكنها مقارنة بأميركا "عدو مؤجل". "كلاهما عدو لنا.. لكن أحدهما عدو ناجز، الآخر مؤجل"، يقول القيادي في القاعدة.

وعلى هذا الأساس، انتقل قادة القاعدة إلى إيران عقب الاجتياح الأميركي لأفغانستان، حسب ما تقترحه الرسالة. لكن الحكومة الإيرانية نفت تماما أي تعاون مع القاعدة، ووصف وزير خارجيتها جواد ظريف وثائق أبوت أباد بأنها "انحدار (أميركي) وضيع للتقرب من أنظمة البترودولار".

مودة تليها حرب

كان أول من دخل إلى إيران من قيادات القاعدة كبير فقهائها أبو حفص الموريتاني. وحسب الرسالة، كان التفويض الذي يحمله أبي حفص من قيادة الأزمة في القاعدة (انقطع الاتصال ببن لادن والظواهري حينها) هو أن يتولى التفاهم مع الإيرانيين للسماح لمقاتلي القاعدة بالعبور والإقامة في إيران.

وافق الإيرانيون على طلب أبي حفص، لكنهم حددوا مجموعة من الشروط الأمنية: الامتناع عن الاتصالات الهاتفية، والامتناع عن نشاط داخل الأراضي الإيرانية.

ويبدو من الرسالة أن إيران سمحت بنوع من الحركة لأعضاء القاعدة على أراضيها، فقد كان بإمكانهم أن يؤجروا بيوتا بأنفسهم، وأقام بعضهم علاقات مع سكان المناطق السنية. لكن هذه التحركات ظلت تحت المراقبة دائما، بحيث يمكن لطهران أن تتدخل ضد أعضاء القاعدة في أية لحظة.

حسب رسالة القيادي في القاعدة، أوكلت مهمة التفاوض مع إيران إلى أبي حفص الموريتاني.

​​​​وهذا ما حدث فعلا، فقد شنت السلطات الإيرانية أكثر من حملة مداهمات ضدهم في سنة 2002 وبداية 2003، ورحلت الكثير منهم، بينهم أبو مصعب الزرقاوي وعبد الله الصادق أمير الجماعة الليبية المقاتلة (اعتقل في تايلند سنة 2004). ومع اشتداد الحرب على الإرهاب (بعد دخول أميركا إلى العراق) وبروز نجم القاعدة في العراق وزعيمها الزرقاوي، نفذت السلطات الإيرانية مرة أخرى سلسلة اعتقالات وترحيلات جديدة ضد أعضاء القاعدة. لكنها هذه المرة احتفظت بقادة القاعدة كورقة ضغط ضد التنظيم.

من بين من تم الاحتفاظ بهم، سيف العدل وأبو حفص الموريتاني وسليمان أبو غيث وأبو الخير المصري. وكان هؤلاء حينها قادة الصف الأول.

وفعلا، لم تنفذ القاعدة أية هجمات في طهران. تقول الرسالة "الإخوة المأسورون من القاعدة لدى إيران لا شك أنهم شكلوا عبئا وتقييدا لقدرات الإخوة وإعاقة لهم. فمثلا تلحظون سكوت الشيخ أسامة عن إيران وعن الرافضة. وفي ظني أن من أسباب ذلك مراعاة وجود الإخوة المأسورين في إيران".

لا تشير الرسالة، التي يفترض أنها داخلية، إلى أن العلاقة بين إيران والقاعدة وصلت إلى التعاون الفعلي لتنفيذ عمليات إرهابية، بسبب فقدان الثقة وغياب أي تقارب فكري أساسا. لكنها مع ذلك، تكشف عن محاولة مفترضة من طهران لاستقطاب عدد من أعضاء تنظيم القاعدة السعوديين، فقد أبدت إيران استعدادها لتدريبهم في معسكرات حزب الله في لبنان مقابل ضرب أهداف أميركية في السعودية. لكن هؤلاء الأعضاء، الذين وصفهم كاتب الرسالة بأنهم "شباب جدد" وفيهم "مرونة" و"ليونة"، رفضوا العرض، فتم ترحيلهم في أول حملة ترحيل.

تبادل رهائن

مثل ما كشفت الخلافات بين داعش والقاعدة أسباب تفادي الأخيرة تفادي هجمات إرهابية في طهران، كشفت الخلافات بين هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) والقاعدة عن صفقة عقدتها القاعدة مع إيران سنة 2015، وأسفرت عن الإفراج عن ستة من قادة التنظيم الذين ظلوا معتقلين في إيران.

ففي معرض دفاعه عن انفصال تنظيمه عن القاعدة، قال عبد الرحيم عطون "الشرعي العام" لهيئة تحرير الشام، إن إيران نفذت عملية تبادل رهائن مع فرع القاعدة في اليمن تم بموجبها الإفراج أبي الخير المصري القيادي الكبير في القاعدة وصهر أسامة بن لادن وخمسة من كوادر التنظيم مقابل إطلاق سراح دبلوماسي إيراني.

وأبو الخير هو من منح جبهة النصرة لاحقا الضوء الأخضر للانفصال عن القاعدة.​

​​وتسربت أنباء الصفقة مع إيران حينها، إلا أن طهران قالت إن مخابراتها نفذت عملية في اليمن لإنقاذ الدبلوماسي.

وعقب الإفراج عنه، غادر أبو الخير الأراضي الإيرانية نحو سوريا قبل أن يقتل بداية 2017 بصاروخ أميركي.

