الحرب في مدينة تعز اليمنية دمرت معالمها التاريخية
لم تجد المناشدات المحلية والدولية نفعا في إقناع أطراف الصراع في اليمن بالامتناع عن استهداف المواقع الأثرية والتاريخية باعتبارها "تراثا إنسانيا عالميا وشاهدا فريدا على القيم المشتركة للبشرية"، على حد تعبير منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو).
وألحق النزاع الدامي الدائر في اليمن منذ أكثر من خمس سنوات دمارا واسعا بعشرات المعالم الأثرية، بما في ذلك مدينتي صنعاء وزبيد القديمتين المدرجتين على لائحة التراث العالمي، فضلا عن صعدة والمكلا وتعز.
واعتبر الخبير اليمني المتخصص في الحفاظ على المدن التاريخية ياسين غالب، ما لحق بالتراث الإنساني في اليمن عموما ومدينة تعز القديمة (270 كم جنوب العاصمة اليمنية صنعاء) خصوصا من دمار "كارثة بكل المقاييس".
وتعرضت المواقع الأثرية والتاريخية في مدينتي تعز وتعز القديمة (جنوبي غرب اليمن) لدمار واسع جراء الحرب الأهلية التي دخلت نهاية الشهر الماضي عامها السادس.
مصادر رسمية أفادت لـ"ارفع صوتك" عن حجم كارثي لسرقة ونهب الآثار في تعز.
وأوضحت أن أكثر من 70% من محتويات المتحف الوطني بتعز نهبت، كما نهبت محتويات متحف قلعة القاهرة الذي دمرته بالكامل طائرات التحالف العربي بقيادة السعودية التي تقاتل الحوثيين الموالين لإيران.
ومهدت الحرب الدائرة في اليمن لعملية نهب وسرقة واسعة لكنوز تعز الأثرية، وطال القصف الجوي لطيران التحالف العربي، مواقعا وقلاعا تاريخية عدة.
فلم يسلم متحف قصر صالة شرقي تعز وقلعة القاهرة التاريخية وحصن العروس بجبل صبر من الغارات الجوية.
إلى فترة ما قبل الإسلام
وحسب مدير عام مكتب الآثار بمدينة تعز أحمد جسار، فإن أكثر من 15 معلما تاريخيا وأثريا دمرتها الحرب الدائرة في المدينة منذ عام 2015.
ويوضح جسار لموقع (ارفع صوتك) أن من بين تلك المواقع قلعة القاهرة والمتحف الوطني وجامع وضريح الشيخ عبد الهادي السودي وحمام النعيم وجامعي المظفر والاشرفية وباب موسى ومدرسة المعتبية واستراحة المؤيد وغيرها.
ويرجع تاريخ بعض المواقع التي دمرت في تعز إلى ما قبل الإسلام وبعضها إلى أكثر من 800 عام وأخرى إلى أكثر من 1000 عام، فمنها يعود إلى الدولة الرسولية (626 – 858 ه)، والدولة العثمانية وحتى الدولة الصليحية (تأسست عام 429 ه) والدولة الأيوبية التي حكمت أجزاء واسعة من المشرق العربي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، وكذلك الدولة الطاهرية (855 – 923 ه)، وحقبة الإسلام.
ويزيد عدد المعالم الأثرية في مدينة تعز عن 50 معلما، بينما تزيد عددها في المحافظة إجمالا عن 150 معلما، بحسب أحمد جسار.
باب موسى آيل للسقوط
قبل عام تقريبا، وفي خضم المعارك العنيفة التي شهدتها مدينة تعز القديمة بين فصائل وقوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، تعرض العقد الخاص بـ"باب موسى" الشهير، إلى دمار جزئي جعله آيلا للسقوط.
و"باب موسى"، هو المدخل الغربي لمدينة تعز القديمة، وشكل على مدى مئات السنين مصدر أمان لسكان المدينة.
يقول أحمد جسار، إن "الأضرار تزداد يوما بعد يوم، ويزداد ضغط الأحمال على العقد، مما يؤدي إلى زيادة توسع الشروخ والتشققات وهبوطها".
ولم تلقَ الدراسة التي أعدت لإعادة تأهيل باب موسى الميزانية المطلوبة من السلطة المحلية بالمحافظة.
أفقد المدينة ذاكرتها
إلى ذلك، يقول الخبير اليمني ياسين غالب، إن الدمار الذي لحق بمدينة تعز "أفقدها جزءا هاما من هويتها التاريخية المعمارية الثقافية".
مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك)، أن "القيمة الحقيقية للتاريخ لا تعوض، وهذا العبث في مدينة تعز أفقد المدينة ذاكرتها فعلا".
ويلقي ياسين غالب باللائمة والمسؤولية على جميع الفصائل والأطراف المتحاربة في المدينة في اتخاذ هذه المواقع الأثرية كثكنات ومخازن عسكرية، وفي استهدافها بالطائرات وقذائف المدفعية والأسلحة المتوسطة والخفيفة، في مقدمتها جماعة الحوثيين.
"في العالم كله ممنوع وضع معسكرات أو مواقع عسكرية بالقرب من المواقع الأثرية لأن هذا مخالف للمعايير الدولية، إلا في اليمن هذا مسموح ولا يتم احترام المواقع الأثرية والتاريخية"، على حد قول غالب.
الجماعات المتطرفة
وشنت جماعات إسلامية متطرفة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، والتي تصاعد نفوذها بشكل لافت خلال الحرب الأخيرة، حربا بلا هوادة على المعالم الأثرية.
يقول أحمد جسار، إن التنظيمات المتطرفة فجرت معلمين تاريخيين هامين، هما:
قبة جامع عبد الهادي السودي (أحد أبرز أعلام الصوفية)، وهي من أكبر القباب في اليمن، وأحد أجمل المعالم الدينية في تعز القديمة، ويرجع بناؤها إلى عهد الدولة الطاهرية (855 – 923 هجرية).
واستراحة المؤيد التي دمرت تماما (وهي تعود إلى أكثر من سبعة قرون).
إعادة تأهيل
ويعاني مكتب الآثار بتعز من إمكانيات شحيحة، أبرزها عدم وجود نفقات أو ميزانية تشغيلية، كما يقول أحمد جسار، لكنه يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه.
وقال جسار إن فرع الهيئة العامة للآثار بتعز قام بإعداد الخطط والدراسات والبرامج الكفيلة بالحفاظ على الآثار والمعالم التاريخية وإعادة تأهيل ما دمرته الحرب، فضلا عن التواصل مع المنظمات العالمية المعنية بالحفاظ على الآثار، بغرض الاستعانة بها في دعم وتمويل أعمال الترميمات، مؤكدا أن الهيئة "نجحت في الحصول على دعم من الصندوق العالمي للآثار، وبدأت ترميم أول مشروع وهو المتحف الوطني، كما تم البدء بترميم قبة الحسينية، وأن هناك عدة مشاريع في هذا المجال، مثل مشروع ترميم قصر البدر وغيره من مشاريع الترميم التي تم إعداد الدراسات لها والتنسيق بشأنها مع المنظمات الداعمة".
