تطرف

داعش ينازع بغداد وأربيل في المساحة "الرخوة"

04 ديسمبر 2021

نقلا عن موقع الحرة

تصعيد ملحوظ لنشاط تنظيم داعش في مناطق محاذية لإقليم كردستان العراق خلال أقل من أسبوع، في مؤشر على استغلال التنظيم المتشدد لـ"غياب التنسيق" الأمني في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، وفقا لمحللين ومسؤولين.

أعنف هذه الهجمات وقعت فجر الجمعة، في قضاء مخمور، وأسفرت عن مقتل 13 شخصا على الأقل، هم ثلاثة قرويين وعشرة جنود من قوات البيشمركة.

ويقع قضاء مخمور، على بعد 70 كيلومترا جنوب شرقي الموصل و60 كيلومترا جنوب غربي أربيل عاصمة إقليم كردستان، ويعد نقطة رئيسية لنشاط تنظيم داعش، ويشهد هجمات منتظمة على القوات الكردية والعراقية والمدنيين في كثير من الأحيان.

وقبل ذلك قتل خمسة من البيشمركة وجرح أربعة آخرون في انفجار عبوة ناسفة استهدفت آليتهم العسكرية، ليل السبت- الأحد.

وأفاد بيان رسمي الأحد، بأن الهجوم استهدف "قوة كانت متوجه للمساندة إثر هجوم لتنظيم داعش ضد البيشمركة في بلدة لولة جوي التابعة لقضاء كرميان" شمالي محافظة ديالى، جنوبي إقليم كردستان.

وألقى مسؤولون ومحللون عراقيون باللوم في استمرار تنظيم داعش في شن هجمات دموية على غياب التعاون في رقعة من الأراضي تطالب بها كل من السلطات الاتحادية وحكومة الإقليم.

 

تعاون غائب

وقال الأمين العام لوزارة البيشمركة، جبار الياور، إن "عدم التعاون في مجال العمليات المشتركة بين البيشمركة والقوات العراقية" في المناطق المتنازع عليها هو أحد أبرز الأسباب في تصاعد الهجمات.

وأضاف الياور في حديث لموقع "الحرة" أن انعدام التعاون لا يشمل فقط المناطق التي تتعرض للهجمات المتكررة وإنما "على خط بطول 500 كيلومترا يمتد من خانقين في محافظة ديالى على الحدود الإيرانية إلى مناطق سحيلة قرب الحدود السورية".

"تسبب انعدام التنسيق هذا في حصول غياب تام لقوات الأمن من الطرفين في مناطق يصل عمقها لـ 40 كيلومترا وطولها لنحو 20 كيلومترا" وفقا للياور.

يقول المسؤول العسكري الكردي إن داعش استغل هذه المناطق كملاذات آمنة للتدريب وتخزين السلاح والعتاد والانطلاق منها لشن هجمات ضد البيشمركة والقوات العراقية على حد سواء".

أبرز المناطق الخالية من قوات الأمن، وينتشر فيها عناصر داعش، تمتد من جبل قره تشوغ، ومناطق غرب كركوك في الحويجة والعباسي، إضافة لقضاء الدبسن، ومناطق شاسعة، بين قضاءي كفري، وطوزخورماتو جنوب غربي كركوك.

ويستغل تنظيم داعش، كذلك، التضاريس الوعرة لسلسلة تلال حمرين التي تمتد من شمال ديالى وحتى جنوبي الموصل، فضلا عن مناطق في قضاء قولهجو وناحية جلولاء في ديالى التي تمتاز بكثافة بساتينها وانتشار المسطحات المائية التي يستغلها عناصر التنظيم في التخفي.

ولم يعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم حتى الآن.

ويشن تنظيم داعش هجمات منتظمة على قوات الأمن والمدنيين في المنطقة بين الحين والآخر.

ودعا مسؤولون عراقيون إلى التحرك السريع من أجل مواجهة هذه الهجمات.

ووصف رئيس الجمهورية برهم صالح في تغريدة باللغة الكردية الهجوم بأنه "مستجدات خطيرة.. وأن مواجهتها تشكل واجبنا في الوقت الحالي، مع تقوية التنسيق بين البشمركة والجيش العراقي لاجتثاث الإرهاب وبسط الاستقرار في المنطقة".  

وشدد رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني على أهمية "التعاون بين البيشمركة والجيش العراقي والتحالف الدولي بأسرع وقت ممكن" لمواجهة تنظيم داعش ووقف هجماته.

وقال بارزاني إن "حكومة إقليم كردستان تؤكد استعدادها لتعزيز أي تعاون وتنسيق لمكافحة الإرهاب وتحقيق استقرار الوضع في العراق بشكل عام، والمناطق التي تتعرض إلى اعتداءات داعش بشكل خاص". 

ولم يرد أي من المسؤولين العسكريين العراقيين على اتصالات موقع "الحرة" للتعليق.

