تميز القاعدة بين "عوام الشيعة" و"أعيان الشيعة". أما داعش فتكفر الجميع
تميز القاعدة بين "عوام الشيعة" و"أعيان الشيعة". أما داعش فتكفر الجميع

كان لافتا أن تندّد حركة طالبان بالهجوم الذي استهدف حفل زفاف في أحد الأحياء الشيعية غربي العاصمة الأفغانية كابول. في المقابل، تبنى تنظيم داعش الهجوم.

وصفت طالبان الهجوم، الذي أدى إلى مقتل 63 شخصا، بـ"المحرم وغير المبرر"، وقالت إنه "لا يجوز".

أما داعش فاحتفى به وقال إنه استهدف تجمعا كبيرا من أقلية الهزارة الشيعية الذين وصفهم بالمشركين.

في 2015، حدث الشيء نفسه تقريبا. نفذ تنظيم داعش هجوما على مسجدين شيعيين في العاصمة اليمنية صنعاء، وقتل 140 شخصا، إلا أن تنظيم القاعدة أعلن مباشرة إدانته للهجوم وأكد التزامه بتوجيهات أيمن الظواهري "بعدم التفجير داخل المساجد والأسواق والأماكن المختلطة".

الخلاف بين داعش، من جانب، والقاعدة وحليفتها طالبان من جانب آخر، حول العلاقة مع الشيعة ليس مجرد خلاف سياسي أو ميداني بسيط، بل هو خلاف عقدي عميق يعود إلى فترة ما قبل ظهور داعش نفسها.

​​​القاعدة وداعش والشيعة

يلتزم تنظيم القاعدة بالموقف السلفي العام من التشيع والذي يميز بين "عوام الشيعة" و"أعيان الشيعة".

يحكم هذا الموقف بإسلام "عوام الشيعة" تحت مبرر "العذر بالجهل". لكنه يكفر أئمتهم وعلماءهم بدعوى "قيام الحجة".

تقول رسالة لأحد قادة القاعدة، عثر عليها ضمن وثائق أبوت أباد عقب مقتل أسامة بن لادن سنة 2011، إن تنظيم القاعدة يلتزم في مسألة تكفير الشيعة بـ"المشهور عن علمائنا" فـ"أئمتهم وكبراؤهم.. نحكم عليهم بأنهم كفار.. وأما عوامهم فهم مسلمون من أهل القبلة".

الخلاف بين داعش والقاعدة حول تكفير الشيعة يعود إلى حقبة الزرقاوي

​​

وبناء على هذا الحكم الفقهي، لا تُجيز القاعدة استهداف عموم الشيعة خاصة في المساجد والحسينيات والأسواق.

في المقابل، يرى تنظيم داعش الأمر من زاوية مخالفة تماما. يقول حسين بن محمود، وهو منظر جهادي اشتهر على المنتديات الجهادية، إن داعش لا يميز بين "عالم وعامي"، ولا يقبل من الشيعة "حتى الجزية".

وعلى أساس هذا التكفير، لا يتردد التنظيم في استهداف التجمعات الشيعية كما حدث في حفل الزفاف الأخير في كابول.

وقبل ذلك، شهد العراق هجمات دموية ضد المناطق ذات الأغلبية الشيعية، خاصة في مدينة الصدر، حيث سقط 200 قتيل في 2006 في هجوم لتنظيم الزرقاوي (سلف داعش)، وفي حي الكرادة (أكثر من 320 قتيلا سنة 2016).

الزرقاوي يتمرد على القاعدة

يعود الخلاف في الحقيقة إلى ما قبل ظهور داعش. وبالضبط إلى مرحلة نشاط أبي مصعب الزرقاوي في الساحة العراقية (بين 2003 و2006).

حينها، أعلن الزرقاوي الموقف ذاته الذي يعلنه داعش اليوم، والقاضي بتكفير كل الشيعة، رغم اعتراضات زعيمي القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وتحفظات منظرين جهاديين معروفين كالفلسطيني الأردني أبي محمد المقدسي، أستاذ الزرقاوي ورفيقه في السجن.

في رسالة علنية إلى المقدسي، يرفض الزرقاوي فكرة "إسلام عوام الشيعة". يقول مخاطبا شيخه السابق "إن المُطلع على أحوالهم في العراق يعلم علم اليقين أنهم ما عادوا عواما بالمفهوم الذي تريد".

وكان الزرقاوي ينظر إلى ضرب الشيعة كوسيلة لإثارة حرب طائفية بين سنة العراق وشيعته، كما يقول بشكل صريح في رسالته إلى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في شباط/فبراير 2004. 

