التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.
التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.

أعلن الرئيس الأميركي جو بادين مقتل أيمن الظواهري (71 عامًا) زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي عقب استهدافه بشكلٍ مباشر داخل مخبئه في أفغانستان.

قضت تلك العملية على واحدٍ من أخطر الإرهابيين الذين شكّلوا تهديدًا كبيرًا للأمن القومي الأميركي، وللعالم، خلال السنوات الفائتة.

وستفرض العملية بالتأكيد تحديات كبيرة على تنظيم القاعدة -الذي يُعاني من أزماتٍ عِدة بالأساس- في كيفية امتصاص صدمة رحيل قائده، وهي الخطوة التي ستُلحق أضرارًا لا شك في بنية التنظيم وعقيدته القتالية.

تأتي أهمية هذه العملية بعد مرور عامٍ تقريبًا على انسحاب أميركا من أفغانستان، الدولة التي لطالما احتضنت تنظيم القاعدة، والتي تعيش حاليًا اضطرابات كبرى عقب استعادة حركة طالبان سيطرتها على البلاد، رغم ذلك فإن واشنطن أعلنت مرارًا أنها لن تسمح لطالبان بتحويل الأراضي الأفغانية إلى قاعدة تأوي الجماعات الإرهابية.

 

تفاصيل العملية

 

لا نعلم الكثير عن تفاصيل العملية النوعية التي استهدفت الظواهري، باستثناء ما صرح به "مسؤول كبير" في الإدارة الأميركية للصحفيين بأنها وقعت في تمام الساعة 9:48 بتوقيت أميركا، بعدما استهدفت طائرة -بدون طيار- الظواهري خلال وجوده في منزلٍ بالعاصمة كابول، ونجحت في اقتناصه بدقة كبيرة ضمنتْ ألا يُصاب أحدٌ من أفراد عائلته الذين كانوا موجودين داخل نفس المنزل.

وبحسب هذه التصريحات، فإن تلك العملية جرى الإعداد لها منذ الأول من يوليو، وفي 25 من ذات الشهر عقد بايدن اجتماعًا مع كبار مستشاريه الأمنيين انتهى بالموافقة على تنفيذ "ضربة خاصة" تضمن قنص الظواهري دون أي خسائر في صفوف المدنيين، وأيضًا قبل تنفيذ العملية جرى التأكد من عدم وجود أي أمريكيين في كابول خوفًا من أن يتعرّضوا لأي أعمالٍ انتقامية.

وفي تصريحات صحفية لميك مولروي، ضابط المخابرات الأميركي المتقاعد، لصحيفة "بوليتيكو"، فإن مثل هذه العمليات تكون "نتيجة لساعاتٍ لا عدد لها من جمع المعلومات الاستخباراتية، وربما تستغرق عدة سنوات متتالية".

أما التعليق الرسمي الوحيد الذي صدر عن أفغانستان بشأن العملية لحد الساعة، فهي إدانة كتبها على "تويتر" ذبيح الله مجاهد المتحدث الرسمي بِاسم حركة طالبان اعتبر فيه العملية مخالفة لـ"المبادئ الدولية".

 

من يكون أيمن الظواهري؟

 

ينحدر أيمن الظواهري من عائلة مصرية ثرية شغل أفرادها العديد من المناصب في الدولة المصرية. والده، ربيع الظواهري، كان أستاذًا لعلم العقاقير في جامعة عين شمس بالقاهرة، وعمه كان خبيرًا في الأمراض التناسلية.

إضافة إلى ذلك، شغل محمد الأحمدي الظواهري عمُّ جده منصب إمام جامع الأزهر، المؤسسة الدينية الأكبر في مصر. أما جده من أمه فهو عبد الرحمن عزّام السكرتير الأول لجامعة الدول العربية.

أما عن أيمن الظواهري، فوُلد في 19 يونيو عام 1951، ودرس في أرقى المدارس المُجاورة لمنزل أسرته الكائن في حي المعادي الذي تعيش فيه صفوة عائلات القاهرة. خلال دراسته صغيرا لم يكن مختلفًا كثيرًا عن أقرانه؛ كان يذهب إلى السينما ويستمع إلى الموسيقى التي سيحرمهما فيما بعد!

