من اليمين: ناصر الوحيشي وقاسم الريمي قائدا التنظيم اللذان قتلا على التوالي في 2015 و2020، وعلى اليسار القائد الحالي خالد باطرفي.
من اليمين: ناصر الوحيشي وقاسم الريمي قائدا التنظيم اللذان قتلا على التوالي في 2015 و2020، وعلى اليسار القائد الحالي خالد باطرفي.

كان الفرع اليمني للقاعدة دائما فرعا خطيرا في أدواره وجغرافية نشاطه. أسندت إليه القيادة العامة للتنظيم مهام حساسة جدا، منها القيام بعمليات عابرة للحدود، وحل الخلافات التي قد تنشب في الأفرع الأخرى، كما انطوى قرار تعيين ناصر الوحيشي، زعيم القاعدة في اليمن الأسبق، نائبا عاما لأيمن الظواهري على رغبة قديمة في نقل القيادة العامة لتنظيم القاعدة من أفغانستان إلى اليمن، إضافة إلى كون اليمن جزءا من جزيرة العرب أي ضمن النطاق الجغرافي الذي لا يجب لغير المسلمين التواجد فيه حسب أدبيات تنظيم القاعدة.

 ورغم إخفاق حملته الأولى التي أطلقها في السعودية سنة 2003، وانتهت بتفكيك كل خلاياه واعتقال أو تصفية قادته، إلا أنه استطاع إحياء نفسه من جديد في اليمن ودمج الفرع السعودي واليمني في تنظيم واحد سنة 2007 ما شكل تحديا للأمن العالمي منذ ذلك التاريخ.

 

حروب أمنية

 

كان اليمن مسرحا مبكرا لعمليات اغتيال استهدفت قادة في القاعدة. في 2002، نفذت طائرة من دون طيار أول ضربة جوية لها خارج أفغانستان أسفرت عن مقتل أبو علي الحارثي مبعوث أسامة بن لادن إلى اليمن والمسؤول عن الهجوم على المدمرة الأميركية يو إس إس كول في خليج عدن، وناقلة النفط الفرنسية ليمبورغ. ومن حينها، والضربات الجوية التي تستهدف عناصر وقادة القاعدة لم تتوقف، بل إن وتيرتها سترتفع وتركيزها سيزداد دقة مع اغتيال ناصر الوحيشي في يونيو 2015، لتبدأ الحلقة القيادية في التفكك تحت ضربات جوية أتت على معظم الصف الأول للتنظيم: حارث النظاري، إبراهيم الربيش، مأمون حاتم، نصر الآنسي، جلال بلعيدي، سعيد الشهري، قاسم الريمي، وأسماء وازنة أخرى تم تحييدها خلال بضع سنوات فقط.

حاولت القاعدة تطويق الشرخ الأمني الذي استشرى في صفوفها، فحظرت استعمال الهواتف النقالة على عناصرها، وركزت في إصداراتها على مواضيع الاختراق والتجسس، وشنت حملات اعتقال واسعة للمشتبه بهم في تسريب أسرار التنظيم والإبلاغ عن إحداثيات مقراته وتحركات قادته. وأخيرا نفذت عمليات إعدام في الساحات العامة ضد أفراد بدعوى تورطهم في نشاطات تجسسية لصالح جهات معادية.

أدت هيمنة الهاجس الأمني على تنظيم القاعدة في اليمن إلى تضخم جهازه الأمني واستفراده بصلاحيات موسعة بقيادة المصري أبو صالح إبراهيم البنا، وساد بين القادة والعناصر جو من التوجس والريبة دفع القائد السابق قاسم الريمي إلى القول بأن الأفراد الموثوقين في جماعته لا يتجاوزون المئة وسيخضع ما سواهم للفحص والتحري. وانعكس الطابع الأمني على الأداء العسكري والإعلامي للتنظيم، حيث انكفأ على نفسه في مناطق كثيرة وفضل الدخول في حالة من الكمون الأمني على الظهور العلني والسيطرة الميدانية. وعلى الصعيد الإعلامي طغى موضوع التجسس والحروب الأمنية على إصداراته المرئية، حيث نشرت مؤسسته الإعلامية عدة أفلام تناولت الموضوع مثل سلسلة "هدم الجاسوسية" و "أسرار وأخطار" وسلسلة "حصاد الجواسيس" وغيرها

 

قادة جواسيس

 

لم يكن أحد بمنأى عن الاعتقال والتحقيق في ظل نفوذ الجهاز الأمني واضطلاعه بمسؤولية الكشف عن الخلايا التجسسية داخل التنظيم. ومع استفحال الاستهداف المباشر للقادة الكبار، توسعت دائرة التحقيق لتشمل قيادات الصف الثاني. وكانت المفاجأة عندما تم اعتقال عدد من القادة والمسؤولين بتهمة التجسس وتقديمهم للقضاء الأمني في التنظيم الذي أصدر بحقهم أحكاما بالإعدام تم تنفيذها في وقت لاحق.

