التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.
التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.

أعلن الرئيس الأميركي جو بادين مقتل أيمن الظواهري (71 عامًا) زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي عقب استهدافه بشكلٍ مباشر داخل مخبئه في أفغانستان.

قضت تلك العملية على واحدٍ من أخطر الإرهابيين الذين شكّلوا تهديدًا كبيرًا للأمن القومي الأميركي، وللعالم، خلال السنوات الفائتة.

وستفرض العملية بالتأكيد تحديات كبيرة على تنظيم القاعدة -الذي يُعاني من أزماتٍ عِدة بالأساس- في كيفية امتصاص صدمة رحيل قائده، وهي الخطوة التي ستُلحق أضرارًا لا شك في بنية التنظيم وعقيدته القتالية.

تأتي أهمية هذه العملية بعد مرور عامٍ تقريبًا على انسحاب أميركا من أفغانستان، الدولة التي لطالما احتضنت تنظيم القاعدة، والتي تعيش حاليًا اضطرابات كبرى عقب استعادة حركة طالبان سيطرتها على البلاد، رغم ذلك فإن واشنطن أعلنت مرارًا أنها لن تسمح لطالبان بتحويل الأراضي الأفغانية إلى قاعدة تأوي الجماعات الإرهابية.

 

تفاصيل العملية

 

لا نعلم الكثير عن تفاصيل العملية النوعية التي استهدفت الظواهري، باستثناء ما صرح به "مسؤول كبير" في الإدارة الأميركية للصحفيين بأنها وقعت في تمام الساعة 9:48 بتوقيت أميركا، بعدما استهدفت طائرة -بدون طيار- الظواهري خلال وجوده في منزلٍ بالعاصمة كابول، ونجحت في اقتناصه بدقة كبيرة ضمنتْ ألا يُصاب أحدٌ من أفراد عائلته الذين كانوا موجودين داخل نفس المنزل.

وبحسب هذه التصريحات، فإن تلك العملية جرى الإعداد لها منذ الأول من يوليو، وفي 25 من ذات الشهر عقد بايدن اجتماعًا مع كبار مستشاريه الأمنيين انتهى بالموافقة على تنفيذ "ضربة خاصة" تضمن قنص الظواهري دون أي خسائر في صفوف المدنيين، وأيضًا قبل تنفيذ العملية جرى التأكد من عدم وجود أي أمريكيين في كابول خوفًا من أن يتعرّضوا لأي أعمالٍ انتقامية.

وفي تصريحات صحفية لميك مولروي، ضابط المخابرات الأميركي المتقاعد، لصحيفة "بوليتيكو"، فإن مثل هذه العمليات تكون "نتيجة لساعاتٍ لا عدد لها من جمع المعلومات الاستخباراتية، وربما تستغرق عدة سنوات متتالية".

أما التعليق الرسمي الوحيد الذي صدر عن أفغانستان بشأن العملية لحد الساعة، فهي إدانة كتبها على "تويتر" ذبيح الله مجاهد المتحدث الرسمي بِاسم حركة طالبان اعتبر فيه العملية مخالفة لـ"المبادئ الدولية".

 

من يكون أيمن الظواهري؟

 

ينحدر أيمن الظواهري من عائلة مصرية ثرية شغل أفرادها العديد من المناصب في الدولة المصرية. والده، ربيع الظواهري، كان أستاذًا لعلم العقاقير في جامعة عين شمس بالقاهرة، وعمه كان خبيرًا في الأمراض التناسلية.

إضافة إلى ذلك، شغل محمد الأحمدي الظواهري عمُّ جده منصب إمام جامع الأزهر، المؤسسة الدينية الأكبر في مصر. أما جده من أمه فهو عبد الرحمن عزّام السكرتير الأول لجامعة الدول العربية.

أما عن أيمن الظواهري، فوُلد في 19 يونيو عام 1951، ودرس في أرقى المدارس المُجاورة لمنزل أسرته الكائن في حي المعادي الذي تعيش فيه صفوة عائلات القاهرة. خلال دراسته صغيرا لم يكن مختلفًا كثيرًا عن أقرانه؛ كان يذهب إلى السينما ويستمع إلى الموسيقى التي سيحرمهما فيما بعد!