وقالت قيادة العمليات المشتركة في بيان إن "التنسيق والتعاون الكبير مستمر بين قطعات الجيش العراقي وقوات البيشمركة في محافظات ديالى وكركوك ونينوى". ووعدت بأن هذا التعاون "سيأخذ أبعادا أوسع" في المستقبل.

"خلافات عميقة"

ويرى الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن الخلافات عميقة في المناطق المتنازع عليها بين القوات العراقية وقوات البيشمركة حول من "يمسك الأرض".

ويضيف أبو رغيف لموقع "الحرة" إن "هناك تفاهمات سابقة بين الإقليم والمركز وبين البيشمركة والعمليات المشتركة لكنها لا تلبي الطموح"، مؤكدا في الوقت ذاته "نحتاج إلى تفاهمات وتنسيق أكبر حتى لا نسمح للتنظيم باستغلال الأماكن الرخوة والخلافات لشن هجماته".

وشهدت السنوات الماضية تأكيدات متبادلة من مسؤولين عراقيين وأكراد بشأن عقد تفاهمات تتعلق بالمناطق المتنازع عليها وإدارة الملف فيها.

ويشير الياور إلى "وجود مراكز تنسيق مشتركة في ديالى ومخمور وكركوك وبغداد واربيل، لكنها فقط لتبادل المعلومات الاستخبارية والتنسيق بين القوات ومرور الأرتال العسكرية وتسليم المطلوبين، وليس في مجال تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة".

ويبين أن "الفراغ الأمني حصل في نهاية عام 2017، بعد طلب الحكومة المركزية من قوات البيشمركة الانسحاب من جميع المناطق المتنازع عليها"، مضيفا أنه أعقب ذلك "صدامات بين القوات العراقية والبيشمركة، أجبرت الأخيرة على الانسحاب من تلك المناطق".

ومع ذلك يؤكد الياور أن "اجتماعات كثيرة عقدت مؤخرا مع قيادة العمليات المشتركة لإيجاد حل"، مضيفا "ستكون هناك اتفاقات قريبة لشن عمليات عسكرية مشتركة أو تشكيل دوريات مشتركة".

وأيضا جرى الاتفاق على تشكيل لواءين مشتركين من الجيش والبيشمركة لنشرهما في هذه المنطقة، وفقا للياور.

لكنه بين أن "العملية تسير بشكل بطيء"، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الهجمات الأخيرة لداعش "سيكون لها تأثير كبير على تسريع الخطوة".

ورغم إعلان السلطات العراقية دحر تنظيم داعش نهاية 2017 بعد سيطرته على ثلث مساحة البلاد، ما زالت خلايا التنظيم المتطرف تنفذ هجمات من حين لآخر، ليس فقط في المناطق المتنازع عليها.

ويقول مسؤولون عسكريون غربيون إن ما لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل من التنظيم ما زالوا في العراق وسوريا.

وأشار تقرير للأمم المتحدة نشر في فبراير الماضي إلى أن "تنظيم داعش يحافظ على وجود سري كبير في العراق وسوريا، ويشن تمردا مستمرا على جانبي الحدود بين البلدين مع امتداده على الأراضي التي كان يسيطر عليها سابقا".

 

الهجمات ستستمر

ويرجح الخبير الأمني العراقي أمير الساعدي استمرار هجمات داعش "ما لم تتمكن أجهزة الأمن تطوير قدراتها، وخاصة في مجال المعلومات الاستخبارية لملاحقة التنظيم في تلك المناطق على أقل تقدير".

ويقول الساعدي لموقع "الحرة" إن "مخمور وباقي المناطق المتنازع عليها معقدة جغرافيا وفيها تضاريس صعبة، لا ينفع معها انتشار قوات اتحادية أو بيشمركة".

يؤكد الساعدي أن تنظيم داعش يستغل أيضا الخلافات السياسية وحالة عدم الاستقرار والمشاكل العرقية والطائفية والقومية، لتعزيز هجماته".

ويضيف "نحتاج الى تقنيات متطورة لضبط تحركات التنظيم في المنطقة". وتابع "نحتاج أيضا لتعاون أكبر بين البيشمركة وقوات الجيش العراقي وجهود الولايات المتحدة التي سبق وأن نفذت الكثير من الضربات المؤثرة ضد داعش".

ويبين الساعدي أن العراق بحاجة إلى "واشنطن مرحليا على الأقل لمواجهة داعش، من خلال الاستفادة من التقنيات العالية والمتطورة والأقمار الصناعية التي تمتلكها الولايات المتحدة" للمساعدة في الكشف عن مواقع التنظيم.

ويقدم التحالف الدولي الدعم للقوات العراقية في حربها على تنظيم داعش منذ العام 2014، ويضم 3500 عسكري، بينهم 2500 أميركي، ستتحول مهمتهم إلى "استشارية" و"تدريبية" تماما بحلول نهاية العام. 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة الأفغانية كابول

دعا زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي محمد صلاح الدين زيدان المعروف باسم "سيف العدل"، الجهاديين في جميع أنحاء العالم إلى السفر إلى أفغانستان، للاستفادة والتعلم من تجربة طالبان، والانضمام إلى معسكرات تدريب لشنّ هجمات على "الصهاينة والغرب" بحسب تعبيره.

