أعلن الرئيس الأميركي جو بادين مقتل أيمن الظواهري (71 عامًا) زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي عقب استهدافه بشكلٍ مباشر داخل مخبئه في أفغانستان.
قضت تلك العملية على واحدٍ من أخطر الإرهابيين الذين شكّلوا تهديدًا كبيرًا للأمن القومي الأميركي، وللعالم، خلال السنوات الفائتة.
وستفرض العملية بالتأكيد تحديات كبيرة على تنظيم القاعدة -الذي يُعاني من أزماتٍ عِدة بالأساس- في كيفية امتصاص صدمة رحيل قائده، وهي الخطوة التي ستُلحق أضرارًا لا شك في بنية التنظيم وعقيدته القتالية.
تأتي أهمية هذه العملية بعد مرور عامٍ تقريبًا على انسحاب أميركا من أفغانستان، الدولة التي لطالما احتضنت تنظيم القاعدة، والتي تعيش حاليًا اضطرابات كبرى عقب استعادة حركة طالبان سيطرتها على البلاد، رغم ذلك فإن واشنطن أعلنت مرارًا أنها لن تسمح لطالبان بتحويل الأراضي الأفغانية إلى قاعدة تأوي الجماعات الإرهابية.
تفاصيل العملية
لا نعلم الكثير عن تفاصيل العملية النوعية التي استهدفت الظواهري، باستثناء ما صرح به "مسؤول كبير" في الإدارة الأميركية للصحفيين بأنها وقعت في تمام الساعة 9:48 بتوقيت أميركا، بعدما استهدفت طائرة -بدون طيار- الظواهري خلال وجوده في منزلٍ بالعاصمة كابول، ونجحت في اقتناصه بدقة كبيرة ضمنتْ ألا يُصاب أحدٌ من أفراد عائلته الذين كانوا موجودين داخل نفس المنزل.
وبحسب هذه التصريحات، فإن تلك العملية جرى الإعداد لها منذ الأول من يوليو، وفي 25 من ذات الشهر عقد بايدن اجتماعًا مع كبار مستشاريه الأمنيين انتهى بالموافقة على تنفيذ "ضربة خاصة" تضمن قنص الظواهري دون أي خسائر في صفوف المدنيين، وأيضًا قبل تنفيذ العملية جرى التأكد من عدم وجود أي أمريكيين في كابول خوفًا من أن يتعرّضوا لأي أعمالٍ انتقامية.
On Saturday, at my direction, the United States successfully conducted an airstrike in Kabul, Afghanistan that killed the emir of al-Qa’ida: Ayman al-Zawahiri.
— President Biden Archived (@POTUS46Archive) August 1, 2022
Justice has been delivered.
وفي تصريحات صحفية لميك مولروي، ضابط المخابرات الأميركي المتقاعد، لصحيفة "بوليتيكو"، فإن مثل هذه العمليات تكون "نتيجة لساعاتٍ لا عدد لها من جمع المعلومات الاستخباراتية، وربما تستغرق عدة سنوات متتالية".
أما التعليق الرسمي الوحيد الذي صدر عن أفغانستان بشأن العملية لحد الساعة، فهي إدانة كتبها على "تويتر" ذبيح الله مجاهد المتحدث الرسمي بِاسم حركة طالبان اعتبر فيه العملية مخالفة لـ"المبادئ الدولية".
من يكون أيمن الظواهري؟
ينحدر أيمن الظواهري من عائلة مصرية ثرية شغل أفرادها العديد من المناصب في الدولة المصرية. والده، ربيع الظواهري، كان أستاذًا لعلم العقاقير في جامعة عين شمس بالقاهرة، وعمه كان خبيرًا في الأمراض التناسلية.
إضافة إلى ذلك، شغل محمد الأحمدي الظواهري عمُّ جده منصب إمام جامع الأزهر، المؤسسة الدينية الأكبر في مصر. أما جده من أمه فهو عبد الرحمن عزّام السكرتير الأول لجامعة الدول العربية.
أما عن أيمن الظواهري، فوُلد في 19 يونيو عام 1951، ودرس في أرقى المدارس المُجاورة لمنزل أسرته الكائن في حي المعادي الذي تعيش فيه صفوة عائلات القاهرة. خلال دراسته صغيرا لم يكن مختلفًا كثيرًا عن أقرانه؛ كان يذهب إلى السينما ويستمع إلى الموسيقى التي سيحرمهما فيما بعد!