نقطة التحوّل البارزة في حياة الظواهري كانت حينما اطّلع على آراء المنظر "الجهادي" سيد قطب وكتاباته بـ"جاهلية المجتمع" (أي بُعده التام عن الإسلام)، قبل أن يعدم عام 1966م بتهمة محاولة تغيير نظام الحُكم. إعجاب الظواهري بسيد قُطب سيستمر معه طيلة حياته، وستشهد كافة كُتبه تقريبًا اقتباسات من كتابات قُطب.

قُبض على الظواهري لأول مرة وهو في الـ15 من عُمره بعدما شكّل خلية صغيرة تابعة لجماعة الإخوان. حينها، كانت الحكومة المصرية –برئاسة جمال عبد الناصر- اتخذت موقفًا صارمًا من الجماعة وقبضت على العديد من قياداتها وتعرضوا لتعذيب بشع في السجون.

وقد أحدث إعدام قُطب انشقاقًا كبيرًا في جماعة الإخوان المسلمين، بعدما انقسمت إلى فريقين: فريق تمسّك بمعارضة الدولة سلميا وعلى رأسهم مرشد الجماعة حسن الهضيبي وخلفه عمر التلمساني، وفريق آخر أيّد استخدام العنف للإطاحة بالحكومة. كان الظواهري ضمن الفريق الأخير.

خلال هذه الفترة، تأثر شباب الإسلاميين بهزيمة مصر أمام إسرائيل سنة 1967 واعتبروا أنها وقعت بسبب علمانية نظام عبد الناصر!

وعقب وصول السادات إلى الحُكم عقد صفقة مع التنظيمات الإسلامية أخرجت الكثير من أعضائها من السجون، ومكنتهم في النهاية من بالسيطرة على جامعات مصر، وهو ما أفسح المجال واسعًا أمام الظواهري وغيره لاجتذاب مجموعات من الطلبة الإسلاميين حوله، وهو النشاط الذي استمرَّ في ممارسته حتى تخرج من كلية الطب في القاهرة عام 1974.

بعد تخرجه، بقي الظواهري في الظِل لسنواتٍ طويلة لا يعرف العالم عنه شيئًا حتى وقعت حادثة اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1981.

اتّهمت السُلطات المصرية تنظيمًا إرهابيًا متطرفًا بالوقوف وراء الحادث هو "تنظيم الجهاد الإسلامي"، قبضت على المئات من أعضائه وأخضعتهم لمحاكمات علنية، تشكلت أغلبية هذا التنظيم من مجموعات الطلاب المتطرفين التي تكوّنت في الجامعات المصرية، وكانت منها "مجموعة الظواهري".

خلال محاكمة أفراد التنظيم، استغلَّ الظواهري إجادته للغة الإنجليزية لصبِّ جام غضبه على العالم الذي "صمت"، حسبه، أمام الانتهاكات التي تعرّضوا لها عقب القبض عليهم على خلفية مقتل السادات. زعم الظواهري أنهم تعرضوا لتعذيبٍ بشع داخل السجن، لاحقًا، سيقول بعض رفاقه في التنظيم إن الإساءات التي تعرّض لها في السجن دفعته أكثر نحو التطرف.

هنا، بدأ الاهتمام يتزايد حول ذلك الطبيب المتشدد الذي قضى 3 سنوات في السجن أفرج عنه بعدها. وفور خروجه سافر إلى باكستان حيث ساهم في علاج "المجاهدين الأفغان" الذين خاضوا حربًا شرسة ضد الاحتلال السوفييتي لبلادهم.

خلال مقامه في الخارج، التقى الظواهري في السعودية مع بن لادن عام 1986م، وبعدها بعامين ساعده في تأسيس تنظيم القاعدة في مدينة بيشاور الباكستانية.

في مدينة بلا قانون يتدفق عليها السلاح والمقاتلون من كافة أنحاء العالم، جمع الرجلان معًا جهودهما  لقتال الاحتلال السوفييتي. وفي ظِل ندرة الرعاية الطبية الفعلية في تلك الأصقاع المتفككة اعتمد بن لادن على الظواهري كطبيبٍ شخصي.

عقب انسحاب السوفييت من أفغانستان، تفرّق الرجلان لوقتٍ وجيز: عاد بن لادن إلى السعودية، فيما جاب الظواهري العديد من بلدان العالم -روسيا، سويسرا، البوسنة- بحثًا عن ملاذٍ آمن. فشل الظواهري في هذه المهمة فاستضافه بن لادن في مقره الجديد في السودان، حيث واصل الظواهري قيادته لتنظيم الجهاد الإسلامي، وخطط لاغتيال رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي ثم الرئيس المصري حسني مبارك. لكن عقب فشل العملية، وزيادة الضغوط على السودان، قرر البلد التخلّص من بن لادن والظواهري معا.