نقطة التحوّل البارزة في حياة الظواهري كانت حينما اطّلع على آراء المنظر "الجهادي" سيد قطب وكتاباته بـ"جاهلية المجتمع" (أي بُعده التام عن الإسلام)، قبل أن يعدم عام 1966م بتهمة محاولة تغيير نظام الحُكم. إعجاب الظواهري بسيد قُطب سيستمر معه طيلة حياته، وستشهد كافة كُتبه تقريبًا اقتباسات من كتابات قُطب.

قُبض على الظواهري لأول مرة وهو في الـ15 من عُمره بعدما شكّل خلية صغيرة تابعة لجماعة الإخوان. حينها، كانت الحكومة المصرية –برئاسة جمال عبد الناصر- اتخذت موقفًا صارمًا من الجماعة وقبضت على العديد من قياداتها وتعرضوا لتعذيب بشع في السجون.

وقد أحدث إعدام قُطب انشقاقًا كبيرًا في جماعة الإخوان المسلمين، بعدما انقسمت إلى فريقين: فريق تمسّك بمعارضة الدولة سلميا وعلى رأسهم مرشد الجماعة حسن الهضيبي وخلفه عمر التلمساني، وفريق آخر أيّد استخدام العنف للإطاحة بالحكومة. كان الظواهري ضمن الفريق الأخير.

خلال هذه الفترة، تأثر شباب الإسلاميين بهزيمة مصر أمام إسرائيل سنة 1967 واعتبروا أنها وقعت بسبب علمانية نظام عبد الناصر!

وعقب وصول السادات إلى الحُكم عقد صفقة مع التنظيمات الإسلامية أخرجت الكثير من أعضائها من السجون، ومكنتهم في النهاية من بالسيطرة على جامعات مصر، وهو ما أفسح المجال واسعًا أمام الظواهري وغيره لاجتذاب مجموعات من الطلبة الإسلاميين حوله، وهو النشاط الذي استمرَّ في ممارسته حتى تخرج من كلية الطب في القاهرة عام 1974.

بعد تخرجه، بقي الظواهري في الظِل لسنواتٍ طويلة لا يعرف العالم عنه شيئًا حتى وقعت حادثة اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981.

اتّهمت السُلطات المصرية تنظيمًا إرهابيًا متطرفًا بالوقوف وراء الحادث هو "تنظيم الجهاد الإسلامي"، قبضت على المئات من أعضائه وأخضعتهم لمحاكمات علنية، تشكلت أغلبية هذا التنظيم من مجموعات الطلاب المتطرفين التي تكوّنت في الجامعات المصرية، وكانت منها "مجموعة الظواهري".

خلال محاكمة أفراد التنظيم، استغلَّ الظواهري إجادته للغة الإنجليزية لصبِّ جام غضبه على العالم الذي "صمت"، حسبه، أمام الانتهاكات التي تعرّضوا لها عقب القبض عليهم على خلفية مقتل السادات. زعم الظواهري أنهم تعرضوا لتعذيبٍ بشع داخل السجن، لاحقًا، سيقول بعض رفاقه في التنظيم إن الإساءات التي تعرّض لها في السجن دفعته أكثر نحو التطرف.

هنا، بدأ الاهتمام يتزايد حول ذلك الطبيب المتشدد الذي قضى 3 سنوات في السجن أفرج عنه بعدها. وفور خروجه سافر إلى باكستان حيث ساهم في علاج "المجاهدين الأفغان" الذين خاضوا حربًا شرسة ضد الاحتلال السوفييتي لبلادهم.

خلال مقامه في الخارج، التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.

في مدينة بلا قانون يتدفق عليها السلاح والمقاتلون من كافة أنحاء العالم، جمع الرجلان معًا جهودهما  لقتال الاحتلال السوفييتي. وفي ظِل ندرة الرعاية الطبية الفعلية في تلك الأصقاع المتفككة اعتمد بن لادن على الظواهري كطبيبٍ شخصي.

عقب انسحاب السوفييت من أفغانستان، تفرّق الرجلان لوقتٍ وجيز: عاد بن لادن إلى السعودية، فيما جاب الظواهري العديد من بلدان العالم -روسيا، سويسرا، البوسنة- بحثًا عن ملاذٍ آمن. فشل الظواهري في هذه المهمة فاستضافه بن لادن في مقره الجديد في السودان، حيث واصل الظواهري قيادته لتنظيم الجهاد الإسلامي، وخطط لاغتيال رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي ثم الرئيس المصري حسني مبارك. لكن عقب فشل العملية، وزيادة الضغوط على السودان، قرر البلد التخلّص من بن لادن والظواهري معا.