نقطة التحوّل البارزة في حياة الظواهري كانت حينما اطّلع على آراء المنظر "الجهادي" سيد قطب وكتاباته بـ"جاهلية المجتمع" (أي بُعده التام عن الإسلام)، قبل أن يعدم عام 1966م بتهمة محاولة تغيير نظام الحُكم. إعجاب الظواهري بسيد قُطب سيستمر معه طيلة حياته، وستشهد كافة كُتبه تقريبًا اقتباسات من كتابات قُطب.
قُبض على الظواهري لأول مرة وهو في الـ15 من عُمره بعدما شكّل خلية صغيرة تابعة لجماعة الإخوان. حينها، كانت الحكومة المصرية –برئاسة جمال عبد الناصر- اتخذت موقفًا صارمًا من الجماعة وقبضت على العديد من قياداتها وتعرضوا لتعذيب بشع في السجون.
وقد أحدث إعدام قُطب انشقاقًا كبيرًا في جماعة الإخوان المسلمين، بعدما انقسمت إلى فريقين: فريق تمسّك بمعارضة الدولة سلميا وعلى رأسهم مرشد الجماعة حسن الهضيبي وخلفه عمر التلمساني، وفريق آخر أيّد استخدام العنف للإطاحة بالحكومة. كان الظواهري ضمن الفريق الأخير.
خلال هذه الفترة، تأثر شباب الإسلاميين بهزيمة مصر أمام إسرائيل سنة 1967 واعتبروا أنها وقعت بسبب علمانية نظام عبد الناصر!
وعقب وصول السادات إلى الحُكم عقد صفقة مع التنظيمات الإسلامية أخرجت الكثير من أعضائها من السجون، ومكنتهم في النهاية من بالسيطرة على جامعات مصر، وهو ما أفسح المجال واسعًا أمام الظواهري وغيره لاجتذاب مجموعات من الطلبة الإسلاميين حوله، وهو النشاط الذي استمرَّ في ممارسته حتى تخرج من كلية الطب في القاهرة عام 1974.
بعد تخرجه، بقي الظواهري في الظِل لسنواتٍ طويلة لا يعرف العالم عنه شيئًا حتى وقعت حادثة اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981.
اتّهمت السُلطات المصرية تنظيمًا إرهابيًا متطرفًا بالوقوف وراء الحادث هو "تنظيم الجهاد الإسلامي"، قبضت على المئات من أعضائه وأخضعتهم لمحاكمات علنية، تشكلت أغلبية هذا التنظيم من مجموعات الطلاب المتطرفين التي تكوّنت في الجامعات المصرية، وكانت منها "مجموعة الظواهري".
خلال محاكمة أفراد التنظيم، استغلَّ الظواهري إجادته للغة الإنجليزية لصبِّ جام غضبه على العالم الذي "صمت"، حسبه، أمام الانتهاكات التي تعرّضوا لها عقب القبض عليهم على خلفية مقتل السادات. زعم الظواهري أنهم تعرضوا لتعذيبٍ بشع داخل السجن، لاحقًا، سيقول بعض رفاقه في التنظيم إن الإساءات التي تعرّض لها في السجن دفعته أكثر نحو التطرف.
هنا، بدأ الاهتمام يتزايد حول ذلك الطبيب المتشدد الذي قضى 3 سنوات في السجن أفرج عنه بعدها. وفور خروجه سافر إلى باكستان حيث ساهم في علاج "المجاهدين الأفغان" الذين خاضوا حربًا شرسة ضد الاحتلال السوفييتي لبلادهم.
خلال مقامه في الخارج، التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.
في مدينة بلا قانون يتدفق عليها السلاح والمقاتلون من كافة أنحاء العالم، جمع الرجلان معًا جهودهما لقتال الاحتلال السوفييتي. وفي ظِل ندرة الرعاية الطبية الفعلية في تلك الأصقاع المتفككة اعتمد بن لادن على الظواهري كطبيبٍ شخصي.
