رصدت الولايات المتحدة 10 ملايين دولار مقابل رأس سناء الله غفاري
رصدت الولايات المتحدة 10 ملايين دولار مقابل رأس سناء الله غفاري

أشرف سناء الله غفاري على استرجاع  تنظيم داعش في أفغانستان قواه، متوليا قيادته مع شن الكثير من الهجمات العنيفة لزعزعة نظام خصمه طالبان، ما خلف خسائر بشرية هائلة وجعل منه هدفا لواشنطن.

بعيد مقتل زعيم التنظيم أبو ابراهيم الهاشمي القرشي في عملية أميركية في سوريا، حددت الولايات المتحدة مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لأي معلومات تتيح "التعرّف على أو تحديد مكان" زعيم تنظيم داعش-ولاية خراسان المعروف أيضا باسم شهاب المهاجر.

وكتبت وزارة الخارجية الأميركية التي أدرجته على القائمة الأميركية للإرهابيين الأجانب أن "غفاري مسؤول عن كل عمليات تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان (..) وعن تمويل هذه العمليات".

وباستثناء ذلك، يلف الغموض مسيرة غفاري وأصله أيضا إذ يقول البعض إنه أفغاني والبعض الآخر إنه عراقي.

وكتبت منظمة Counter-Extremism Project غير الحكومية: "لا نعرف الكثير عن المهاجر" الذي يقود تنظيم داعش-ولاية خراسان منذ منتصف العام 2020. لكن دعاية التنظيم تقدمه على أنه قائد عسكري وأحد "أسود" التنظيم في كابول. وقد شارك "في تخطيط وتنظيم عمليات وهجمات انتحارية معقدة" بحسب Counter-Extremism Project. 

وارتبط اسمه بداية بشبكة حقاني المتشددة القريبة سابقا من تنظيم القاعدة والتابعة الآن لحركة طالبان. توضح المنظمة غير الحكومية نفسها أن غفاري "وفر خبرة كبيرة وقدرته على ولوج الشبكات" للسماح للفرع الأفغاني في تنظيم داعش الصمود في وجه هجمات حركة طالبان العنيفة والأميركيين في 2020.

 

انهيار ثم عودة

 

بعد ذلك، أظهر تنظيم داعش ولاية خراسان فاعلية مدمرة. وتفيد شركة Jihad Analytics المتخصصة في الجهاد العالمي والهجمات الإلكترونية أن هذا التنظيم أعلن مسؤوليته عن 340 هجوما في 2021 أي المستوى القياسي المسجل في 2018 عندما صنف على أنه من أكثر المنظمات الإرهابية فتكا في العالم في المؤشر العالمي للإرهاب.

ويوضح داميان فيري مؤسس Jihad Analytics أن "تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان تهاوى في العام 2020. في العام 2021 استعاد بعض قواه بنجاحه في شن هجمات دامية وخصوصا بتنويع مناطق شن هجماته في البلاد بعد عودة حركة طالبان (إلى السلطة) في اغسطس".

وينسب إلى غفاري خصوصا الاعتداء على مطار كابول في 26 أغسطس (185 قتيلا بينهم 13 جنديا أميركيا) فضلا عن عمليات متطورة مثل حصار سجن جلال أباد مدة 20 ساعة في 2020 على ما أشار الباحثان أميرة جدعون وأندرو ماينز في مجلة War on the rocks.

وأشارا إلى أن هدفه "كان إخراج التنظيم من هذه المرحلة من التراجع النسبي من خلال مضاعفة الهجمات الطائفية ضد أقليات ضعيفة ومن خلال تنشيط الحرب على حركة طالبان".

وطور كذلك استراتيجية تجاري طموحات تنظيم داعش في العالم وتراعي كذلك الواقع المحلي الأفغاني الذي يضم كوكبة من "التنظيمات الجهادية".

ويقول آصف فوارد الباحث في جامعة General Sir John Kotelawala Defence University في سريلانكا إن غفاري "طلب إلى قادته القيام بفاعليات اجتماعية في منطقة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان بما عزز صورته كقائد" وسمح له الحلول مكان الكثير من الزعماء القبليين.

 

مشروع إقليمي 

 

ويضيف  آصف فوارد: "سيكون تنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان قادرا على تقويض سلطة طالبان من خلال المبادرة إلى دبلوماسية بين القبائل ومن خلال استقطاب السكان الذين خاب ظنهم من الحكومة".

إلا أن طموحات الرجل البالغ 27 عاما لا تقتصر على أفغانستان بحسب منظمة Counter-Extremism Project. وتفيد مجموعة الأمم المتحدة حول الإرهاب أن تنظيم داعش-ولاية خراسان يطور "برنامجا إقليميا أوسع يهدد الدول المجاورة في آسيا الوسطى وجنوب آسيا".

وتضيف المنظمة نفسها أن غفاري يدير أيضا مكتب الصديق التابع لتنظيم الدولة ويشمل منطقة تضم أفغانستان وبنغلادش والهند والمالديف فضلا عن باكستان وسريلانكا ودول أوروبا الوسطى.

ونشرت صحيفة "النبأ"، لسان دعاية داعش، صورا له في صفحتها الأولى مرات عدة في الأشهر الأخيرة إذ إنه يقيم علاقات وثيقة مع التنظيم المركزي في حين أن فروعا إخرى تعتمد إدارة محلية ومستقلة أكثر.

ويطمح كذلك إلى استقطاب عدد أكبر من المقاتلين الأجانب كما حصل في الماضي مع التنظيم في سوريا والعراق (2014-2019).

ويخشى أوران بوتوبيكوف الخبير القرغيزستاني في شؤون التنظيم الجهادي من أن تؤدي الهجمات الانتحارية لتنظيم الدولة الإسلامية-ولاية خراسان، على خلفية الأزمة الاقتصادية وعدم ضبط الحدود باحكام، إلى "تحويل أفغانستان نقطة ساخنة جديدة لاأصار تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والجنوبية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.