وكان من بين القادة الذين أدينوا بالتجسس أحمد عبد الله صالح الخزمري، المشهور بأبي مريم الأزدي، وهو "منظر جهادي" صاعد، كان ضمن لائحة المطلوبين الـ85 التي أصدرتها السعودية في فبراير 2009. حينها، غادر السعودية متجها إلى أفغانستان حيث استقر في منطقة وزيرستان الحدودية، والتقى بكبار قادة القاعدة في أفغانستان كأبي يحيى وعطية الله الليبيين وعبد الله العدم وغيرهم، ونشر عشرات الكتب والمقالات في المواقع والمنتديات "الجهادية" منذ 2010، ثم دخل إلى سوريا في 2013 ومنها انتقل إلى اليمن حيث استأنف نشاطه التنظيري هناك إلى غاية اعتقاله وإعدامه.

كانت المفاجأة عندما تم اعتقال عدد من القادة بتهمة التجسس وتقديمهم للقضاء الأمني الذي أصدر بحقهم أحكاما بالإعدام تم تنفيذها.

وتم أيضا إعدام فياض الحضرمي المسؤول الأمني الميداني، وهو قيادي قديم انضم إلى تنظيم القاعدة في العراق عام 2003، وكان عضوا في "كتيبة الاستشهاديين" التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي، وقد كلفه الأخير بمهمة في السعودية حيث تم اعتقاله وأمضى في السجن 6 سنوات. بعد إطلاق سراحه، دخل اليمن والتحق بصفوف القاعدة، وتنقل في المناصب والمسؤوليات إلى أن شغل منصب المسؤول الأمني الميداني، وهو منصب حساس يخول لصاحبه الاطلاع على معطيات التنظيم وملفاته السرية. اعتقل في حملة اللجنة الأمنية وأدين بالتجسس وحكم عليه بالإعدام.

وهناك أيضا، عبد الله بوازير ويعرف أيضا بسعيد شقرة. كرس هذا القيادي 10 سنوات من حياته لتنظيم القاعدة في اليمن، مقاتلا في صفوفه ومضطلعا بمسؤوليات عدة داخله، آخرها رئاسة للجنة المالية، وهي اللجنة المكلفة بتدبير ميزانية التنظيم، وترتيب أموره المالية، قبل أن يعتقل في حملة اللجنة الأمنية ويعدم بتهمة التجسس.

وصف تنظيم القاعدة في اليمن الرجال الذين أعدموا بـ"الجواسيس الخونة" وتوعد بملاحقة كل من ثبت تورطه في زرع شرائح التعقب في سيارات ومقرات التنظيم، أو الترويج لأفكار وتوجهات تخالف سياساته، فهو لا يحصر التعامل مع أعدائه في التخابر معهم عبر تمرير المعلومات أو تزويدهم بالإحداثيات ولكنه يدرج أيضا ضمن "أعمال التجسس" تداول الشائعات، وترويج أفكار تخالف استراتيجية التنظيم وتوجهاته. وقد حذر قاسم الريمي زعيم التنظيم السابق عناصره بالقول: "من يضع نفسه موضع الشبهة فلا يلومن إلا نفسه".

 

تصدع التنظيم

 

اعتقد تنظيم القاعدة أن مقاربته الأمنية الصارمة ستنجح في تحصين بيته الداخلي، وترميم الثغرات التي شكلت منفذا لعمليات اختراق وصلت إلى أرفع المناصب، ولم يكن يدرك أنها ستحدث تصدعات عميقة في بنيته التنظيمية لم يختبر التنظيم مثلها منذ تأسيسه. ففي 19 أبريل 2020، خرج مجموعة من القادة  في تسجيل صوتي بعنوان "معذرة إلى ربكم" نددوا فيه بما سموه أفعالا "تذكر بجرائم دولة البغدادي" قام بها تنظيم القاعدة في اليمن، ونعوا قيادات تم إعدامها " بحجج هي أوهن من بيت العنكبوت" أبرزها: أبو مريم الأزدي وفياض الحضرمي وسعيد شقرة، وتحدثوا عن خروقات شابت عمليات الاعتقال والتحقيق، وطالبوا أيمن الظواهري وشيوخ "التيار الجهادي" بالتدخل وإرغام قيادة القاعدة في اليمن على المثول أمام "لجنة قضائية" مستقلة لكشف حيثيات ما جرى مع الشخصيات التي تم إعدامها.