عقب انسحاب السوفييت من أفغانستان، تفرّق الرجلان لوقتٍ وجيز: عاد بن لادن إلى السعودية، فيما جاب الظواهري العديد من بلدان العالم -روسيا، سويسرا، البوسنة- بحثًا عن ملاذٍ آمن. فشل الظواهري في هذه المهمة فاستضافه بن لادن في مقره الجديد في السودان، حيث واصل الظواهري قيادته لتنظيم الجهاد الإسلامي، وخطط لاغتيال رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي ثم الرئيس المصري حسني مبارك. لكن عقب فشل العملية، وزيادة الضغوط على السودان، قرر البلد التخلّص من بن لادن والظواهري معا.
لم تكن العودة لمصر خيارًا متاحًا أمام الظواهري بعدما حكم عليه القضاء العسكري بالإعدام على خلفية قضية "العائدون من ألبانيا". فسافر الرجلان معا إلى أفغانستان وحظيا برعاية حكومة طالبان، وشرعا هناك في تأسيس معسكرات تدريب وتوفير مساعدات مالية للمقاتلين. وفي عام 1998، ظهر إلى النور أول "مشروع مشترك" بين الرجلين وهو توقيعهما على فتوى بإعلان الجهاد ضد أميركا.
في ذات العام، اندمجت جماعة الجهاد الإسلامي داخل تنظيم القاعدة، وهو الاتفاق الذي أصبح بموجبه الظواهري نائبًا لبن لادن. وقد أضفت هذه الخطوة على تنظيم القاعدة المزيد من الخطورة، نتيجة المهارات التنظيمية التي تمتّع بها الظواهري، والتي مكّنت التنظيم من تشكيل خلايا من الإرهابيين في شتّى بلدان العالم. وكان الظواهري، وليس أسامة بن لادن، من وضع للقاعدة استراتيجيتها الخططية. فحين التقيا، لم يكن بن لادن يملك أكثر من أمواله و"شعاراته الإسلامية"، أما الظواهري فكان حسًّا تنظيميًا قويا من خبراته السابقة، فأحدث "ثورة في نفس بن لادن وفي تنظيم القاعدة" على حد وصف منتصر الزيات محامي الظواهري في مصر.
وبحسب كتاب منتصر الزيات "الظواهري كما عرفته"، فإن الظواهري حوّل بن لادن من مجرد داعية سلفي يقوم بأعمال خيرية إلى "مقاتل جهادي" تشبّع بالعديد من أحكام التكفير، للحكومات العربية، ووجوب قتال أميركا، وهي العقيدة التي ظلَّ عليها حتى قتل في مارس 2011.
وبالمثل، تغيّرت عقيدة الظواهري القتالية بعدما أصبح لا يعتبر "العدو القريب" (الحكومات العربية) هدفه الوحيد، وإنما بدأ يعتبر ما تسميه الجماعات الإرهابية "العدو البعيد" (الولايات المتحدة) الهدف الرئيسي.
شهد عام تعيين الظواهري نائبًا لزعيم القاعدة تصاعد الهجمات الإرهابية بحقِّ أهدافٍ أميركية، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998 ما أدّى لمقتل 200 فرد وإصابة 5 آلاف آخرين. ثم الهجوم الانتحاري على المدمرة الأميركية "كول" قُرب اليمن في أكتوبر 2000 م ما أسفر عن مقتل 17 بحارًا أميركيًّا وإصابة 39 آخرين.
وفي 2001 خطّط الظواهري لهجمات 11 سبتمبر التي أدت إلى مقتل 3 آلاف أميركي تقريبًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح بمثابة المتحدث الرسمي لتنظيم القاعدة، بعدما أصدر عشرات الخطابات النارية. لقاء كل هذا اعتبرته الولايات المتحدة هدفًا أساسيًا وعرضت مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يُدلي بأي معلومات تؤدي إلى القبض عليه.
القاعدة تحت قيادة الظواهري
عقب 6 أسابيع من مقتل بن لادن أعلن تنظيم القاعدة تنصيب الظواهري أميرًا، ليتصدّر قائمة أكثر الإرهابيين المطلوبين أمنيًا في العالم.
كان التحدّي الأبرز أمام "الزعيم الجديد" هو ضعف قدراته الخطابية وعدم امتلاكه أي كاريزما تؤهله لإلهام "الجهاديين" حول العالم، لذا شكّك الكثيرون في قُدرته على إحكام السيطرة على التنظيم.
