تطرف

الحرب في مدينة تعز اليمنية دمرت معالمها التاريخية

غمدان الدقيمي
16 أبريل 2020

لم تجد المناشدات المحلية والدولية نفعا في إقناع أطراف الصراع في اليمن بالامتناع عن استهداف المواقع الأثرية والتاريخية باعتبارها "تراثا إنسانيا عالميا وشاهدا فريدا على القيم المشتركة للبشرية"، على حد تعبير منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو).
وألحق النزاع الدامي الدائر في اليمن منذ أكثر من خمس سنوات دمارا واسعا بعشرات المعالم الأثرية، بما في ذلك مدينتي صنعاء وزبيد القديمتين المدرجتين على لائحة التراث العالمي، فضلا عن صعدة والمكلا وتعز.
واعتبر الخبير اليمني المتخصص في الحفاظ على المدن التاريخية ياسين غالب، ما لحق بالتراث الإنساني في اليمن عموما ومدينة تعز القديمة (270 كم جنوب العاصمة اليمنية صنعاء) خصوصا من دمار "كارثة بكل المقاييس".
وتعرضت المواقع الأثرية والتاريخية في مدينتي تعز وتعز القديمة (جنوبي غرب اليمن) لدمار واسع جراء الحرب الأهلية التي دخلت نهاية الشهر الماضي عامها السادس.
مصادر رسمية أفادت لـ"ارفع صوتك" عن حجم كارثي لسرقة ونهب الآثار في تعز.
وأوضحت أن أكثر من 70% من محتويات المتحف الوطني بتعز نهبت، كما نهبت محتويات متحف قلعة القاهرة الذي دمرته بالكامل طائرات التحالف العربي بقيادة السعودية التي تقاتل الحوثيين الموالين لإيران.
ومهدت الحرب الدائرة في اليمن لعملية نهب وسرقة واسعة لكنوز تعز الأثرية، وطال القصف الجوي لطيران التحالف العربي، مواقعا وقلاعا تاريخية عدة.
فلم يسلم متحف قصر صالة شرقي تعز وقلعة القاهرة التاريخية وحصن العروس بجبل صبر من الغارات الجوية.

إلى فترة ما قبل الإسلام
وحسب مدير عام مكتب الآثار بمدينة تعز أحمد جسار، فإن أكثر من 15 معلما تاريخيا وأثريا دمرتها الحرب الدائرة في المدينة منذ عام 2015.
ويوضح جسار لموقع (ارفع صوتك) أن من بين تلك المواقع قلعة القاهرة والمتحف الوطني وجامع وضريح الشيخ عبد الهادي السودي وحمام النعيم وجامعي المظفر والاشرفية وباب موسى ومدرسة المعتبية واستراحة المؤيد وغيرها.
ويرجع تاريخ بعض المواقع التي دمرت في تعز إلى ما قبل الإسلام وبعضها إلى أكثر من 800 عام وأخرى إلى أكثر من 1000 عام، فمنها يعود إلى الدولة الرسولية (626 – 858 ه)، والدولة العثمانية وحتى الدولة الصليحية (تأسست عام 429 ه) والدولة الأيوبية التي حكمت أجزاء واسعة من المشرق العربي خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، وكذلك الدولة الطاهرية (855 – 923 ه)، وحقبة الإسلام.
ويزيد عدد المعالم الأثرية في مدينة تعز عن 50 معلما، بينما تزيد عددها في المحافظة إجمالا عن 150 معلما، بحسب أحمد جسار.

باب موسى آيل للسقوط
قبل عام تقريبا، وفي خضم المعارك العنيفة التي شهدتها مدينة تعز القديمة بين فصائل وقوات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، تعرض العقد الخاص بـ"باب موسى" الشهير، إلى دمار جزئي جعله آيلا للسقوط.
و"باب موسى"، هو المدخل الغربي لمدينة تعز القديمة، وشكل على مدى مئات السنين مصدر أمان لسكان المدينة. 
يقول أحمد جسار، إن "الأضرار تزداد يوما بعد يوم، ويزداد ضغط الأحمال على العقد، مما يؤدي إلى زيادة توسع الشروخ والتشققات وهبوطها".
ولم تلقَ الدراسة التي أعدت لإعادة تأهيل باب موسى الميزانية المطلوبة من السلطة المحلية بالمحافظة.