لم يوافق تنظيم القاعدة على هذا التوجه، مدفوعا بموقفه الفقهي وتقديره للوضع السياسي في العراق. فبعث أيمن الظواهري، في تموز/يوليو 2005، رسالة إلى الزرقاوي يطالبه بالكف عن استهداف الشيعة. لم يلتزم الزرقاوي، ولا يزال داعش وفيا لموقف الزرقاوي إلى اليوم.

يقول الظواهري مستغربا: "لماذا الهجوم على عوام الشيعة؟ .. لماذا يقتل عوام الشيعة مع أنهم معذورون بالجهل؟".

لكن هذا لا يعني مطلقا موقفا وديا من القاعدة تجاه الشيعة. فالرسالة نفسها تصف مذهبهم بأنه "قائم على الغلو والكذب".

كان تنظيم القاعدة حينها متخوفا على صورته في العالم الإسلامي، وهو ما يؤكده الظواهري نفسه. "يتساءل كثير من المحبين من العوام المسلمين عن سبب مهاجمتكم للشيعة، ويزداد هذا التساؤل حدّة إذا كان الهجوم على مسجد من مساجدهم.. ومهما حاولت أن توضح فلن يقبله العوام، وسيظل النفور قائما"، تقول الرسالة التي استطاعت المخابرات الأميركية القبض على حاملها في باكستان، ونشرتها لاحقا.

إضافة إلى ذلك، كان تنظيم القاعدة يتخوف من أن ينعكس استهداف شيعة العراق سلبا على مصير قادته المحتجزين على الأراضي الإيرانية: سيف العدل، أبو حفص الموريتاني، سليمان أبو غيث، أبو الخير المصري، أبو يحيى الليبي وآخرون (الزرقاوي نفسه كان معتقلا في إيران قبل إطلاق سراحه في نهاية 2002).

رغم ذلك، لم تمنع الخلافات حول الموقف من الشيعة حينئذ الزرقاوي من إعلان بيعته للقاعدة وتحويل تنظيمه من "جماعة التوحيد والجهاد" إلى "القاعدة في بلاد الرافدين".

تنظيم القاعدة نفسه غضّ الطرف عن هذه الخلافات، رغم استمراره على موقفه المبدئي، فقبل بيعة الزرقاوي المشروطة والتي احتفظ فيها باستراتيجيته في استهداف الشيعة، كما تقول رسالة البيعة الموقعة في تشرين الأول/أكتوبر 2004.

داعش يرث الزرقاوي

أعلن أبو مصعب الزرقاوي في بداية سنة 2006 تشكيل "مجلس شورى المجاهدين". وهو تكتل لجماعات جهادية مسلحة على رأسها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي نفسه و"جيش الطائفة المنصورة" بزعامة أبي عمر البغدادي (يختلف عن أبي بكر البغدادي).

لم يكمل المجلس سنته الأولى حتى حُلّ، وجرى إعلان تنظيم "دولة العراق الإسلامية" بزعامة أبي عمر البغدادي. في تلك الأثناء، كان الزرقاوي قد قتل في غارة أميركية (حزيران/يونيو 2006).

وبعد أربع سنوات، تولى أبو بكر البغدادي الزعيم الحالي لداعش قيادة التنظيم خلفا لأبي عمر البغدادي الذي قتل هو الآخر (نيسان/أبريل 2010). وهكذا ورث داعش إرث الزرقاوي في تكفير كل الشيعة وفي تجويز استهدافهم.

كانت القاعدة تخاف أن يؤثر ضرب الشيعة على مصير قادتها المحتجزين في إيران

​​

ومع اندلاع الحرب بين داعش والقاعدة، ابتداء من 2014، تحول "تكفير الشيعة" إلى موضوع للملاسنات الكلامية بين أيمن الظواهري والناطق باسم داعش أبي محمد العدناني. ففي أيار/مايو 2015، أصدر داعش شريطا صوتيا تجاوز نصف ساعة بعنوان "عذرا أمير القاعدة" دعا فيه العدناني الظواهري إلى "تصحيح منهجه" وأن يصدع بتكفير الشيعة.

وأكد العدناني في الشريط أن داعش ظل لفترة طويلة يلتزم بتوجيهات القاعدة في عدم تنفيذ أية عملية ضد الشيعة في إيران. لكن مع انهيار العلاقة بين التنظيمين، تخلى داعش عن هذا الالتزام ونفذ مقاتلوه هجومين متزامنين ضد البرلمان الإيراني وضريح آية الله الخميني (2017)، وهجوما ثالثا ضد استعراض عسكري للحرس الثوري في مدينة الأحواز (2018).

وقبل أسابيع قليلة، أعلن التنظيم عن وجوده رسميا في إيران. وظهر خمسة من مقاتليه بلباس عسكري وتوعدوا الحكومة الإيرانية.

ابن تيمية لم يعد صالحا!