سيف العدل كتب مقالاً تحت اسم مستعار يستخدمه منذ فترة وهو "سالم شريف"، نُشر في مجلة تصدرها "القاعدة" حمل عنوان "هذه غزة... حرب وجود.. لا حرب حدود"، قال فيه "لا بد للمخلصين من أبناء الأمة والمهتمين بالتغيير من زيارة أفغانستان والاطّلاع على أحوالهم والاستفادة من تجاربهم".

ورأى أن تجارب "أفغانستان واليمن والصومال ومغرب الإسلام تلهم أمتنا بركن تأسيسي وهو الأمة المسلّحة".

تكتسب علاقة تنظيم "القاعدة" بطالبان بعداً تاريخياً عميقاً، ولطالما كانت أفغانستان ملجأً لقيادات التنظيم، وضمت في فترات زمنية طويلة معسكرات تدريب ينطلق منها "جهاديون" لضرب أهداف حول العالم، كان أبرزها على الإطلاق أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية.

وكان مؤسس "القاعدة" أسامة بن لادن متواجداً في أفغانستان، وتحديداً في جبال طورا بورا ومنها أدار العمليات، قبل أن تشنّ أميركا حرباً واسعة النطاق على الإرهاب وتقتل بن لادن في باكستان حيث لجأ بعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان.

كما أن أيمن الظواهري زعيم القاعدة السابق، انتقل إلى أفغانستان مباشرة بعد الانسحاب الأميركي وسيطرة حركة طالبان، ثم قُتل في كابول داخل منزل تابع لشبكة سراج الدين حقاني، بغارة أميركية.

انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في عام 2021 سمح بعودة حركة طالبان للسيطرة على أفغانستان، ويبدو أن الروابط القديمة بين تنظيم "القاعدة" وطالبان قد عادت إلى الواجهة، مع وجود مصالح مشتركة بين الطرفين.

لا شك أن تنظيم "القاعدة" يحاول أن يعيد بناء نفسه في أفغانستان، كما يشرح الباحث في مجال الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية لـ"ارفع صوتك". فـ"التقارير الميدانية تشير إلى وجود قواعد عدة يقوم ببنائها التنظيم في أفغانستان، وقد تحدث (الديبلوماسي الأميركي السابق) سلمان خليل زاد في إحدى الجلسات أنه "لا وجود للقاعدة"، لكن التقارير تخالف ذلك، مؤكدة أن هناك بالفعل "إعادة احياء لهذا التنظيم، وتركيز على حضور القاعدة في شبه القارة الهندية".

أبو هنية يذكّر بأن حركة طالبان لديها علاقات وثيقة تاريخياً مع "القاعدة". واليوم، يتابع الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية "هناك علاقات جيدة وصعود للقاعدة بطبيعة مختلفة عن السابق تتحكم فيها حركة طالبان، ولا تسمح للقاعدة بتنفيذ أي عمليات أو مخططات إلا بإشراف طالبان بشكل مباشر".

"ولذلك يجب أن نعتاد على شكل آخر من العلاقة تقوم فيه طالبان باستخدام القاعدة على غرار ما فعلت إيران في فترات سابقة، حيث استضافت القاعدة لكن لخدمة أجندة إيران"، يقول أبو هنيّة.

ويوضح أن طالبان "تستفيد من القاعدة في مناهضة ولاية خوراسان التابعة لتنظيم داعش وفي نفس الوقت يعيد القاعدة تنظيم نفسه، خصوصاً في ما يتعلق بالهند والسياسات في ذلك الجزء من العالم".

على صعيد آليات عمل "القاعدة" في أفغانستان، فإن بناء هياكلها يحدث ببطء، يضيف أبو هنيّة، مبيّناً "هناك دعوات شهدناها موجهة للجهاديين للالتحاق بالمعسكرات، وبالفعل هناك أشخاص من العالم العربي أو من جنوب شرق آسيا وأفريقيا بدأوا بالالتحاق بمعسكرات القاعدة في أفغانستان".

ويعتقد أن "ازدهار شبكة القاعدة في أفغانستان لا يزال تحت السيطرة، ولن يكون بمقدور التنظيم توجيه ضربات كبيرة انطلاقاً من أفغانستان على غرار ١١ سبتمبر".

كما لا يتوقع أبو هنية أن نشهد تداعيات قريبة للتعاون بين طالبان و"القاعدة"، لكن خلال سنوات قد يتغير الأمر، مردفاً "هذا رهن علاقات طالبان بمحيطها الإقليمي مع باكستان والصين وروسيا، وهذه الدول تحاول بناء علاقات جيدة مع طالبان حتى تتجنب أي ردة فعل للجهاديين سواء في آسيا الوسطى أو الصين أو في شبه القارة الهندية".

بهذا المعنى، يصف أبو هنية تنظيم "القاعدة" اليوم بأنه "ورقة بيد طالبان"، التي تحدد متى تستخدمها وكيف.