تسببت الخلافات الداخلية في انهيار سريع لتنظيم داعش في اليمن.
تسببت الخلافات الداخلية في انهيار سريع لتنظيم داعش في اليمن.

رأى تنظيم داعش في اليمن بيئة مثالية نادرة لفرض وجود دائم في المنطقة. الانقسام الاجتماعي والطائفي، وانحسار سلطة الدولة، وانتشار الأسلحة بأنواعها، إضافة إلى تضاريس البلد الوعرة، كلها عناصر في صالح تنظيم يريد أن يؤسس شرعيته على أساس طائفي، ويتمدد في الزوايا التي خلف فيها الاحتراب الأهلي فائضا من الفراغ والتوتر والفوضى. ورغم ذلك فقد جرت رياح اليمن بما لا تشتهيه سفن داعش، وخسر قادة التنظيم رهانهم على اليمن، ولم تخلف ولاية اليمن بعد 8 سنوات من تأسيسها سوى سجل حافل بالفضائح وحصيلة ثقيلة من دماء اليمنيين الأبرياء.

مرت أكثر من سنتين دون أن يتبنى التنظيم أي عملية في اليمن باستثناء تفجير انتحاري في محافظة البيضاء في 9 يوليو/تموز 2022 كان مجرد إثبات وجود لا أكثر. وقد اعتاد التنظيم منذ عمليته الأولى استهداف المناطق الضعيفة لحصد أكبر عدد ممكن من الضحايا. بداية العام الجاري نشر منشقون عن التنظيم وثائق سرية على منصات التواصل المشفرة سلطت الضوء على أحداث غريبة ومريعة في الوقت ذاته تورط فيها قياديون كبار في "ولاية اليمن". كشفت الوثائق استفحال التحرش وسط أفراد التنظيم، وتصاعد وثيرة التصفيات الداخلية بين قياداته، واختلاس مبالغ طائلة من ميزانيته، وقيام المسؤولين على جهازه الإعلامي بفبركة الإصدارات المرئية، وتزييف المشاهد المصورة وغيرها من الأحداث والتفاصيل التي اعترف بها "والي" اليمن نفسه في مراسلاته السرية مع أمراء داعش في سوريا.

 

انشقاقات وتصفيات

 

بدايةً عينت قيادة داعش في سوريا المدعو "أبو المعالي" واليا على اليمن، وبدت مهمته سهلة في أول الأمر نتيجة لظروف الحرب وانهيار مؤسسات الدولة، حيث تزامن ظهور داعش مع عملية عاصفة الحزم التي قادتها المملكة العربية السعودية ضد جماعة الحوثي، واستغل التنظيم حالة الاحتقان السياسي والانفلات الأمني من أجل جمع الأسلحة وتوزيع مجموعات مسلحة في مختلف مناطق اليمن وتقسيم البلد إلى "ولايات" كما فعلت داعش في كل المناطق التي سيطرت عليها في العراق وسوريا وغيرهما.

لم تسر أمور اليمن كما أرادت داعش، فتم إعفاء أبو المعالي من منصبه، وتعيين أبو سليمان المهاجر واليا جديدا على اليمن. وبعد فترة طلب هذا الأخير إعفاءه لصعوبة المهمة الموكلة إليه، فعين البغدادي أخيرا أبو أسامة المهاجر وهو حينها شاب في الـ29 من عمره، كان عضوا سابقا في تنظيم القاعدة، وقاتل في سوريا الى جانب داعش، ثم عاد الى اليمن وتولى منصب "الوالي" بتكليف من البغدادي.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

صمم البغدادي على تحويل اليمن إلى بؤرة ملتهبة تدين له بالولاء، وخزان بشري يتسرب فائضه إلى دول الجوار، لذلك أعطى أهمية خاصة لليمن، ورصد لها موارد مالية لم يرصدها لولاية بعيدة أخرى. وقام بإرسال كوادر مدربة من سوريا والعراق إلى اليمن، جعل بعضهم في مجلس الشورى مثل "أبو صالح الجزراوي" و"أبو محمد الجزراوي" و"عبد الواحد العراقي" وغيرهم.

بدأت الانشقاقات في التنظيم عندما قام مقاتلوه بإعدام مجموعة من الجنود اليمنيين، فطالبت عائلاتهم بعدها بعقد "محكمة مستقلة" للنظر في "شرعية" إعدامهم من الناحية الدينية. انقسم التنظيم بين من يرى ضرورة الاستجابة لطلب العائلات، ومن يرى في ذلك رفضا "لحكم الشريعة". تزعم أبو خيبر الصومالي القيادي في التنظيم وصادق الشبواني مسؤول الأمن العام تمردا داخل التنظيم، وطالبا بعقد "محاكمات شرعية" في القضايا الخلافية، ورفضا العمل تحت قيادة الوالي الجديد (أبو أسامة المهاجر)، قبل أنن يرفعا إلى قيادة داعش في سوريا شكوى تتهم الوالي بارتكاب "تجاوزات ومخالفات شرعية" وتوريط المقاتلين في معارك فاشلة. وفي 15 من مارس/ آذار 2016، أعلن العشرات من عناصر التنظيم وقياداته الاعتزال والانشقاق.