لم تكن العودة لمصر خيارًا متاحًا أمام الظواهري بعدما حكم عليه القضاء العسكري بالإعدام على خلفية قضية "العائدون من ألبانيا". فسافر الرجلان معا إلى أفغانستان وحظيا برعاية حكومة طالبان، وشرعا هناك في تأسيس معسكرات تدريب وتوفير مساعدات مالية للمقاتلين. وفي عام 1998، ظهر إلى النور أول "مشروع مشترك" بين الرجلين وهو توقيعهما على فتوى بإعلان الجهاد ضد أميركا.

في ذات العام، اندمجت جماعة الجهاد الإسلامي داخل تنظيم القاعدة، وهو الاتفاق الذي أصبح بموجبه الظواهري نائبًا لبن لادن. وقد أضفت هذه الخطوة على تنظيم القاعدة المزيد من الخطورة، نتيجة المهارات التنظيمية التي تمتّع بها الظواهري، والتي مكّنت التنظيم من تشكيل خلايا من الإرهابيين في شتّى بلدان العالم. وكان الظواهري، وليس أسامة بن لادن، من وضع للقاعدة استراتيجيتها الخططية. فحين التقيا، لم يكن بن لادن يملك أكثر من أمواله و"شعاراته الإسلامية"، أما الظواهري فكان حسًّا تنظيميًا قويا من خبراته السابقة، فأحدث "ثورة في نفس بن لادن وفي تنظيم القاعدة" على حد وصف منتصر الزيات محامي الظواهري في مصر.

وبحسب كتاب منتصر الزيات "الظواهري كما عرفته"، فإن الظواهري حوّل بن لادن من مجرد داعية سلفي يقوم بأعمال خيرية إلى "مقاتل جهادي" تشبّع بالعديد من أحكام التكفير، للحكومات العربية، ووجوب قتال أميركا، وهي العقيدة التي ظلَّ عليها حتى قتل في مارس 2011.

وبالمثل، تغيّرت عقيدة الظواهري القتالية بعدما أصبح لا يعتبر "العدو القريب" (الحكومات العربية) هدفه الوحيد، وإنما بدأ يعتبر ما تسميه الجماعات الإرهابية "العدو البعيد" (الولايات المتحدة) الهدف الرئيسي.

شهد عام تعيين الظواهري نائبًا لزعيم القاعدة تصاعد الهجمات الإرهابية بحقِّ أهدافٍ أميركية، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998 ما أدّى لمقتل 200 فرد وإصابة 5 آلاف آخرين. ثم الهجوم الانتحاري على المدمرة الأميركية "كول" قُرب اليمن في أكتوبر 2000 م ما أسفر عن مقتل 17 بحارًا أميركيًّا وإصابة 39 آخرين.

وفي 2001 خطّط الظواهري لهجمات 11 سبتمبر التي أدت إلى مقتل 3 آلاف أميركي تقريبًا.

ومنذ ذلك الحين، أصبح بمثابة المتحدث الرسمي لتنظيم القاعدة، بعدما أصدر عشرات الخطابات النارية. لقاء كل هذا اعتبرته الولايات المتحدة هدفًا أساسيًا وعرضت مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يُدلي بأي معلومات تؤدي إلى القبض عليه.

 

القاعدة تحت قيادة الظواهري

 

عقب 6 أسابيع من مقتل بن لادن أعلن تنظيم القاعدة تنصيب الظواهري أميرًا، ليتصدّر قائمة أكثر الإرهابيين المطلوبين أمنيًا في العالم.

كان التحدّي الأبرز أمام "الزعيم الجديد" هو ضعف قدراته الخطابية وعدم امتلاكه أي كاريزما تؤهله لإلهام "الجهاديين" حول العالم، لذا شكّك الكثيرون في قُدرته على إحكام السيطرة على التنظيم.