عانَى الظواهري أيضًا من تقدّمه في السن واضطراره إلى الاختباء المستمر في مواقع جبلية بين أفغانستان وباكستان، وكذلك، ظهر جيل جديد من التنظيمات تنظر إليه وإلى تنظيمه كشيء عفا عليه الزمن. في 2016، أعلنت جبهة النصر الكفَّ عن تبعيتها للقاعدة وتحويل اسمها إلى هيئة تحرير الشام، وكان ظهور تنظيم داعش أيضا عاملاً آخر حاسمًا في سحب البساط بشكل كبير من تحت قدميه، بعدما حقق التنظيم المتطرف نجاحات سريعة نصّبته زعيما للتنظيمات المتطرفة رغم حداثة وجوده.
يقول المُحلل المتخصص في قضايا التطرف كولين كلارك إن الظواهري استوعب حجم الضغوط الهائلة التي فرضتها الإدارة الأميركية على تنظيم القاعدة لذا اتبع استراتيجية براغماتية، فسار بالقاعدة في نهجٍ حذرٍ خفّف فيه من حدة صداماتها ومعاركها أملاً في النجاة بالتنظيم من مواجهة مباشرة مع الغرب -مثلما حدث مع داعش- أو في حروب استنزاف محلية كما جرى مع طالبان.
الباحث الإسباني، سيرجيو ماغارينو، الذي أعدَّ أطروحات عِدة عن التنظيمات الجهادية والتطرف الديني يقول لـ"ارفع صوتك"، أنه برغم الدور الكبير الذي بذله الظواهري خلال بناء التنظيم حينما كان لا يزال في موقع الرجل الثاني فإنه لم يُحقق ذات النجاح حينما تولّى القيادة.
وبحسب ماغارينو، فإن الظواهري باعتباره المطلوب الأول على قوائم الإرهاب عاش لفترة طويلة مختبئًا، وهو ما أثّر على قيادته للتنظيم بعدما فقد سيطرته على العديد من شبكات القاعدة حول العالم، والتي أصبحت تفضّل العمل دون العودة إلى السُلطة المركزية وإن أبقت نفسها وفية لـ"تبعية رمزية للتنظيم"، وهو ما يُعدُّ علامة كبيرة على فقدان الظواهري سيطرته على أفرع تنظيمه.
ومن ناحيته، قال أحمد سُلطان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية لـ"ارفع صوتك"، إن الظواهري تسلّم القاعدة في 2011 ولها أفرع عاملة في العراق (داعش حاليًا) وفي سوريا (جبهة النصرة حينها وجبة تحرير الشام حاليًا). هذه الأفرع الآن انتهت وكفّت عن التبعية له وانشقت عن التنظيم.
وتابع سُلطان: "حينما تولّى إمارة التنظيم كان يضمُّ نخبة من الأمراء الجهاديين مثل أبو مصعب عبد الودود في بلاد المغرب، وأبو بصير الوحيشي في اليمن وأبو الخير المصري نائبه وغيرهم الكثير، لكنه الآن حينما ترك التنظيم كان كل هؤلاء مقتولين.
ويعتبر سلطان أن الظواهري فشل بشكلٍ تام خلال قيادته للتنظيم. ففي كلمته التي ألقاها خلال تأبين أسامة بن لادن -نُشرت في يوليو 2011- توعد خلالها أميركا بـ"ثلاثاء كريه" في إشارة لاستعداده لتنفيذ عملية ضخمة بالولايات المتحدة شبيهة بما جرى في 11 سبتمبر، ومرّ 11 عامًا على هذه الكلمة لم يتحقق هذا الكلام ولم تنفّذ القاعدة هجومًا كبيرًا أو صغيرًا، ولم يبرّ الظواهري بقسمه حتى قُتل!.
وخلال السنوات الأخيرة، اقتصر دور الظواهري على إبداء نصائح الاتحاد لأتباعه حول العالم، والتنديد بما يجري للمسلمين في مختلف أنحاء العالم، مثل كلمته التي دعا فيها مسلمي الروهينجا إلى حمل السلاح ضد النظام الحاكم في بورما.
وكان آخر ظهور إعلامي له هو ذلك الفيديو الذي أصدره بمناسبة الذكرى الـ11 لوفاة أسامة بن لادن، وعلّق فيه على الغزو الروسي لأوكرانيا واعتبره علامة على "ضعف الولايات المتحدة". لكن الاستخبارات الأميركية سرعان ما أطاحت به بعد أقل من ثلاث أشهر من ظهوره الأخير.