بتحريض من أبي محمد الجزراوي، الذي تولى قيادة جهاز الأمن العام، شرع أبو أسامة المهاجر في تنفيذ عمليات اغتيال ضد العناصر المتمردة أو حتى المشكوك في ولائها. ورغم أن القيادة في سوريا حظرت على المهاجر تنفيذ عمليات تصفية أو فصل من التنظيم دون إذن مسبق من البغدادي إلا أن الرجل استمر في حصد رؤوس المتمردين على قراراته ومن لم "يرتح إليهم". وعلل ذلك في رسالة إلى "إدارة الولايات البعيدة"، وهي الجهة المخولة بالتواصل مع ولايات داعش خارج العراق وسوريا، بأن ضغوط العمل وضيق الوقت حتما عليه المضي في اتخاذ القرارات من تلقاء نفسه.

سياسة التصفيات لم يسلم منها أحد يثير الشكوك، حتى النساء؛ فقد اعترف أبو أسامة المهاجر في رسالة إلى قادته بأن التنظيم قام بتصفية زوجة أبو بلال الحربي أكبر مسؤول شرعي في "الولاية" وهي حامل في شهرها الخامس، لأن سلوكها مريب وغير سوي حسب تعبير المهاجر، مع أن عناصر الأمن في التنظيم فحصوا هاتفها ولم يجدوا دليلا على تواصلها مع جهات أخرى. وكل ما في الأمر أن المرأة بعدما قتل زوجها في مداهمة بمدينة المكلا، خاف المهاجر أن تهرب ومعها أسرار التنظيم التي شك أن زوجها قد يطلعها على بعضها، كما يقول المهاجر نفسه في رسائله إلى قادة التنظيم في سوريا.

قيادة داعش تسائل والي اليمن عن ملابسات قتل زوجة أبي بلال الحربي التي كانت حاملا في شهرها الخامس.

أمرت قيادة داعش ببناء سجن سري في اليمن حتى يتسنى التحقيق مع المشتبه بهم قبل إعدامهم، لكن المهاجر بدلا من ذلك قام ببناء توابيت حديدية يحبس فيها المعتقلين لديه بهيئة الاستلقاء لأيام، ويتخذها أيضا أداة عقابية لمن يتمرد على أوامره. وحبس فيها فعلا قادة كبارا مثل "والي البيضاء" و"مسؤول الأمن العام". المهاجر لم يعترف بجرائمه لقادته من تلقاء نفسه، ولكنه كان مضطرا لذلك في سياق تبريرها لأن عناصر أخرى في التنظيم كانت على تواصل مباشر مع البغدادي في سوريا وترفع إليه تقارير أسبوعية حول سياسة المهاجر.

صار معظم عناصر وقادة التنظيم في اليمن يخشون أن تطالهم أوامر الاغتيال لسبب أو لآخر، فبدأت موجات من الهروب أو الاستسلام للقوات الحكومية أو الالتحاق بالقاعدة، وكان من بين الهاربين أعضاء مجلس الشورى الذين بعثهم البغدادي الى اليمن.

 

التحرش

 

كتب أبو أسامة المهاجر رسالة إلى قيادته في سوريا في 3 من مايو/أيار 2017 يعترف فيها بانتشار التحرش "بالمردان" (جمع أمرد) في معسكرات التنظيم! والمردان هم الصبيان الذين لم تنبث لحاهم بعد. وأخبر المهاجر قيادته أنه سعى إلى تطويق هذه "الظاهرة" من خلال فصل الصبيان في أماكن خاصة ومنعهم من الاختلاط بباقي العناصر إلا في الدورات العسكرية والشرعية وخطوط القتال، وفرض نمط خاص من اللباس عليهم لا يظهر تفاصيل أجسامهم! ورغم هذه الإجراءات فقد سُجلت حالات تحرش كثيرة، منها حالة (أبو حمزة الإبي) الذي حاول اغتصاب أحد الصبيان وهو نائم خلال إحدى الدورات الشرعية. اعترف المهاجر أن الصبي في حالة نفسية مزرية بسبب ما تعرض له، ويحاولون تطييب خاطره والحيلولة دون وصول المشكلة إلى قبيلته، وقد دفعوا بالصبي الى جبهات القتال للتنفيس عن أزمته، وربما للتخلص منه. حالة أخرى اعترف بها المهاجر وتخص المسمى "أبو العز الصنعاني" الذي تحرش هو الآخر بصبي أثناء نومه، وخلال التحقيق معه وخوفا من تداعيات الفضيحة عمد إلى الانتحار بإطلاق النار على نفسه.