أعلن المحتجون ضد قيادة القاعدة اعتزالهم، وعلقوا عملهم في التنظيم. وطالبوا بتدخل أيمن الظواهري.

أعلن المحتجون اعتزالهم، وعلقوا عملهم في التنظيم. وكان من أبرز هؤلاء كل من أبو عمر النهدي، ومنصور الحضرمي، ومصعب الشرقي، وحسان القصيمي، وعزام الإبي، وأبو داوود الشروري، وحسين قروش العدني وغيرهم. واقترحوا لحل الخلاف عقد محاكمة مستقلة خارج التنظيم تعيد النظر في الملفات الأمنية للشخصيات التي تم إعدامها، ومراسلة أيمن الظواهري بشأن ما جرى وانتظار رأيه في الموضوع.

قبل الخروج الإعلامي للمعتزلين، أرسلت القاعدة وفدا في تشرين الثاني 2019 للتفاوض معهم ومحاولة الوصول إلى حل يرضي الجميع، فاتفق الطرفان على إرسال المعتزلين مذكرة إلى أيمن الظواهري يشرحون فيه حيثيات الأحداث، ويتولى خالد باطرفي، القائد الجديد للتنظيم بعد مقتل قاسم الريمي في يناير 2020، إرسالها دون الاطلاع على فحواها، ثم عقد محاكمة مستقلة للنظر في القضايا المثيرة للجدل.

خالد باطرفي
سعودي على قائمة 'الإرهابيين العالميين' الأميركية.. من هو؟
أضافت وزارة الخارجية الأميركية خالد باطرفي، القيادي السعودي في "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" إلى قائمتها لـ"الإرهابيين العالميين"، وحظرت أصوله وممتلكاته في الولايات المتحدة، ومنعت الأميركيين من التعامل معه.

لكن الاتفاق تعذر تنفيذه، بعدما أصر خالد باطرفي على تحرير المذكرة المزمع إرسالها إلى الظواهري لدواع أمنية، الأمر الذي رفضه المعتزلون، واعتبروه إخلالا بشرط سرية المذكرة. وفي 28 مارس 2020، عقد الطرفان جلسة حوار أخرى، شددت خلالها القاعدة على رفضها إجراء أي محاكمة يشارك فيها طرف ثالث لأن ذلك يعني تسريب أسرار التنظيم إلى جهات خارجية، واقترحت بدلا من ذلك إجراء محاكمة داخلية على أن ترسل الأحكام الصادرة عنها إلى شيوخ التيار الجهادي لتمييزها، أو إرسال ملفات القضايا المثيرة للجدل إلى أيمن الظواهري ويكون رأيه فيها ملزما للطرفين. المعتزلون بدورهم رفضوا مقترحات قيادة القاعدة وأصروا على مطلبهم في عقد محاكمة مستقلة لا يشارك فيها قضاة التنظيم، كونهم طرفا في النزاع لأن أحكام الإعدام صادرة عنهم، وأبدوا استعدادهم لقبول مقترح تصوير جلسات المحاكمة بالفيديو وإرسالها إلى شيوخ التيار الجهادي لمراجعة الأحكام عند صدورها، وهو الاقتراح الذي رفضته قيادة القاعدة جملة وتفصيلا. ومع استعصاء الأزمة وتمسك كل طرف بمواقفه قرر المعتزلون إنهاء علاقتهم بالقاعدة والانشقاق عنها، ومراسلة الظواهري بطرقهم الخاصة، ورفع شكوى إليه، بشأن ما اعتبروه انحرافا لقيادة القاعدة في اليمن.