عانَى الظواهري أيضًا من تقدّمه في السن واضطراره إلى الاختباء المستمر في مواقع جبلية بين أفغانستان وباكستان، وكذلك، ظهر جيل جديد من التنظيمات تنظر إليه وإلى تنظيمه كشيء عفا عليه الزمن. في 2016، أعلنت جبهة النصر الكفَّ عن تبعيتها للقاعدة وتحويل اسمها إلى هيئة تحرير الشام، وكان ظهور تنظيم داعش أيضا عاملاً آخر حاسمًا في سحب البساط بشكل كبير من تحت قدميه، بعدما حقق التنظيم المتطرف نجاحات سريعة نصّبته زعيما للتنظيمات المتطرفة رغم حداثة وجوده.

يقول المُحلل المتخصص في قضايا التطرف كولين كلارك إن الظواهري استوعب حجم الضغوط الهائلة التي فرضتها الإدارة الأميركية على تنظيم القاعدة لذا اتبع استراتيجية براغماتية، فسار بالقاعدة في نهجٍ حذرٍ خفّف فيه من حدة صداماتها ومعاركها أملاً في النجاة بالتنظيم من مواجهة مباشرة مع الغرب -مثلما حدث مع داعش- أو في حروب استنزاف محلية كما جرى مع طالبان.

الباحث الإسباني، سيرجيو ماغارينو، الذي أعدَّ أطروحات عِدة عن التنظيمات الجهادية والتطرف الديني يقول لـ"ارفع صوتك"، أنه برغم الدور الكبير الذي بذله الظواهري خلال بناء التنظيم حينما كان لا يزال في موقع الرجل الثاني فإنه لم يُحقق ذات النجاح حينما تولّى القيادة.

وبحسب ماغارينو، فإن الظواهري باعتباره المطلوب الأول على قوائم الإرهاب عاش لفترة طويلة مختبئًا، وهو ما أثّر على قيادته للتنظيم بعدما فقد سيطرته على العديد من شبكات القاعدة حول العالم، والتي أصبحت تفضّل العمل دون العودة إلى السُلطة المركزية وإن أبقت نفسها وفية لـ"تبعية رمزية للتنظيم"، وهو ما يُعدُّ علامة كبيرة على فقدان الظواهري سيطرته على أفرع تنظيمه.

ومن ناحيته، قال أحمد سُلطان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية لـ"ارفع صوتك"، إن الظواهري تسلّم القاعدة في 2011 ولها أفرع عاملة في العراق (داعش حاليًا) وفي سوريا (جبهة النصرة حينها وجبة تحرير الشام حاليًا). هذه الأفرع الآن انتهت وكفّت عن التبعية له وانشقت عن التنظيم.

وتابع سُلطان: "حينما تولّى إمارة التنظيم كان يضمُّ نخبة من الأمراء الجهاديين مثل أبو مصعب عبد الودود في بلاد المغرب، وأبو بصير الوحيشي في اليمن وأبو الخير المصري نائبه وغيرهم الكثير، لكنه الآن حينما ترك التنظيم كان كل هؤلاء مقتولين.

ويعتبر سلطان أن الظواهري فشل بشكلٍ تام خلال قيادته للتنظيم. ففي كلمته التي ألقاها خلال تأبين أسامة بن لادن -نُشرت في يوليو 2011- توعد خلالها أميركا بـ"ثلاثاء كريه" في إشارة لاستعداده لتنفيذ عملية ضخمة بالولايات المتحدة شبيهة بما جرى في 11 سبتمبر، ومرّ 11 عامًا على هذه الكلمة لم يتحقق هذا الكلام ولم تنفّذ القاعدة هجومًا كبيرًا أو صغيرًا، ولم يبرّ الظواهري بقسمه حتى قُتل!.

وخلال السنوات الأخيرة، اقتصر دور الظواهري على إبداء نصائح الاتحاد لأتباعه حول العالم، والتنديد بما يجري للمسلمين في مختلف أنحاء العالم، مثل كلمته التي دعا فيها مسلمي الروهينجا إلى حمل السلاح ضد النظام الحاكم في بورما.