 

أفقد المدينة ذاكرتها
إلى ذلك، يقول الخبير اليمني ياسين غالب، إن الدمار الذي لحق بمدينة تعز "أفقدها جزءا هاما من هويتها التاريخية المعمارية الثقافية".
مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك)، أن "القيمة الحقيقية للتاريخ لا تعوض، وهذا العبث في مدينة تعز أفقد المدينة ذاكرتها فعلا".
ويلقي ياسين غالب باللائمة والمسؤولية على جميع الفصائل والأطراف المتحاربة في المدينة في اتخاذ هذه المواقع الأثرية كثكنات ومخازن عسكرية، وفي استهدافها بالطائرات وقذائف المدفعية والأسلحة المتوسطة والخفيفة، في مقدمتها جماعة الحوثيين.
"في العالم كله ممنوع وضع معسكرات أو مواقع عسكرية بالقرب من المواقع الأثرية لأن هذا مخالف للمعايير الدولية، إلا في اليمن هذا مسموح ولا يتم احترام المواقع الأثرية والتاريخية"، على حد قول غالب.

 

الجماعات المتطرفة
وشنت جماعات إسلامية متطرفة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، والتي تصاعد نفوذها بشكل لافت خلال الحرب الأخيرة، حربا بلا هوادة على المعالم الأثرية.
يقول أحمد جسار، إن التنظيمات المتطرفة فجرت معلمين تاريخيين هامين، هما:
قبة جامع عبد الهادي السودي (أحد أبرز أعلام الصوفية)، وهي من أكبر القباب في اليمن، وأحد أجمل المعالم الدينية في تعز القديمة، ويرجع بناؤها إلى عهد الدولة الطاهرية (855 – 923 هجرية).
واستراحة المؤيد التي دمرت تماما (وهي تعود إلى أكثر من سبعة قرون).

 

إعادة تأهيل
ويعاني مكتب الآثار بتعز من إمكانيات شحيحة، أبرزها عدم وجود نفقات أو ميزانية تشغيلية، كما يقول أحمد جسار، لكنه يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه.
وقال جسار إن فرع الهيئة العامة للآثار بتعز قام بإعداد الخطط والدراسات والبرامج الكفيلة بالحفاظ على الآثار والمعالم التاريخية وإعادة تأهيل ما دمرته الحرب، فضلا عن التواصل مع المنظمات العالمية المعنية بالحفاظ على الآثار، بغرض الاستعانة بها في دعم وتمويل أعمال الترميمات، مؤكدا أن الهيئة "نجحت في الحصول على دعم من الصندوق العالمي للآثار، وبدأت ترميم أول مشروع وهو المتحف الوطني، كما تم البدء بترميم قبة الحسينية، وأن هناك عدة مشاريع في هذا المجال، مثل مشروع ترميم قصر البدر وغيره من مشاريع الترميم التي تم إعداد الدراسات لها والتنسيق بشأنها مع المنظمات الداعمة".
 

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

العراق

هذا هو داعش .. حقيقة التنظيم يكشفها قرداش ج2

علي قيس
29 مايو 2020

في أحد السجون العراقية المشددة الحراسة، يحاور الخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي، القيادي في تنظيم داعش طه عبد الرحيم الغساني، المعروف باسم "حجي ناصر قرداش"، والذي اعتقله جهاز المخابرات العراقي بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية داخل سوريا.

كشف قرداش تفاصيل كثيرة عن حقيقة التنظيم، نتناولها في سياق سلسلة مقالات عن حقيقة داعش التي لم يكشف عنها لليوم.

يساهم فيها الهاشمي الذي خصّ (ارفع صوتك) بتفاصيل الحوار.

نشأة داعش

عام 2012، عادت معسكرات الجماعات التكفيرية باعتبارها ردة فعل على تردي العلاقات بين قيادات حكومة المالكي والعشائر السنية في المنطقة الشمالية والغربية.

وفي نهاية ذلك العام، ظهرت منصات الاحتجاج والتي عرفت بـ"الحراك السني الشعبي"، وهي خليط من البعثية والصوفية والاخوان والسلفية الجهادية والعشائرية وعوام المدن والقرى ذات الأغلبية السنية.
وبسبب احتدام الصراع بين المالكي ورافع العيساوي على تعزيز التوزيع العادل للسلطة والنفوذ، فقد تداعى عدد من شيوخ العشائر وائمة المساجد وعلماء الافتاء السني وقادة الأحزاب في المناطق السنية للإطاحة بطموح المالكي بولاية ثالثة.

النواة الصلبة من تنظيم القاعدة في غرب العراق استثمرت هذه البيئة الغاضبة على الحكومة وبدأت تنتشر في مدن وخيم الاعتصامات وتعقد مجالس لأخذ البيعة للبغدادي فحققوا هناك الانتشار والتوسع الكبير والسريع، بعد أن انحسر نفوذهم عدا مناطق حوض الثرثار وغرب نينوى ووادي حوران وجزيرة راوة وبعدد أقل من 1000 إرهابي في كل العراق، وبإمكانيات اقتصادية ضعيفة.