لم تكن العودة لمصر خيارًا متاحًا أمام الظواهري بعدما حكم عليه القضاء العسكري بالإعدام على خلفية قضية "العائدون من ألبانيا". فسافر الرجلان معا إلى أفغانستان وحظيا برعاية حكومة طالبان، وشرعا هناك في تأسيس معسكرات تدريب وتوفير مساعدات مالية للمقاتلين. وفي عام 1998، ظهر إلى النور أول "مشروع مشترك" بين الرجلين وهو توقيعهما على فتوى بإعلان الجهاد ضد أميركا.

في ذات العام، اندمجت جماعة الجهاد الإسلامي داخل تنظيم القاعدة، وهو الاتفاق الذي أصبح بموجبه الظواهري نائبًا لبن لادن. وقد أضفت هذه الخطوة على تنظيم القاعدة المزيد من الخطورة، نتيجة المهارات التنظيمية التي تمتّع بها الظواهري، والتي مكّنت التنظيم من تشكيل خلايا من الإرهابيين في شتّى بلدان العالم. وكان الظواهري، وليس أسامة بن لادن، من وضع للقاعدة استراتيجيتها الخططية. فحين التقيا، لم يكن بن لادن يملك أكثر من أمواله و"شعاراته الإسلامية"، أما الظواهري فكان حسًّا تنظيميًا قويا من خبراته السابقة، فأحدث "ثورة في نفس بن لادن وفي تنظيم القاعدة" على حد وصف منتصر الزيات محامي الظواهري في مصر.

وبحسب كتاب منتصر الزيات "الظواهري كما عرفته"، فإن الظواهري حوّل بن لادن من مجرد داعية سلفي يقوم بأعمال خيرية إلى "مقاتل جهادي" تشبّع بالعديد من أحكام التكفير، للحكومات العربية، ووجوب قتال أميركا، وهي العقيدة التي ظلَّ عليها حتى قتل في مارس 2011.

وبالمثل، تغيّرت عقيدة الظواهري القتالية بعدما أصبح لا يعتبر "العدو القريب" (الحكومات العربية) هدفه الوحيد، وإنما بدأ يعتبر ما تسميه الجماعات الإرهابية "العدو البعيد" (الولايات المتحدة) الهدف الرئيسي.

شهد عام تعيين الظواهري نائبًا لزعيم القاعدة تصاعد الهجمات الإرهابية بحقِّ أهدافٍ أميركية، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998 ما أدّى لمقتل 200 فرد وإصابة 5 آلاف آخرين. ثم الهجوم الانتحاري على المدمرة الأميركية "كول" قُرب اليمن في أكتوبر 2000 م ما أسفر عن مقتل 17 بحارًا أميركيًّا وإصابة 39 آخرين.

وفي 2001 خطّط الظواهري لهجمات 11 سبتمبر التي أدت إلى مقتل 3 آلاف أميركي تقريبًا.

ومنذ ذلك الحين، أصبح بمثابة المتحدث الرسمي لتنظيم القاعدة، بعدما أصدر عشرات الخطابات النارية. لقاء كل هذا اعتبرته الولايات المتحدة هدفًا أساسيًا وعرضت مكافأة قدرها 25 مليون دولار لمن يُدلي بأي معلومات تؤدي إلى القبض عليه.

 

القاعدة تحت قيادة الظواهري

 

عقب 6 أسابيع من مقتل بن لادن أعلن تنظيم القاعدة تنصيب الظواهري أميرًا، ليتصدّر قائمة أكثر الإرهابيين المطلوبين أمنيًا في العالم.

كان التحدّي الأبرز أمام "الزعيم الجديد" هو ضعف قدراته الخطابية وعدم امتلاكه أي كاريزما تؤهله لإلهام "الجهاديين" حول العالم، لذا شكّك الكثيرون في قُدرته على إحكام السيطرة على التنظيم.

