يعد سيف العدل أحد أبرز قادة القاعدة والخليفة المحتمل لتنظيم القاعدة.
يعد سيف العدل أحد أبرز قادة القاعدة والخليفة المحتمل لتنظيم القاعدة.

مرت أسابيع طويلة على مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ولازال التنظيم يلتزم الصمت إزاء هوية قائده الجديد. مؤيدو القاعدة أرجعوا التأخير إلى الوضع الأمني لسيف العدل داخل إيران؛ وهو الوضع الذي يحول دون تواصل فعال وسريع بينه وبين القيادات الأخرى، لأن تعيين قائد جديد يحتاج إلى مشاورات موسعة يدلي فيها جميع زعماء الأفرع الأخرى برأيهم، وقد تستغرق هذه الإجراءات وقتا طويلا قبل أن تستقر الآراء على موقف موحد.

لكن هذه الفرضية قد لا تكون دقيقة تماما، فالقاعدة، على الأقل من خلال الوثائق المسربة، حسمت مبكرا في مسألة ما بعد الظواهري، حتى قبل أن يقتل الأخير بصاروخ أميركي في كابل، كما أن سيف العدل وطوال السنين التي كان فيها "محتجزا" في إيران لم يكن يجد يوما صعوبة في إيصال صوته إلى حيث يريد.

 

مجمعات "احتجاز"

 

في عام 1990، اتفق سيف العدل مع عناصره في معسكر تدريبي بأفغانستان على توريط أبو حفص المصري، القيادي البارز في القاعدة حينها، في كمين وهمي كدليل على نجاح الفريق في استيعاب دروس "دورة الكمائن" التي تجري في المعسكر. لكن عوض أن تدخل سيارة أبو حفص المصري منطقة الكمين كما كان متوقعا، دخلت بالصدفة سيارة أخرى يستقلها "الجهادي" المصري مصطفى حامد (أبو الوليد المصري) وعائلته. بعد الاعتذار من سوء التقدير الذي حصل وحالة الهلع التي سببها الكمين، تعرف سيف العدل لأول مرة على مصطفى حامد. وستكون تلك اللحظة فارقة في حياة الرجل. في 6 ديسمبر 1991، أي بعد عام من واقعة الكمين، سيتزوج سيف العدل أسماء؛ البنت الكبرى لمصطفى حامد في حفل بالغ الرمزية، شهد قرانه جلال الدين حقاني مؤسس شبكة حقاني ووالد سراج الدين حقاني وزير داخلية طالبان الحالي. أسماء ستلعب لاحقا دورا أساسيا في حياة سيف العدل.

عقب التدخل الأميركي في أفغانستان، والإطاحة بطالبان، دخل سيف العدل مع قيادات أخرى من القاعدة وعائلاتها إلى إيران. استقر الجميع بداية في منازل آمنة بمدينة شيراز، لكن في أبريل 2003، قامت السلطات الايرانية باعتقالهم. واستنادا إلى إفادة سليمان أبو غيث الناطق الرسمي باسم القاعدة لمحققي مكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن قادة القاعدة تنقلوا إثرها عبر مواقع احتجاز مختلفة، تفاوتت فيها طريقة تعامل الإيرانيين معهم؛ من تضييق شديد إلى بذل قسط من الامتيازات المحسوبة، بدا أن سيف العدل قد استأثر بالنصيب الأكبر منها.

اعتقل قادة القاعدة أولا في منشأة تابعة للمخابرات الإيرانية في طهران، قضوا فيها عاما و8 أشهر. خمسون يوما الأولى منها في زنازين انفرادية. وتم إخطارهم بصدور قرار سيادي بالاحتفاظ بهم، وتمتعوا بمعاملة جيدة نوعا ما. بعد ذلك جرى نقلهم إلى موقع آخر عبارة عن مجمع عسكري يحتوي مسجدا وملعبا لكرة القدم، وسمح لهم بالتحرك داخله. وفي هذا الموقع ستلتحق أسماء بزوجها سيف العدل. بعد 6 أشهر، تم نقلهم مجددا إلى موقع محصن بلا نوافذ يوجد في المجمع العسكري ذاته، قضوا فيه زهاء أربع سنوات. وأثناء وجودهم في هذا الموقع التحقت بهم عائلة بن لادن وأبناؤه؛ سعد وعثمان وحمزة.