صورة نادرة لسيف العدل القيادي الكبير في القاعدة.

​​

​​وورد في الصفقة أيضا اسم سيف العدل، القيادي العسكري في القاعدة (جندي مصري سابق). فحسب برنامج المكافآت التابع لوزارة الخارجية الأميركية، "أطلق سراح العدل وأربعة آخرين من قادة منظمة القاعدة من الحجز الإيراني مقابل دبلوماسي إيراني كانت منظمة القاعدة قد اختطفته في اليمن". وتضع أميركا مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه.

لكن تقارير صحافية تشير إلى إطلاق سراح سيف العدل منذ سنة 2010، وعودته إلى باكستان.  ويعزز هذا ما نشر عن اختياره زعيما مؤقتا للقاعدة عقب مقتل أسامة بن لادن.

وفي سنة 2012، أطلقت إيران أيضا سراح أبي حفص الموريتاني ورحلته إلى بلده موريتانيا.

داعش والقاعدة والشيعة

عقديا، تبدو القاعدة أقل حدة من داعش تجاه إيران والشيعة عموما. فهي تحاول ألا تشذ عن الموقف السني السلفي من التشيع بشكل عام والذي يميز بين "عوام الشيعة" و"أئمتهم وفقهائهم".

ويحكم هذا الموقف بإسلام "عوام الشيعة" واعتبارهم "من أهل القبلة على ما فيهم من ضلال بل وكفر".  لكنه يكفر أئمتهم وفقهاءهم. وهذا بالضبط ما ورد في رسالة القيادي المجهول في القاعدة للتأكيد أن لا شيء تغير في موقف التنظيم من التشيع وأن التقارب بين الطرفين كان للضرورة فقط، وليس تقاربا فكريا.

في الواقع، تسبب الموقف من الشيعة في خلاف حاد بين تنظيم القاعدة وداعش. في شريطه "عذرا أمير القاعدة"، دعا الناطق باسم داعش أبو محمد العدناني أيمن الظواهري إلى "تصحيح منهجه بأن يصدع بتكفير الروافض"، بل اعتبر تجاهل داعش لتوجيهات القاعدة بالكف عن استهداف الشيعة في العراق دليلا على أن تنظيمه لم يكن يوما تابعا للقاعدة. "لو كنا مبايعين لك، لامتثلنا أمرك حتى لو كنا نخالفك الحكم عليهم والمعتقد فيهم"، قال العدناني مخاطبا الظواهري.

يعود الخلاف في الحقيقة إلى ما قبل ظهور داعش بوقت طويل. فمنذ سنة 2005، بعث أيمن الظواهري برسالة إلى زعيم القاعدة في بلاد الرافدين أبي مصعب الزرقاوي يطالبه بعدم استهداف "عوام الشيعة". وهو الطلب الذي لم يلتزم به الزرقاوي، ويبدو أن داعش ما تزال وفية له.

ما قبل القاعدة

 تتهم الولايات المتحدة إيران بربط علاقات مع القاعدة حتى قبل عمليات هجوم 11 سبتمبر 2001.

يقول تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في الهجوم (نشر سنة 2004) إن "مسؤولين إيرانيين التقوا مع زعماء القاعدة في السودان عام 1991 أو أوائل عام 1992، وأن مسلحين من التنظيم تلقوا في وقت لاحق تدريبا في لبنان على يد حزب الله اللبناني الذي لا يزال يحظى بدعم طهران".

جدراية كبيرة لخالد الإسلامبولي في أحد شوارع طهران

​​وحتى قبل القاعدة، ربطت طهران علاقات مع جماعات سنية متطرفة رغم الخلاف العقدي الحاد. فقد استضافت طهران عددا من قادة "الجماعة الإسلامية" المصرية عقب مشاركة التنظيم في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات. وكان من الذين استضافتهم إيران محمد شوقي الإسلامبولي شقيق خالد الإسلامبولي قاتل السادات، بل أطلقت اسم خالد الإسلامبولي على أحد الشوارع الرئيسية في طهران.

وهذا ما تشيره إليه رسالة القيادي في القاعدة: "وقد سبق إليها الإخوة المصريون من الجماعة الإسلامية.. تكلموا مع الدولة الإيرانية وتفاهموا معها على الإقامة عندهم بشكل رسمي، مستغلين التناقض والتنافر بين دولتي إيران ومصر". لكن هذه التجربة، مثل تجربة القاعدة لاحقا، لم تكن ناجحة تماما. بل، كانت "تجربة فاشلة ومريرة! وسبب الفشل والمرارة أنك اضطرتك الظروف والصعوبات أن تتعامل مع ناس ليسوا مرتدين فقط، بل رافضة يسبون مقدساتك".​

​​وحتى على أعلى مستويات القيادة في إيران، لا ينفي الخلاف العقدي الحاد مع الإسلام السياسي السني، بما في ذلك الجهادي، إمكانية التقارب بل إبداء الإعجاب أحيانا. فقد كان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي منذ فترة طويلة معجبا بسيد قطب، وهو الذي ترجم كتابه "المستقبل لهذا الدين" سنة 1966. وجاءت الترجمة الفارسية بعنوان "بيان ضد الحضارة الغربية".

وأثنى خامنئي في مقدمة الكتاب على سيد قطب، ووصفه بـ"المفكر المجاهد". وعاد لاحقا وترجم جزءا من كتاب "في ظلال القرآن" أهم مؤلفات قطب.

 

 

خالد الغالي

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.