جاء تعليق قيادة داعش في سوريا على ظاهرة التحرش في صيغة توجيهات صادرة عن " إدارة الولايات البعيدة" وهي توجيهات لا تخلو من غرابة، منها أن يتم حلق شعر الصبيان (المردان) وإلزامهم بعدم التأنق في اللباس والمظهر، وإشغالهم بمعسكرات التدريب البدني تحت إشراف شيوخ كبار في السن، وإلزامهم أيضا بارتداء الأقنعة في حال اختلاطهم بالعناصر الأخرى. وحكمت على المتهمين بالتحرش بالجلد 300 جلدة، وتخييرهم بين الطرد من الجندية أو تنفيذ عمليات انتحارية.

رسالة مسربة تظهر رد قيادة داعش المركزية في سوريا على والي اليمن بخصوص قضية حمزة الإبي والتحرش بـ"المردان".

إلى جانب التحرش، اعترف أبو أسامة المهاجر بتورط قادة كبار في "ولاية اليمن" في علاقات عاطفية مع النساء، فقد أخبر قيادة التنظيم في سوريا بأن أبو محمد الجزراوي مبعوثهم إلى اليمن وعضو مجلس الشورى ومسؤول الجهاز الأمني في "الولاية" دخل في "علاقات غرامية" كثيرة مع الفتيات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأسفرت عملية الفحص والتفتيش واستعادة الملفات المحذوفة من هاتفه عن اكتشاف علاقاته المتعددة بـ"الفتيات المناصرات"، وكان يصور لهن عضوه التناسلي، ويفتح معن محادثات مطولة في مواضيع جنسية وعاطفية!.

حالة أخرى ذكرها المهاجر في إحدى رسائله وتخص أبو بلال الحربي الذي شغل منصب الشرعي الأول في ولاية اليمن، عندما استغل حسابه الشخصي على موقع تويتر في التواصل مع الفتيات، إلى أن توجت إحدى علاقاته الافتراضية بالزواج، إذ تعرف على فتاة من صنعاء عبرت عن رغبتها في الالتحاق بداعش والزواج منه، وهو ما حصل في نهاية المطاف، وهي نفسها المرأة التي قام التنظيم بتصفيتها وهي حامل. وكان من مبررات قتلها أن التعرف عليها كان من خلال الإنترنت ولم تأت بناء على تزكية من جهة معروفة للتنظيم.

 

فبركة الإصدارات

 

نشرت مؤسسة مقربة من القاعدة اعترافات شخص زعم أن داعش في اليمن فبركت الإصدار المرئي المعنون ب "أباة الضيم" وأن مشاهد اقتحام مقرات تابعة لجماعة الحوثي، مشاهد مفبركة تم تمثيلها من قبل عناصر داعش بما فيها جثث القتلى التي غمرت بعصير الفيمتو Vimto لتظهر كالمدرجة في دمائها. في رسالة من أبي أسامة المهاجر إلى قيادته في سوريا اعترف بمفبركة المشاهد، لكنه ألقى باللائمة على مسؤولي الإعلام الذين يرفضون الافصاح عن فحوى إصداراتهم قبل نشرها بدعوى أن القسم الإعلامي تابع مباشرة لديوان الإعلام المركزي، ويرسلون إنتاجاتهم رأسا إلى سوريا دون إذن من قيادتهم المحلية في اليمن، وطالب المهاجر بتمكينه من مراجعة الإصدارات قبل نشرها.

جاء الرد من "إدارة الولايات البعيدة" بمعاقبة المسؤولين عن تزوير المشاهد (المصور والمونتير) وعزل أبي هاجر المهاجر مسؤول المكتب الإعلامي، وإيقاف النشر الخارجي للمكتب لمدة شهر، بسبب ما " ترتب عليه عملهم من تشويه لمصداقية إعلام الدولة الإسلامية" حسب تعبير محرر الرسالة.

قيادة داعش تعترف بفبركة مشهد اقتحام لأحد مواقع الحوثيين وتوقف المكتب الإعلامي لولايتها في اليمن عن النشر لمدة شهر.

حالة أخرى من حالات التزوير تورط فيها هذه المرة أبو أسامة المهاجر نفسه، عندما قام بتصفية أحد عناصر التنظيم، ويدعى أبوهادي الجزراوي، بعدما أزعجته مطالبه المتكررة بتوفير مأوى خاص له مع زوجته. بعدها أشاع المهاجر أن الجزراوي قتل على أيدي أعداء التنظيم، فتم تصوير جثته وعرضه "كشهيد" في الإصدار المرئي المعنون ب "الباذلين أنفسهم".