احتجت العائلات على الظروف المزرية في هذا الموقع، والتي سببت مضاعفات نفسية لبعض الأطفال، وطالبت النساء بتحسين شروط العيش والسماح للأطفال بمتابعة دراستهم. أخمدت السلطات الإيرانية هذه الاحتجاجات بالقوة لكنها استجابت لبعض المطالب، فقامت بنقل العائلات إلى شقق مستقلة شيدت خصيصا للمحتجزين في منطقة مسورة، وفي هذه الشقق قضى قادة القاعدة سنواتهم اللاحقة، إلى أن تمكن بعضهم من الفرار والوصول إلى سفارات بلدانهم الأصلية كما هو الحال مع أبي حفص الموريتاني، رئيس اللجنة الشرعية للقاعدة، وإيمان ابنة أسامة بن لادن، أو الخروج بموجب صفقة تبادل للمعتقلين بين القاعدة وإيران كما حدث سنتي 2010 و2015.

 

أزمة التواصل

 

جاء في إفادة سليمان أبو غيث أن السلطات الإيرانية حظرت على قادة القاعدة استعمال أي وسيلة من وسائل التواصل خلال فترة وجودهم في مواقع الاحتجاز المشار إليها، بمن فيهم أبرز قياديين: أبو محمد وأبو الخير المصريان، خصوصا في السنوات الأربع الأولى. ولم تسمح بها إلا في 2011، عندما وضعت آلية لتمكين المحتجزين من التواصل مع الخارج. وسمحت لكل معتقل بتصفح الإنترنت مرة واحدة كل أسبوع.  وتقوم آلية التواصل تلك على وضع بريد الكتروني مشترك بين كل المحتجزين، وعندما يريد أحدهم إرسال رسالة ما فعليه كتابتها يدويا وتسليمها للسلطات، وبعد مراجعتها تقوم بإرسالها نيابة عنه. وتتولى السلطات أيضا توزيع الرسائل الواردة إلى المعنيين بها بعد إخضاعها للفحص والمراجعة. وبهذه الطريقة استطاع بعض المحتجزين أخيرا التواصل مع عائلاتهم خارج إيران.

لقد انتظر سليمان أبو غيث 8 سنوات قبل أن يتمكن أخيرا من الحديث مع شقيقه في الكويت، وتفاجأ عندما علم أن زوجته استخرجت قرارا من المحكمة بالطلاق لأنها اعتقدت أنه ميت بسبب غيابه الطويل في السجون الإيرانية.

وبينما كان هذا حال أبو غيث وقادة آخرين في القاعدة داخل مواقع الاحتجاز كان بوسع سيف العدل في الواقع إيصال صوته إلى أي مكان. لقد ظل قائدا فاعلا في القاعدة طوال المدة التي قضاها رهن الاحتجاز المفترض داخل إيران. و واكب مثلا الحملة الدامية التي أطلقها تنظيم القاعدة في السعودية ابتداء من 2003 وأدلى برأيه في كثير من العمليات التي نفذتها القاعدة في العقديين الماضيين.

صدر العدد الأول من مجلة "البتار" في ديسمبر 2003، وهي مجلة إلكترونية متخصصة في المواضيع العسكرية والأمنية كان تنظيم القاعدة في السعودية يصدرها في ذروة نشاطه. ومنذ العدد الأول إلى العدد الأخير (22 عددا)، التزم سيف العدل بكتابة عمود ثابت في المجلة حول الأمن والاستخبارات. وقد تزامن صدور العدد الأول مع فترة وجود سيف العدل في موقع الاحتجاز الأول الذي قضى فيه عاما و8 أشهر، ولم يكن يسمح مطلقا للمحتجزين فيه بأي نوع من أنواع التواصل مع الخارج.

الملفت هنا أن الأمر يتعلق بالعدد الأول للمجلة، ما يفتح مجالا للافتراض بأن سيف العدل كان على اطلاع بشؤون القاعدة في الخارج، بما في ذلك التحضير لإصدار مجلة جديدة.

وساهم سيف العدل، وهو ضابط سابق في الجيش المصري واسمه الحقيقي محمد صلاح الدين زيدان، أيضا بمقال في العدد الثاني من مجلة "صوت الجهاد" الصادر في أكتوبر 2003. فكيف استطاع الرجل مواكبة مجريات الأحداث في السعودية، ومتابعة نشرات القاعدة والمساهمة فيها؟ بل ترددت شائعات حينها وصل صداها إلى أسامة بن لادن -كما بينت وثائق أبوت أبات- مفادها أن سيف العدل طرد يوسف العييري من القاعدة لأنه كان معارضا للتفجيرات في السعودية.