وكان آخر ظهور إعلامي له هو ذلك الفيديو الذي أصدره بمناسبة الذكرى الـ11 لوفاة أسامة بن لادن، وعلّق فيه على الغزو الروسي لأوكرانيا واعتبره علامة على "ضعف الولايات المتحدة". لكن الاستخبارات الأميركية سرعان ما أطاحت به بعد أقل من ثلاث أشهر من ظهوره الأخير.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية
علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية

ظهر التصوف في الإسلام منذ فترة مبكرة. عُرف الصوفيون بالهدوء والتقشف والزهد والبُعد إجمالاً عن السياسة. ولكن لم يمنع ذلك من بعض الاستثناءات، عبر المشاركة في حركات "الجهاد" و"مقاومة الاستعمار" في بعض الفترات التاريخية الحرجة.

في العقود الأخيرة، دفعت الأوضاع السياسية في عدد من الدول الإسلامية إلى استدعاء الصوفية إلى ميادين العمل السياسي، بهدف الحد من خطورة التيارات الجهادية الطامحة للوصول إلى الحكم؟

 

 التصوف كـ"سلاح" ضد التطرف

 

على الرغم من تبني الأنظمة العربية التصوف منذ فترات طويلة، إلا أن استدعاء التصوف كسلاح فعال ضد التطرف بدأ في لحظات متباينة من العقود الأخيرة. وذلك بحسب الظروف والسياقات التي مرت بها كل دولة على حدة.

في السبعينات، ومع تصاعد المد السلفي في مصر، لجأت السلطة إلى عدد من شيوخ الأزهر المعروفين بتوجهاتهم الصوفية -ومن أبرزهم محمد متولي الشعراوي- لمحاورة أعضاء التيارات التكفيرية الجهادية، فيما عُرف وقتها باسم المراجعات. في السياق نفسه، تبنت الدولة الخطاب الصوفي التقليدي الذي يدعو إلى التصالح مع الأمر الواقع من جهة، ورفض الثورة والتغيير بالقوة من جهة أخرى.

في الحالة السورية، بدأ التحالف بين التصوف والسلطة في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين. في سنة 1982م تحديداً، وقعت المواجهة المسلحة بين القوات العسكرية التابعة للنظام والكتائب الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين. انتهى هذا الصراع بهزيمة الجبهة الإسلامية على يد قوات النظام. وتم نفي الكثير من شيوخ الصوفية المتحالفين مع الإخوان، ومن أبرزهم الشيخ عبد القادر عيسى، شيخ الشاذلية في حلب، والذي توفي في منفاه في الأردن.

على إثر تلك المعارك الضارية، بدأ النظام البعثي السوري في مصالحة بعض التيارات الصوفية، واتخذ منها سلاحاً موجهاً ضد حركات الإسلام السياسي. وبحسب ما تذكره الباحثة الألمانية أنابيله بوتشر في دراستها "الإسلام الرسمي، الشبكات الإسلامية العابرة للحدود، والسياسات المحلية: سوريا أنموذجاً"، فإن الطريقة الكفتارية للشيخ أحمد كفتارو، والطريقة الخزنوية للشيخ محمد الخزنوي كانتا أبرز الطرق التي تحالفت مع النظام البعثي.

تذكر بوتشر أن الطريقتين انتشرتا في مناطق واسعة من سوريا. وفي حين تركّزت شبكة علاقات طريقة الشيخ كفتارو في المناطق الحضرية في دمشق بشكل أساسي، تركزّت شبكة الشيخ الخزنوي في المناطق الريفية للجزيرة السورية.

في العراق، استدعى نظام صدام حسين المكون الصوفي -الرفاعي والنقشبندي والقادري- من بوابة بعض رجال السلطة المتأثرين بالطابع الصوفي، ومن أبرزهم عزة الدوري، النائب الأسبق لرئيس الجمهورية.

استعان النظام البعثي بتلك الطرق الصوفية في سبيل إضفاء المسحة الدينية على حكمه من جهة، ولتحقيق التوازن مع القوى الشيعية العراقية من جهة أخرى.

يختلف الوضع في الحالة المغربية. بدأ التحالف المُعلن الأكبر بين التصوف والسلطة بعد أحداث السادس عشر من مايو 2003.

في ذلك اليوم فجّر 13 شاباً أنفسهم في قلب مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، ما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بما فيهم الانتحاريون الذين اكتشفت السلطات فيما بعد أنهم ينتمون إلى ما بات يسمى في المغرب بـ"السلفية الجهادية".

على إثر تلك الحادثة الدموية سارعت الدولة إلى استدعاء المكون الصوفي بهدف التصدي للأفكار السلفية الجهادية.

