بعد فترة حكم أولى بين 1996 و2001، عادت طالبان إلى حكم أفغانستان مرة أخرى وسط مخاوف من انتشار التطرف وانتهاكات حقوق الإنسان
تقود طالبان وداعش صراعا داميا في أفغانستان منذ بداية سنة 2015

تقترب الولايات المتحدة وحركة طالبان من التوقيع على اتفاق تاريخي من شأنه أن يدفع البنتاغون إلى سحب آلاف الجنود الاميركيين من أفغانستان، لكن لا تزال هناك تساؤلات حول ما سيحدث بعد ذلك.

فيما يلي بعض التفاصيل حول الاتفاق وتبعاته على البلد الذي تمزقه الحرب: 

هل اتفق الجانبان على وقف لاطلاق النار؟

ليس تماما، ولكن طالبان والقوات الأميركية والأفغانية التزمتا بـ“خفض العنف" أو هدنة جزئية مدتها اسبوع.

وهذا الأمر مهم رغم أنه قد لا يبدو كذلك، لأن هذه ثاني هدنة فقط من نوعها منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لأفغانستان في 2001، عقب هجمات 11 سبتمبر. 

وفي أول أيام الهدنة، أعلنت الأمم المتحدة أن العام الماضي شهد مقتل حوالي 3500 مدني وجرح 7 آلاف آخرين بسبب الحرب في أفغانستان.

وفي حال صمدت الهدنة، يتوقع أن تتوافر الظروف الملائمة لواشنطن والمتمردين للتوقيع على اتفاق في الدوحة السبت يشهد انسحاب آلاف الجنود الأميركيين من أفغانستان بعد أكثر من 18 عاماً، مقابل الحصول على ضمانات متعددة من طالبان.

وأثارت أنباء الهدنة الفرح في جميع أنحاء أفغانستان، حيث تدفق المدنيون إلى الشوارع للرقص والاحتفال باحتمال إنهاء النزاع الذي كلف عشرات الآلاف من الأرواح.

ومع ذلك، استمرت الهجمات المتفرقة، ما يؤكد صعوبة تحقيق هدنة دائمة من العنف.

ولا تزال تفاصيل الهدنة غامضة.

ففيما تحدثت الولايات المتحدة عن "تفاهم لخفض كبير في العنف في أنحاء البلاد" تعهدت القوات الأفغانية أن تبقى "في حالة دفاع نشطة" خلال الأسبوع

من ناحيته أكد المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد أن الهدنة لا ترقى إلى مستوى "وقف إطلاق النار" وقال إنها تغطي فقط مناطق حضرية وعسكرية معينة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام العنف في مناطق ريفية نائية.

وقبل اجتماع السبت، انتشرت مخاوف من استغلال الطرفين للهدنة لتحقيق مكاسب تتعلق بالسيطرة على مناطق، وهو ما قد يضيع أي آمال في تحقيق السلام.

ما الذي يمكن أن نتوقع السبت؟

في حال نجحت الهدنة، ستوقع واشنطن اتفاقا مع طالبان. 

بموجب الاتفاق يتوقع أن تخفض واشنطن مبدئيا مستوى قواتها إلى 8600 جندي مقارنة مع المستوى الحالي الذي يراوح ما بين 12 و13 ألف جندي. 

وستبقى القوات المتبقية في البلاد على أساس جدول زمني "يعتمد على الظروف" لقتال الجهاديين مثل تنظيم داعش ومراقبة الوضع الأمني بشكل عام.

وفي حال سارت الأمور على ما يرام، فإن تواجد القوات الأميركية سينخفض إلى الصفر، ولكن لا يتوقع سوى عدد قليل من المحللين حدوث ذلك قريبا.

وكانت الولايات المتحدة وطالبان اقتربتا في السابق من التوصل إلى اتفاق، إلا أن الرئيس دونالد ترامب ألغى ذلك في اللحظات الأخيرة، عقب هجوم دامٍ نفذته الحركة في العاصمة الأفغانية كابول.

ما الذي سيحدث تالياً؟

مفتاح التوصل إلى سلام دائم يعتمد بشكل كبير على نتيجة المحادثات بين طالبان والحكومة الأفغانية وليس بين الحركة المسلحة والولايات المتحدة.

ويتفق المحللون على أن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق بين الأفغان لن يتم إلا بعد سنوات عديدة.

كما أن الاقتتال بين الشخصيات السياسية الرئيسية قد يعوق فرص التوصل الى اتفاق

ووسط الخلاف بين الرئيس أشرف غني وخصمه عبد الله عبد الله بشأن نتيجة الانتخابات الأخيرة، لا يتوقع كثيرون أن يدفن الرجلان خلافاتهما ويتبنيا موقفا موحداً. 

وقالت المحللة السياسية مريم صافي لوكالة الصحافة الفرنسية: "في هذه المرحلة لا يزال من الصعب تصور أن يقدم الرئيس غني وفدا تقبله جميع فئات المجتمع الافغاني، وخصوصا المعارضة السياسية".

ومن المحتمل أن يضعف تزايد المشاحنات موقف كابول، ويمنح المتمردين اليد الطولى في المفاوضات، وهو ما ينذر بتداعيات قاتمة على الديموقراطية الناشئة في أفغانستان.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.