 

وتستمر المعضلة

 

خلال بضع سنوات فقط، أعلن تنظيم القاعدة في اليمن تفكيك عشرات الخلايا التجسسية التي توغلت عميقا داخله إلى درجة التماس المباشر مع أمرائه ومؤسسية، وبث عشرات الاعترافات لأشخاص زعم أنهم متورطون في أعمال تجسسية. المنشقون عن التنظيم من جهتهم أكدوا وجود أبرياء كثر حصد الجهاز الأمني أرواحهم بسبب المساطر التي اعتمدها الجهاز في تحقيقاته مثل التعذيب الوحشي للمشتبه فيهم، والاعتماد على ما يسمى "القرائن"، ويقصد بالقرائن الاكتفاء بتظافر المؤشرات في إثبات التهم بدل الأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك. وتعتبر مسألة "حجية القرائن" إحدى نقاط الخلاف بين القاعدة في اليمن والمنشقين عنها، إذ يجادل هؤلاء أن القادة الذين تم إعدامهم استند القضاة في إدانتهم إلى قرائن متوهمة. "قرائنكم لا ترتقي إلى مرتبة القرائن المتوهمة.. قرائنكم لا تدخل في دائرة القرائن الظنية فضلا عن القطعية، ولمعرفتنا بخبايا المحاكمات والقرائن المزعومة ندرك لماذا يصر القوم على عدم النزول للمحكمة الشرعية المستقلة" يقول المنشقون في بيان لهم.

لم تمنع حملة التطهير الواسعة التي شنتها اللجنة الأمنية وأسفرت عن إعدام العشرات من "الجواسيس" المفترضين من تواصل عمليات الاستهداف المباشر لقادة كبار في التنظيم، حيث قتل قائد التنظيم السابق قاسم الريمي في 29 يناير 2020. وبعد حوالي عامين، كانت الضربة الأكبر باستهداف صالح عبولان المعروف بأبي عمير الحضرمي المسؤول العسكري للتنظيم وأحد القادة التاريخيين للقاعدة. الملفت أنه لم يكن للرجل أي نشاط علني من قبل، ولم يظهر في الإعلام، وظل يعمل في صمت وخفاء إلى أن تم اغتياله في غارة جوية بواسطة طائرة من دون طيار. وفي 22 مايو 2022، أي بعد 20 عاما على اغتيال أبي علي الحارثي، المسؤول عن استهداف المدمرة الأميركية يو إس إس كول، أعلن الجهاز الأمني لتنظيم القاعدة في اليمن في إصدار مرئي عن اعتقال وإعدام الرجل الذي ساعد المخابرات الدولية في تحديد مكانه، في إشارة من الجهاز إلى أن حملته لا يؤطرها أفق زمني محدد، وستستمر رغم اعتراض المنشقين واحتجاجهم. وتوحي إعادة بث مقاطع إعدام الجواسيس المفترضين في الإصدار المذكور إشارة إلى أن حملات التطهير قد حصلت على الضوء الأخضر من زعيم القاعدة أيمن الظواهري، وإذا كانت مذكرة المنشقين قد وصلت إليه فيبدو أن موقفه من الخلاف لم يكن لصالحهم.

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"
اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"

ثلاث سنوات من حكم طالبان لأفغانستان كانت كفيلة بـ"جر البلاد لعزلة دولية، وتعميق الأزمات الداخلية، وتغذية التطرف وقمع الحريات، وفرض تفسيرات دينية متشددة موجهة ضد النساء بشكل كبير"، حسبما يجمع مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

والأربعاء، بدأت سلطات طالبان إحياء الذكرى الثالثة لعودتها إلى السلطة في قاعدة باغرام الجوية الأميركية السابقة، حيث قال رئيس الوزراء، حسن أخوند، في كلمة ألقاها رئيس مكتبه إن على البلاد "الإبقاء على حكم الشريعة الإسلامية".

دولة طالبان "الثانية"

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

وفي عام 1996 وصلت طالبان إلى الحكم في أفغانستان للمرة الأولى، وامتدت فترة حكمها إلى عام 2001.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن طالبان منذ استيلائها على الحكم للمرة الثانية في أفغانستان وهي تمارس "التضييق على هامش الحريات، فضلا عن موقفها المتشدد من المرأة الذي لم يتغير".

وطالبان حركة "متشددة" على مستوى الأفكار والممارسات، ولم تغير مواقفها تجاه الحريات العامة والمرأة، ولذلك منعت النساء من العمل والدراسة حتى على مستوى الطالبات "صغار السن"، وتطمس صورة السيدات في الإعلانات واللوحات الإرشادية على الطرقات، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويؤكد أن طالبان "تدعم الحركات الأكثر تطرفا، وتحتضن تنظيمات على غرار تنظيم القاعدة العابر للقارات والحدود"، وبالتالي فالحركة "المتشددة" لم تغير مواقفها على الإطلاق.