في تلك الفترة نشأت داعش في الحدود الغربية العراقية والشرقية السورية، بحسب شهادة عبد الناصر قرداش.

يقول الأخير "صادف خروج أبو علاء العفري من السجن، واجتماع أبو مسلم التركماني، وحجي عبد الله أمير قرداش، وإهمال بغداد ودمشق التقارير الاستخبارية حول توسع ومباركة البعض من أبناء عشائر لأفكار تنظيم داعش في تلك الجغرافية، وكان البعد الطائفي والقومي هو الدافع الكبير وراء ذلك".

كُلف عبد الناصر قرداش في نشر فكر تنظيم داعش واخذ البيعة للبغدادي في الشرق السوري عام 2011، وقد نجح في ذلك بمعية كبار قادة التنظيم في ذلك الوقت.

يقول قرداش "إن البعد الطائفي يجب أن يطغى في التعامل مع مرحلة صعود وتأسيس تنظيم الدولة، فهي ضد بغداد ودمشق وتزعم أنها مع السنة لذا كان السكوت عليها وعدم انتقادها طيلة عام 2013 من غالبية السنة، وبغداد كانت لا تهتم للكيفية التي تعامل بها مفارز ومجموعات التنظيم أهالي تلك البيئة وتعتقد هو شأن يخصهم وشرها يقع على خصوم بغداد، والولايات المتحدة والخليج يعتقدون هذا صراع داخلي".

ومن خلال الاقتباس أعلاه من الحوار مع قرداش، يمكن أن نوضح مستويين من الدعم الذي حصلت عليه داعش في منطقة غرب العراق، هما:

- السرية واللامبالاة وغض البصر من قبل بعض العشائر في تلك المناطق، عن ممارسات التنظيم من أخذ الإتاوة وقطع الطريق الدولي والهجمات على قوات حرس الحدود والثكنات العسكرية والمراكز الأمنية ونهب دوائر الدولة.

- المستوى العسكري والراديكالي، المتمثل بالمعسكرات الخاصة بالتدريب ومخازن السلاح، بالنسبة إلى المستوى العقائدي فأن غالبية عناصر داعش درسوا وتربوا فكرياً في تلك البيئة منذ 2010-2013 في مدارس يديرها أبو علاء العفري وحجي عبد الله قرداش.

يقول عبد الناصر قرداش "كانت محاضرات أبو علاء العفري تشكل مرجعية فكرية للتنظيم، بل أكثر من ذلك، شكلت هذه المحاضرات نظاماً داخلياً وهادياً أساسياً لهم، فهي تتكون من 8 بنود تمثل بمجموعها منظومة تعاليم وأسس الولاء والبراء والتعريف بالأخر ومسائل الجاهلية ونواقض الإسلام وأحكام الدور وأحكام الجهاد وأحكام الغنائم وتوحيد الحاكمية وتكفير علماء السلاطين ونقد المرجئة الجدد ومسائل الجاهليَّة وكسر الحدود وكفر القومية والوطنية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية ووسائلها، واصبحت خارطة الطريق التي تنفذها داعش في جغرافيا الحدود بين العراق وسورية، وهي ما يأتي:

1- الدين الوحيد لتلك المناطق هو الإسلام السني كما يؤمن به البغدادي والعفري.

2- المنهج العملي يقوم على فقهيات انتخبها العفري والبغدادي والهيئات الشرعية قائمة على أن العمل ركن في الأيمان وفقاً لمناهج غلاة الفقهاء.

3- تكفير كل من يخالف عقيدة ومنهج التنظيم من الجماعات والحركات والتنظيمات الجهادية سواء كانت سلفية أو قاعدية وبشكل متساوٍ.

4- اجتثاث كل الزعامات الدينية والحزبية والحكومية والقومية والوطنية وعدم احترام نسيج سكان مناطق الحدود.

5- لا ذمة ولا عهد لكل من لا يبايع البغدادي، ومن يبايع يضمن حماية أرواح عائلته وأمواله وتوفير الأمن والأمان لهم.

6- تعمل لجنة الحسبة والتحقيقات وإقامة التعزيرات والحدود بكل قواها في تلك الجغرافيا.

7- المحكمة الشرعية للتنظيم والاحتساب هي المهيمنة والمسيطرة على المساجد والمنابر والتربية والتعليم، ويقضي القضاة وفق تعاليم البغدادي والعفري، وأنيطت هذه المناصب إلى الأشخاص الذين يتمتعون بالبيعة والتاريخ التكفيري الجهادي.

8- توزيع المناصب والمسؤوليات الإدارية والمالية والأمنية والعسكرية في قرى الحدود يتم على أساس ولاء الأشخاص لخلافة البغدادي."
 

علي قيس