عانَى الظواهري أيضًا من تقدّمه في السن واضطراره إلى الاختباء المستمر في مواقع جبلية بين أفغانستان وباكستان، وكذلك، ظهر جيل جديد من التنظيمات تنظر إليه وإلى تنظيمه كشيء عفا عليه الزمن. في 2016، أعلنت جبهة النصر الكفَّ عن تبعيتها للقاعدة وتحويل اسمها إلى هيئة تحرير الشام، وكان ظهور تنظيم داعش أيضا عاملاً آخر حاسمًا في سحب البساط بشكل كبير من تحت قدميه، بعدما حقق التنظيم المتطرف نجاحات سريعة نصّبته زعيما للتنظيمات المتطرفة رغم حداثة وجوده.

يقول المُحلل المتخصص في قضايا التطرف كولين كلارك إن الظواهري استوعب حجم الضغوط الهائلة التي فرضتها الإدارة الأميركية على تنظيم القاعدة لذا اتبع استراتيجية براغماتية، فسار بالقاعدة في نهجٍ حذرٍ خفّف فيه من حدة صداماتها ومعاركها أملاً في النجاة بالتنظيم من مواجهة مباشرة مع الغرب -مثلما حدث مع داعش- أو في حروب استنزاف محلية كما جرى مع طالبان.

الباحث الإسباني، سيرجيو ماغارينو، الذي أعدَّ أطروحات عِدة عن التنظيمات الجهادية والتطرف الديني يقول لـ"ارفع صوتك"، أنه برغم الدور الكبير الذي بذله الظواهري خلال بناء التنظيم حينما كان لا يزال في موقع الرجل الثاني فإنه لم يُحقق ذات النجاح حينما تولّى القيادة.

وبحسب ماغارينو، فإن الظواهري باعتباره المطلوب الأول على قوائم الإرهاب عاش لفترة طويلة مختبئًا، وهو ما أثّر على قيادته للتنظيم بعدما فقد سيطرته على العديد من شبكات القاعدة حول العالم، والتي أصبحت تفضّل العمل دون العودة إلى السُلطة المركزية وإن أبقت نفسها وفية لـ"تبعية رمزية للتنظيم"، وهو ما يُعدُّ علامة كبيرة على فقدان الظواهري سيطرته على أفرع تنظيمه.

ومن ناحيته، قال أحمد سُلطان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية لـ"ارفع صوتك"، إن الظواهري تسلّم القاعدة في 2011 ولها أفرع عاملة في العراق (داعش حاليًا) وفي سوريا (جبهة النصرة حينها وجبة تحرير الشام حاليًا). هذه الأفرع الآن انتهت وكفّت عن التبعية له وانشقت عن التنظيم.

وتابع سُلطان: "حينما تولّى إمارة التنظيم كان يضمُّ نخبة من الأمراء الجهاديين مثل أبو مصعب عبد الودود في بلاد المغرب، وأبو بصير الوحيشي في اليمن وأبو الخير المصري نائبه وغيرهم الكثير، لكنه الآن حينما ترك التنظيم كان كل هؤلاء مقتولين.

ويعتبر سلطان أن الظواهري فشل بشكلٍ تام خلال قيادته للتنظيم. ففي كلمته التي ألقاها خلال تأبين أسامة بن لادن -نُشرت في يوليو 2011- توعد خلالها أميركا بـ"ثلاثاء كريه" في إشارة لاستعداده لتنفيذ عملية ضخمة بالولايات المتحدة شبيهة بما جرى في 11 سبتمبر، ومرّ 11 عامًا على هذه الكلمة لم يتحقق هذا الكلام ولم تنفّذ القاعدة هجومًا كبيرًا أو صغيرًا، ولم يبرّ الظواهري بقسمه حتى قُتل!.

وخلال السنوات الأخيرة، اقتصر دور الظواهري على إبداء نصائح الاتحاد لأتباعه حول العالم، والتنديد بما يجري للمسلمين في مختلف أنحاء العالم، مثل كلمته التي دعا فيها مسلمي الروهينجا إلى حمل السلاح ضد النظام الحاكم في بورما.

وكان آخر ظهور إعلامي له هو ذلك الفيديو الذي أصدره بمناسبة الذكرى الـ11 لوفاة أسامة بن لادن، وعلّق فيه على الغزو الروسي لأوكرانيا واعتبره علامة على "ضعف الولايات المتحدة". لكن الاستخبارات الأميركية سرعان ما أطاحت به بعد أقل من ثلاث أشهر من ظهوره الأخير.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".