برر أبو أسامة المهاجر الواقعة في رسالته لقادته في سوريا بأن التصفيات الداخلية لا يعلم بها سوى أشخاص قليلين جدا، وأن أبا هادي الجزراوي تمت تصفيته ولم يكن الإعلاميون الذي صوروه يعلمون كيف قتل، ولم ير بأسا في استغلال مقتله دراميا لصالح التنظيم.

 

تمثيل الإصدارات يكاد يكون سياسة إعلامية لتنظيم داعش في اليمن. فعندما خطف التنظيم ثلاثة مواطنين يمنيين ينتمون لجماعة الحوثي أرسلهم إلى القسم الإعلامي في شبوة لتسجيل اعترافاتهم قبل إعدامهم، لكن القسم الإعلامي احتفظ بهم، وأخذهم إلى شارع في شبوة لتمثيل مشهد اختطافهم ثم أصدر مادة دعائية مزيفة عن العملية، مع أن الاختطاف حدث في ولاية أخرى. أبو أسامة المهاجر في رسالته إلى "إدارة الولايات البعيدة" حمل المسؤولية لأبي عبد الله الجزراوي، ووصفه بالمتسلط الذي تولى ملف الإعلام وأداره وفق رغباته الشخصية.

 

الاختلاس

 

سواء في اليمن أو في سوريا أو باقي المناطق كان اختلاس الأموال أمرا دارجا داخل تنظيم داعش. حالات كثيرة لأفراد كلفوا بمهام أو بادروا إلى جمع التبرعات باسم "الخلافة" انتهت أموالها في حساباتهم الشخصية. تتفاوت دوافع المنتمين لتنظيم داعش، لكن بكل تأكيد يوجد بينهم من يرى في الأمر فرصا استثمارية مربحة. في اليمن قام جامع تبرعات يدعى أبو محمد المهاجر بجمع أموال طائلة في السعودية بحجة دعم "ولاية اليمن"، ثم دخل إلى اليمن وكلفته قيادة داعش بتأسيس عمل في الحدود ووضعت في ذمته أموالا إضافية، لكن الرجل اختفى فجأة وهرب بأموال التنظيم، والطريف أن داعش عينت صديقا له لاستكمال مشروع الحدود، لكنه هرب هو الآخر بالأموال.

والي اليمن يعترف بعجزه عن مواجهة عمليات الاختلاس في فرع اليمن ويستشهد بقضية أبي محمد المهاجر الذي اختلس 700 ألف ريال سعودي.

اشتكى أبو أسامة المهاجر إلى قيادة داعش في سوريا من العراقيل التي تعترضه في قضايا الاختلاس. وقال بأن المتورطين في الاختلاس ينكرون ما ينسب إليهم أمام قضاة التنظيم. وفي غياب أي دليل ضدهم، يكتفي القضاة بقسم النفي ثم يطلق سراحهم. وطالب بصلاحيات تمكنه من القفز على إجراءات "القضاء" التي تأخذ وقتا وتضيع فيها "الجهود والأوقات" من أجل "معاقبة المتلاعبين والعصاة"، لأن أغلب قضايا الاختلاس تكون عبارة عن معاملات شخصية يتعذر توثيقها.

لقد ضخ التنظيم في اليمن موارد مالية ضخمة في سياق استماتته لتحويل البلد إلى "ولاية" نموذجية تحتذى، كما ظهر في كثير من المراسلات بين والي اليمن وبين داعش في سوريا، وحث التنظيم عناصره أيضا على "جباية" الأموال من التجار بالقوة، ووضع لهم خطة مفصلة بخصوص ذلك، لكن الكثير من هذه الأموال تبخر في ظروف غامضة.

رغم الجرائم التي قام بها أبو أسامة المهاجر في اليمن، باعتراف قيادته التي خاطبته في إحدى الرسائل بالقول:" تفاجأنا بما صدر عنك من قرارات القتل" واستفسرته عن جدوى خطف فتاة في التاسعة من عمرها، فقد رفض البغدادي عزله، ودعم سياسته الدموية. وكتبت قيادة التنظيم معلقة على جرائم القتل التي نفذها المهاجر بأن رفضها لقرارات القتل لا تعني إطلاقا أن ضحاياها لا يستحقون القتل. وإذا كان كبار قادة التنظيم في اليمن لم يسلموا من بطش "الوالي" فكيف كان حال اليمنيين الأبرياء الذين حصدت مفخخاته أرواحهم بالمئات. في 3 يونيو/حزيران 2019 نفذ التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات عملية خاصة في العمق اليمني أسفرت عن اعتقال أبو أسامة المهاجر مسدلة بذلك الستار عن حقبة دموية كان الرجل بطلا من أبطالها.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.