ما علاقة "الشريعة الإسلامية"؟

يعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"، بما في ذلك عقوبات الإعدام والعقوبات الجسدية، وفقا لمراقبين.

وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت عودتها إلى السلطة، عززت طالبان قبضتها على البلاد، وضاعفت الإجراءات الهادفة إلى القضاء على "حرية النساء".

وأغلقت طالبان أمام النساء أبواب الثانويات ثم الجامعات، وكذلك المنتزهات وصالات الرياضة والحمامات، في سياسة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "فصل عنصري بين الجنسين".

وفي الفترة الفاصلة بين حكمي طالبان، كانت "الفتيات مخولات ارتياد المدارس وتسنى للنساء إيجاد فرص عمل في كل القطاعات".

وفي الوقت الحالي فإن أفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي "تحظر على الفتيات إكمال الدراسة بعد التعليم الابتدائي".

وتفرض طالبان قوانين تستند إلى "تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية".

لكن المدير السابق لإدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، عبد العزيز النجار، ينفي ارتباط الإجراءات التي تتخذها طالبان والقوانين التي تفرضها الحركة بـ"الشريعة الإسلامية".

والجماعات والحركات المتطرفة والمتشددة على غرار "داعش والقاعدة وطالبان"، تستند إلى فتاوى "قديمة كانت تناسب عصرا معينا ولا تنطبق على عصرنا هذا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن "الفتاوى اجتهاد بشري تتغير بتغير الزمان والمكان، وليست شريعة إسلامية، ولا يوجد في الدين ما يمنع عمل وتعليم النساء".

وبالتالي "لا يجوز تعميم الفتاوى" التي تمثل فهم العلماء للدين في عصر معين واعتبار أنها "شريعة" يجب أن يطبقها الجميع، حسبما يؤكد النجار.

ويشدد على أن الدين الإسلامي "لا يمنع المرأة من الحياة، ولا يحرم ولا يجرم تعليم النساء أو عملهن"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "وجوب تعليم" المرأة في الإسلام، من أجل نهضة المجتمع، وحرمانها من ذلك هو "تعطيل لمسيرة بناء الأمم".

وعمل المرأة من عدمه يرتبط برغبتها فقط "لأن الإسلام لا يمنع النساء عن العمل"، وفق مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية السابق.

ويؤكد النجار "أن من يمنع تعليم وعمل المرأة، يسيء للدين وينفر الناس منه، ويخالف وصية النبي محمد، عندما قال: (استوصوا بالنساء خيرا)".

ماذا جنت أفغانستان؟

بعد ثلاث سنوات على عودة طالبان إلى الحكم، تعاني أفغانستان "ركودا اقتصاديا كاملا"، فيما يغرق سكانها في الفقر وسط أزمة إنسانية متفاقمة، بدون أمل في تحسن الأوضاع في المستقبل المنظور، وفق خبراء.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني انكماشا حادا بنسبة 26 في المئة في 2021 و2022 بحسب البنك الدولي الذي حذر بأن "النمو سيكون بمستوى الصفر للسنوات الثلاث المقبلة وستتراجع العائدات للفرد تحت الضغط الديموغرافي".

ومع عدم اعتراف أي دولة بحكومة طالبان، توقفت المساعدات الإنمائية، وانهارت المساعدات الإنسانية بحيث بات ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم 45 مليون نسمة يعيشون على الخبز والشاي، في ظل انتشار البطالة.

وحذّر بيان مشترك صادر عن منظمات دولية غير حكومية، من تزايد النقص في المساعدات، مع وجود 23.7 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية.

ويرى أديب أن "أفغانستان لم ينالها سوى وضع اقتصادي صعب ومتدهور، وعزلة دولية، وأزمات حقيقية تمس المواطن الأفغاني من رجال أو نساء أو حتى بعض الأقليات الدينية والعرقية".

والجميع "يعاني معاناة حقيقية من وجود حركة طالبان التي تدعي أنها تحكم بالشريعة الإسلامية لكن هذا الادعاء غير صحيح، فالحركة لا تحكم بالإسلام لكن بما يؤمنون به من تصور ديني"، وفق الباحث بشؤون الجماعات المتطرفة.

وتملك أفغانستان ثروات معدنية وإمكانات زراعية هائلة، لكنها تعاني هجرة الأدمغة وضعف بالبنى التحتية وانقطاع الخبرات الأجنبية ومصادر التمويل.