تنكيس علم نيوزيلندا المرفوع على مبنى البرلمان حدادا على ضحايا مسجدي كرايست تشيرش.
تنكيس علم نيوزيلندا المرفوع على مبنى البرلمان حدادا على ضحايا مسجدي كرايست تشيرش.

وقع أكثر من 112 هجوما إرهابيا خلال سنة 2019، وهو ما خلف مقتل قرابة 2500 شخص. لكن ثلاث هجمات كانت استثنائية خلال هذا العام الذي شهد أيضا مقتل زعيم تنظيم داعش أبي بكر البغدادي وانهيار "دولة الخلافة".

  • هجوم نيوزيلندا: الأسوأ في تاريخ البلاد

لأول مرة، تشهد نيوزيلندا هجوما إرهابيا بهذا الحجم. 51 مصليا قتلوا في اعتداء على مسجدين في مدينة كرايست تشيرش، في 15 مارس 2019، فيما اعتبر أسوأ مجزرة ارتُكبت في التاريخ النيوزيلاندي الحديث.

وأقدم شاب أسترالي، 28 عاما، يدعى برنتون تارانت على فتح النار على المصلين خلال صلاة الجمعة في مسجدين من مساجد كرايست تشيرش، أكبر مدينة واقعة في الجزيرة الجنوبية بنيوزيلندا. وبثّ هجومه عبر خدمة النقل المباشر على "فيسبوك".

أثار الهجوم صدمة كبيرة في مختلف أنحاء العالم، فعدد مسلمي نيوزيلندا لا يتعدى 60 ألفا من أصل خمسة ملايين، كما أن هذا البلد بعيد سياسيا عن التدخل في قضايا العالم الإسلامي التي تتخذها الجماعات المتطرفة ذريعة لتنفيذ هجماتها في الدول الغربية.

لفت الهجوم أيضا الانتباه إلى الإسلام في نيوزيلندا، وحصل المسلمون على موجة تعاطف غير مسبوقة، خاصة بفعل الدور الإعلامي الذي لعبته رئيسة الوزراء النيوزيلندية، جاسيندا أردرن، التي تصدرت عناوين الصحف في زيارتين للجالية المسلمة.

وظهرت أردرن ترتدي الحجاب، وهي تعزي عائلات الضحايا وتعانق بعض أقربائهم. وهو ما أكسبها شعبية واسعة في العالم الإسلامي.

تسبب الهجوم أيضا في دفع الحكومة إلى إعلان نيتها تعديل قوانين الأسلحة في البلاد.

  • هجوم سريلانكا.. داعش وصرخة الهزيمة

كانت هجمات سريلانكا مفاجئة بكل المقاييس. فلم يسبق أن أعلن تنظيم داعش عن وجوده في هذا البلد الواقع في جنوب آسيا. لكن الهجمات، التي حصلت في أبريل 2019، جاءت في وقت كان التنظيم يعاني انهيارا كاملا بعد سقوط آخر معاقله في بلدة الباغوز السورية (مارس 2019).

واستهدفت الهجمات 3 كنائس، في مدن كوتشيكادي ونغومبو وباتيكالوا، وأربعة فنادق في العاصمة السريلانكية كولومبو، أثناء الاحتفال بعيد القيامة. وتسببت في مقتل أكثر من 290 شخصا، لتدخل قائمة أسوأ الهجمات الإرهابية منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في أميركا، والتي راح ضحيتها قرابة 3000 قتيل.

ومباشرة بعد الهجوم، أصدر تنظيم داعش بيانا يتبنى العملية ويربطها بهجوم نيوزيلندا الذي حدث قبل شهر منذ ذلك.

حاول تنظيم داعش أيضا استغلال الهجمات لتأكيد استمرار وجوده، لذا كانت من العمليات النادرة التي ذكرها أبو بكر البغدادي في أول خروج مصور له منذ 2014. وقال إنها كانت ردا انتقاميا على خسارة الباغوز.

تزامنت الهجمات أيضا مع عدد هائل من عمليات تجديد البيعة أعلنتها فروع داعش من مختلف المناطق، بعضها كان لأول مرة، مثل الكونغو وموزمبيق وبوركينا فاصو وحتى بنغلاديش وإيران.

منفذو هجمات سريلانكا نشروا بدورهم شريط فيديو أعلنوا فيه مبايعتهم لزعيم التنظيم.

  • هجوم إل باسو: إرهاب اليمين المتشدد يتصاعد

أقدم مسلح، في أغسطس 2019، على قتل 22 شخصا بالرصاص في مدينة إل باسو الواقعة في ولاية تكساس. وأعلن القاتل في تصريحاته للشرطة أن الهجوم الذي نفذه على متجر وولمرت كان من أجل "قتل مكسيكيين".

وأعاد هجوم إل باسو إلى دائرة الضوء خطر الإرهاب اليميني المتشدد في أميركا. فلأول مرة منذ تأسيسها، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، صنفت وزارة الأمن الداخلي في أميركا التطرف العنيف المرتبط بالإيمان بتفوق العرق الأبيض على قائمة التهديدات ذات الأولوية في البلاد.

 وتؤكد دراسة لمركز السياسات الاستراتيجية والدولية، ومركزه واشنطن، زيادة اعتداءات اليمين المتطرف في أميركا. فبين 2007 و2011، لم يكن عدد الهجمات يتعدى خمسة كل سنة، لكنه ارتفع إلى 13 سنويا بين 2012 و2016، ثم إلى 31 في 2017 وحدها.

وحسب رابطة مكافحة التشهير، وهي منظمة يهودية غير حكومية مقرها نيويورك، الإرهاب المرتبط باليمين المتطرف مسؤول عن 73 في المئة من "عمليات القتل المرتبطة بالإرهاب المحلي" في الولايات المتحدة بين سنتي 2009 و2018، في حين أن "الإرهاب الإسلامي" مسؤول عن 23 في المئة.

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.