في تقديمه لكتاب "الشيعة" لأبي أنس الشامي (جهادي فسلطيني قتل سنة 2004 في العراق)، يؤكد أبو محمد المقدسي التزامه بموقف ابن تيمية الفقهي في الحكم على الشيعة. وهو الموقف الذي يميز بين "عوام الشيعة" وبين "أعيانهم".

وهذا التمييز "يؤدي ولا بد إلى القول بأنهم لا تحل دماؤهم ولا يقتلون بالعموم"، يقول المقدسي.

ويضيف السلفي الفلسطيني الأردني في مقدمة الكتاب: "فما للمسلم والانشغال بقتل نسائهم وصبيانهم وعجائزهم وعوامهم الذين لا يقاتلون أهل السنة؟ وما له ولاستهداف عموم مساجدهم؟ فليس هذا هو الذي دعا إليه مشايخنا وليس هو الذي أفتوا به".

ولم يخف المقدسي فرحه بأن يرحل أبو أنس الشامي إلى العراق للانضمام إلى جماعة "التوحيد والجهاد" بزعامة الزرقاوي، خاصة أن الشامي "طالب علم" جيد، أما الزرقاوي فـ"لم يكن ذلك الطالب المتقدم في العلم"، كما يقول المقدسي.

ومن زنزانته في سجن قفقفا بالأردن، وجه أبو محمد المقدسي في تموز/يوليو 2004 رسالة "مناصرة ومناصحة" علنية إلى الزرقاوي، جدد فيها رفضه للهجوم على الشيعة. وهي الرسالة التي يعترف زعيم القاعدة في بلاد الرافدين أنها أحزنته كثيرا.

ومرة أخرى، بعد إطلاق سراحه، أكد المقدسي في لقاء تلفزيوني أن "إباحة دماء عوام الشيعة خطأ لا ينبغي أن يتورط فيه المجاهدون، خصوصا إذا كانت التفجيرات تجري في المساجد". 

لم يمر الأمر دون أن يثير رد فعل من الزرقاوي الذي كتب بيانا مفصلا من 16 صفحة قال فيه إن فتوى ابن تيمية التي يتمسك بها المقدسي غير صالحة اليوم.

الشيعة من منظور سلفي

ظلت المدرسة السلفية تصوّر الشيعة، تاريخيا، بازدراء شديد. وتكيل لهم الاتهامات، بأسلوب يقترب من نظرية المؤامرة، بالوقوف وراء أعظم "المصائب" في التاريخ الإسلامي، بما ذلك التسبب في إسقاط الخلافة العباسية، والتحالف مع الصليبيين زمن الدولة الفاطمية، بل والتآمر ضد الخلافة العثمانية.

أما عقديا، فظل تصنيفهم دائما لا يخرج عن خانة "الفرق الضالة" في الحد الأدنى، و"المرتدة" المتآمرة على الإسلام في الحد الأقصى.

ولم تستطع الأجيال اللاحقة من المدرسة السلفية أن تكون سوى "حلقة تكرارية" لما صاغه المؤسسون الأوائل، بتعبير الباحث السعودي فؤاد إبراهيم في الكتاب الجماعي "نواصب وروافض: منازعات السنة والشيعة في العالم الإسـلامي اليوم".

لكن هذا الموقف السلفي، أساسا المرتبط بتكفير الشيعة، لم يكن دائما محل قبول في الأوساط السنية حتى قديما. وينقل الباحث المتخصص في التاريخ الإسلامي محمد عمارة عن أبي حامد الغزالي قوله إن جمهور "أهل السنة والجماعة" لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، ولا يكفرون الشيعة الإمامية بقولهم في الإمامة.

أما في الوقت الراهن، فتواجه فتاوى تكفير الشيعة برفض أشد. وظهرت أكثر من مرة دعوات للتقريب بين المذاهب الإسلامية، مثل دار التقريب بين المذاهب (1947) التي تأسست في العاصمة المصرية القاهرة بإشراف كبار فقهاء الشيعة والسنة مثل آية الله حسين البروجردي المرجع الشيعي في إيران ومحمد شلتوت شيخ الأزهر. بل إن شلتوت أصدر في 1959 فتوى شرعية بجواز التعبد وفق المذهب الجعفري.

وعلى موقع دار الإفتاء المصرية اليوم، تؤكد الدار أن الشيعة "مذهب إسلامي من جملة مذاهب المسلمين" وأن "الشيعة الإمامية الاثني عشرية وكذلك الزيدية جزء أساسي في الأمة الإسلامية".

ودعت الفتوى الجميع، سنة وشيعة، إلى "تحرير مواطن الخلاف" حتى "نقف على ما كان الخلاف فيه لفظيا فنتجاوزه، ونعرف ما كان الخلاف فيه تاريخيا فلا نقف عنده، فنتعاون معا فيما اتفقنا عليه، ونعمل على التعايش البناء بيننا".

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".