تطرف

كيف اشترى تنظيم داعش أسلحته؟

08 ديسمبر 2020

شركات وهمية وتحويلات مالية سرية وشركات عائلية سرية، هكذا كشفت دراسة على وجه التحديد كيف تمكن زعيم تنظيم داعش من شراء الأسلحة من جميع أنحاء العالم على الرغم من حربه مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن.

وأصدرت منظمة "كونفليكت آرممنت ريسيرتش" غير الحكومية المختصة بأبحاث التسلح خلال النزاعات الثلاثاء تقريرا يوضح بالتفصيل كيف تمكن التنظيم المتطرف خلال سيطرته على مساحات شاسعة من سوريا والعراق بين عامي (2014-2019) من شراء أطنان من المواد المتفجرة والمعدات الإلكترونية والطائرات بدون طيار، دون لفت الانتباه.

طائرة درون تحمل قنبلتين في مدينة الموصل شمال العراق

والأمثلة على ذلك وافية. فقد اشترى متجر هواتف صغير ستة أطنان من عجينة الألومنيوم، فيما دفع موزع صغير للمنتجات الزراعية التركية نحو 200 ألف دولار (165 ألف يورو) للحصول على 78 طناً من الوقود الدافع الذي يستخدم في صنع القذائف.

وبين عامي (2015 و2017)، عثر على نحو مئة صفيحة تحتوي على عجينة الألومنيوم المنتجة في الصين في جميع أنحاء المناطق التي سيطر عليها التنظيم.

واعتمد التنظيم بشكل خاص على الأفراد والشركات العائلية التي كانت تعمل كوسطاء بالقرب من مناطق انتشاره، ولا سيما في جنوب تركيا.

وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أنها ليست في وضع يمكنها من إثبات أن هؤلاء الوسطاء تصرفوا عن دراية. "لكنهم شكلوا نقاط أتصال أساسية في سلسلة توريد" الجماعة.

ويكشف التقرير عن شراء أسمدة النترات وعجينة الألمنيوم المستخدمة في إنتاج المتفجرات، بالإضافة إلى وقود الصواريخ والطائرات بدون طيار.

وقد حاول تنظيم داعش حتى إنتاج نظام آلي مضاد للطائرات، على الرغم من عدم وجود دليل على نجاحه في ذلك.

كما وثقت المنظمة وجود 28 طائرة بدون طيار تم تعديلها لتكون مسلحة.

وقد حاول التنظيم كذلك الحصول على نظام تتبع بصري، وهو عنصر محتمل لنظام آلي مضاد للطائرات في المستقبل.

طائرة مسيرة يستخدمها عناصر داعش في المراقبة والتجسس

والشبكة التي تم الكشف عنها تشير إلى أنها شكلت كياناً يتاجر بحرية في أرجاء العالم الأربعة.
وحدد تقرير المنظمة "أكثر من 50 شركة، في أكثر من 20 دولة، قامت بإنتاج أو توزيع منتجات استخدمتها عناصر التنظيم".

واستند النظام إلى إدارة شركات مسجلة قانونياً، وخدمات لوجستية فعالة داخل دولة الخلافة المزعومة نفسها، ومواقع إلكترونية وهمية، وشبكة اتصالات آمنة، وتحويلات مصرفية، وعمليات دفع عبر الإنترنت.

ويشير التقرير إلى أن "تحقيقات سابقة أشارت إلى أن التنظيم استخدم أفرادا وشركات متمركزة في الدنمارك وإسبانيا وسوريا وتركيا والمملكة المتحدة".

مقاتلو جهاز مكافحة الإرهاب يتفقدون مخبأ يحتوي على ذخيرة مدفعية في الحي الصناعي بالموصل

 

أسئلة حول ما بعد القضاء على التنظيم

أنهى بعض الموردين الذين اشتبهوا بالصفقات عقودهم فيما لم يرّ آخرون شيئا أو غضوا الطرف.

ومن ثم، فقد ازدهرت تلك العمليات التي كانت فعالة على الرغم من هشاشتها في آن واحد.

وتؤكد المنظمة غير الحكومية ومقرها في المملكة المتحدة على أهمية الكشف عن الإشارات المثيرة للشبهة بصفتها "إشارات حمراء".

وإذا لم يظهر أن أياً منها يمارس نشاطا غير قانوني في حد ذاته إذا نُظر إليه بمفرده، فإن الكشف عن مجموعة من الحزم كان كافياً لتنبيه الشركات وسلطات التدقيق إلى الخطر المتمثل في تصرف أصحاب الطلبيات "خارج مجال نشاطهم المعتاد".

ومنذ نهاية الخلافة المزعومة في آذار/ مارس 2019، يحاول تنظيم داعش إعادة بناء نفسه في بلاد الشام وتوجيه ما يمكن اعتباره ضربات محدودة ولكن ثابتة.

وما تبقى من شبكة إمداده اليوم يبدو أكثر غموضا.

ويصفه المحلل المستقل لشؤون سوريا ومستشار مجموعة الأزمات (كرايسز غروب) سام هيلر، بأنه نشاط منخفض الموارد.

ويقول هيلر لوكالة الصحافة الفرنسية، وهو يراقب مقطع فيديو للجماعة عرضت فيه في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2019 معدات مقاتليها، "كل هذا يبدو رخيصا ويسهل الحصول عليه نسبياً. هذا هو الأساس لتحقيق استدامة مثل هذا النوع من النشاط".

ويعتقد خبير أسلحة معروف، يطلق على نفسه اسم كاليبر أوبسكورا على شبكة "تويتر" من جهته، أن داعش يشتري اليوم القليل من المعدات في الخارج، باستثناء المعدات المتطورة.

وبالنسبة له، فإن الجماعة الجهادية تعتمد على ما تبقى لديها من غنائم الحرب المحتملة وكذلك إلى السوق السوداء والميليشيات التي لا حصر لها والجماعات المسلحة وعناصر في القوات الرسمية ميالة للفساد.

ولأن المال لا يتوقف عن الدوران فإنهم ما زال بوسعهم الاستفادة من تجربتهم، وفق ما قال الخبير للفرنسية. وإذا وجد التنظيم نفسه يومًا ما في وضع استراتيجي جيد، فإنه "سيكون من الأسهل عليهم إعادة الكرة".

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.