 

دعم الأنظمة للتصوف

 

ظهرت دلائل الدعم المتبادل بين الأنظمة السياسية العربية والتيارات الصوفية في الكثير من الشواهد. والتي تنوعت بين الدعم المالي في بعض الأحيان، والدعم المعنوي في أحيان أخرى.

في مصر، عُينت القيادات الدينية في المؤسسات الرسمية -الأزهر، والإفتاء، ووزارة الأوقاف- من بين الشيوخ المعروفين بتوجهاتهم الصوفية. في السياق نفسه، اهتمت الدولة بمظاهر التدين الصوفي التقليدي، من خلال الحرص على إقامة الموالد، والاحتفال الرسمي بالمواسم، وهو الاسم الذي يُطلق على المناسبات الدينية الأهم على مدار العام، فضلاً عن تقديم الدعم المادي للمؤسسات الصوفية وعلى رأسها نقابة الأشراف، والمجلس الأعلى للطرق الصوفية.

من جهتهم، قدم الصوفيون دعمهم الكامل للأنظمة السياسية التي حكمت مصر على مر السنوات السابقة. على سبيل المثال في 2009م، أعلن مشايخ الطرق الصوفية مبايعتهم للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك ولأبنائه من بعده.

تكرر المشهد في 2014م، عندما حظي ترشيح الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم مطلق من قِبل قيادات الطرق الصوفية.  صارت قوة التحالف بين التيارات الصوفية والدولة أوضح في 2018م، عندما فاز رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر عبد الهادي القصبي برئاسة ائتلاف "دعم مصر" داخل مجلس النواب وهو ائتلاف الأغلبية المقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في سوريا، تمتع مشايخ الصوفية بمكانة عالية من قِبل السلطة الحاكمة، خصوصاً بعدما اختارتهم الدولة لتمثيل "الإسلام السني الوسطي"، وقلدت قياداتهم العديد من المناصب الدينية الرفيعة مثل منصب المفتي العام لسوريا. وهو منصب تعاقب عليه كل من أحمد كفتارو، وأحمد بدر الدين حسون.

بحسب ما تذكره بوتشر في دراستها، فإن الدولة السورية لم تكتف بتقليد مشايخ الصوفية أهم المراكز الدينية في الدولة، بل منحتهم كذلك دعماً مالياً كبيراً.

على سبيل المثال أشرفت الدولة على تطوير "مجْمع أبو النور الإسلامي" التابع للتيار الصوفي، فتحول من مكان صغير إلى مؤسسة كبيرة تضم العديد من المدارس الإسلامية، وأربع جامعات، ومسجداً كبيراً ومكاتب، ومكتبة وشققاً وغرف اجتماعات، فضلاً عن بعض الجمعيات الخيرية.

من جهة أخرى، عُين مشايخ الصوفية في إدارة "معاهد القرآن" التي تضطلع بمهمة تحفيظ وتفسير القرآن للأطفال في العديد من المدن السورية، كما شغل الصوفيون المناصب الأساسية المعنية بتدريس الإسلام في كل من وزارة الأوقاف والتلفزيون السوري.

اختلف الوضع بشكل كبير في العراق بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في 2003. حافظ الصوفيون لفترة على ولائهم للسلطة البعثية، وتم الإعلان وقتها عما عُرف بـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" والذي شارك في قتال القوات الأميركية.

برزت أهمية هذا التنظيم بعد إعدام صدام حسين في ديسمبر سنة 2006م. نشط التنظيم في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق ولا سيما في كل من محافظة ديالى ومناطق جنوب غرب كركوك ومحافظتي نينوى وصلاح الدين، شمال غرب العراق.

امتلك النقشبنديون الكثير من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصل عليها التنظيم من الجيش العراقي. وروجوا لأنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الهوية العربية الإسلامية السنية في العراق.

مع تغير الأحداث التي شهدها العراق في السنين الأخيرة، ظهرت بعض التنظيمات الصوفية التي تقاربت إلى حد بعيد مع مراكز القوى الجديدة المُمثلة في القوى الشيعية وإيران. يُعدّ "مجلس علماء الرباط المحمدي" أحد أهم تلك التنظيمات. أعلن المجلس عن علاقاته الوطيدة بالسلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال، أشاد رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي عبد القادر الآلوسي في وقت سابق بالحشد الشعبي وقال: "الحشد الشعبي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الوطن ولولا تضحياته لما تحررت المدن من داعش". من خلال تلك العلاقة، تمكن المجلس من ممارسة أنشطته في عموم المدن العراقية، الأمر الذي يثبت العلاقة الثنائية الوطيدة المنعقدة بين الصوفية والسلطة في بلاد الرافدين.

لا تختلف المعادلة كثيراً في المغرب، عملت السلطة على استقطاب الصوفية من خلال تعيينهم في العديد من المناصب السامية.

في هذا السياق، تم تعيين أحمد التوفيق -الذي ينتمي إلى الطريقة الصوفية البوتشيشية- على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2002م إلى اليوم، بما يجعله أقدم وزير في تاريخ الحكومة المغربية.

من جهة أخرى، تمت إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المغربية استناداً إلى المرجعية الصوفية. وحافظت السلطة على دعمها المادي للتصوف من خلال تسليم الهبات الملكية للزوايا المنتشرة في أنحاء البلاد.

في السياق نفسه، نُظمت العديد من الندوات والمهرجانات الفنية ذات الاتجاه الصوفي. كما أُنتجت البرامج الإعلامية التي تبث الشعائر الصوفية على القنوات الرسمية للدولة.

من جهتها، دأبت الطرق الصوفية المغربية على تأييد السلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال أعلن الصوفيون في 2011م عن تأييدهم المطلق للدستور الجديد رغم الاعتراض عليه من جانب الكثير من التيارات الأخرى.

 

الصراع بين التصوف والإسلام السياسي

 

تمكّن التحالف المُنعقد بين السلطة والتصوف من فرض وجوده في بعض الحالات أمام التيارات السلفية الجهادية. ويعدّ المغرب الحالة الأكثر بروزاً في هذا السياق بسبب قوة المكون الصوفي من جهة، وتراجع التيارات السلفية في المغرب من جهة أخرى.

في المقابل، يختلف الوضع في دول عربية أخرى، حيث خاض الطرفان -التصوف والإسلام السياسي- حرباً ضارية في السنوات السابقة. تعددت مظاهر تلك الحرب بين الفتاوى المتبادلة، والاقتتال المسلح، فضلاً عن عمليات الاغتيال.

كانت فتوى مفتي مصر الأسبق علي جمعة من أشهر الفتاوى التي وجهها التيار الصوفي ضد الإسلام السياسي. في 2013م، أفتى جمعة -الذي يُعدّ واحداً من كبار مشايخ الصوفية المصريين- في أحد المؤتمرات التي حضرها العشرات من القيادات العسكرية بجواز قتل عناصر جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين.

وشبّه جمعة الإخوان وحلفاءهم بالخوارج ووصفهم بـ"كلاب أهل النار". وتابع قائلاً: "اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء... طوبى لمن قتلهم، وقتلوه... كان يجب أن نطهر مدينتنا من هؤلاء الأوباش... يجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب". تعرضت هذه التصريحات لانتقادات كثيرة.

تشابه موقف جمعة مع موقف رجل الدين السوري الصوفي محمد سعيد رمضان البوطي -المقرب من النظام- عندما انتقد خروج المظاهرات المعارضة للنظام من المساجد ودعا السوريين إلى عدم "الانقياد وراء دعوات خارجية".

ووصف الثوار الذين حملوا السلاح في مواجهة الدولة بأنهم "عصابات إرهابية مسلحة". رد الجهاديون على تلك الفتاوى وقتها بشكل عنيف. وفي مارس 2013م، قُتل الشيخ البوطي أثناء إعطائه درساً دينياً في مسجد الإيمان بحي المزرعة في دمشق.

تصاعدُ العنف بين الصوفيين والتيارات الجهادية أخذ أشكالاً أكثر عنفاً في بعض الحالات. على سبيل المثال في 2014م، سقط الكثير من الضحايا في الاشتباكات التي وقعت بين جيش النقشبندية وتنظيم داعش.

وفي نوفمبر 2017م، وصل العداء الصوفي- الجهادي إلى دموية غير مسبوقة عندما هاجم إرهابيون مسجد الروضة الصوفي في سيناء المصرية، ما أسفر عن مقتل قرابة 300 شخص وإصابة العشرات بينهم أطفال.