 

امتيازات خاصة

 

لا شك أن وضع سيف العدل داخل مرافق الاحتجاز الإيرانية كان مختلفا عن وضع القادة الآخرين في القاعدة. ففي الوقت الذي عانى فيه أبو غيث ليخبر زوجته في الكويت أنه ما زال على قيد الحياة، كان سيف العدل يرسل مقالاته إلى المجلات والمواقع الجهادية. بل احتفظ بمكانته كقائد عسكري بارز في القاعدة، حتى إن سعد بن لادن نجل أسامة بن لادن كان يراسله ليأخذ إذنه في تنفيذ عمليات انتحارية ضد القوات الأميركية في أفغانستان، كما اعترف بذلك سيف العدل في أحد كتبه. وعلى مدار عقدين من وجوده في إيران، نشر عشرات المقالات والكتب حول مواضيع ذات علاقة بالشؤون الأمنية والعسكرية وأساليب حرب العصابات وعمليات التمرد. وهي المقالات التي نشر معظمها قبل 2015 وهو العام الذي أطلقت فيه السلطات سراحه بموجب صفقة تبادل بين إيران وتنظيم القاعدة في اليمن.

من الواضح أن أسماء، زوجة سيف العدل، لعبت دورا أساسيا في تواصله مع العالم الخارجي، وهو ما أكده سليمان أبو غيث في إفادته، فهي ابنة مصطفى حامد (أبو الوليد المصري) الكاتب الجهادي المشهور وصاحب موقع "مافا" السياسي الذي حظي بمعاملة خاصة في إيران، إذ لم يكن عضوا في القاعدة، وجاهر مرارا بالتنديد ببعض موقف التنظيمات الجهادية وآرائها المتطرفة إزاء الشيعة. ولا يخفي في الوقت ذاته إعجابه الشديد بزوج ابنته سيف العدل. وقد تبادل الرجلان كثيرا عبارات المديح في نصوصهما المنشورة، ونوها بعمق الصداقة التي تجمعهما، وإن وقفا على مستوى القناعات الأيديولوجية في طرفي نقيض أحيانا. من خلال أسماء وجدت كتابات سيف العدل طريقها الى النشر سواء في موقع والدها "مافا" السياسي الذي نشرها باسم "عابر سبيل" أو مواقع ومنتديات أخرى.

لا شك أن السلطات الإيرانية كانت على علم برواج مقالات سيف العدل على الإنترنت، لكنها اختارت غض الطرف عنها رغم أنها فرضت على المحتجزين الآخرين آلية مجحفة للتواصل مع ذويهم تمثلت في البريد الإلكتروني المشترك ومراجعة كل الرسائل الصادرة والواردة منه. فهل تجاهلت السلطات الإيرانية نشاطات سيف العدل مراعاة لخصوصية علاقتها بصهره مصطفى حامد، أم أنها فعلت ذلك انسجاما مع عقيدتها السياسية الرامية إلى نشر ما أمكن من الفوضى في محيطها؟

الثابت أن إيران على علم بنشاطات سيف العدل. فمن غير المعقول أن يغيب عنها ذلك، وهي التي تملك جيشا من التقنيين تسللوا إلى أنظمة إلكترونية شديدة التحصين، وجيشا آخر من المحللين يتابعون ما ينشر على المواقع والمنصات العربية والأجنبية. إيران في الواقع لم يزعجها وجود قادة القاعدة على أراضيها أو نشاطهم انطلاقا منها. فعندما قرر سليمان أبو غيث مغادرة إيران، ومحاولة الوصول إلى الكويت، أخبره الإيرانيون -كما يشهد بذلك هو نفسه- أن بوسعه العودة إلى طهران متى اعتقد أن رحلته لن تكلل بالنجاح، فقادة القاعدة لم يكونوا يوما ضيوفا ثقلاء على إيران.

 

الأمير القادم

 

في سنة 2010، كتب عطية الله الليبي إلى أسامة بن لادن يخبره أن سيف العدل ورفاقه في إيران سيأتون إلى منطقة وزيرستان، حسب ما كشفته وثائق أبوت أباد. ورجح خبراء أمنيون أن يكون سيف العدل قد دخل فعلا إلى أفغانستان ورجع في وقت لاحق إلى إيران. ومن غير المستبعد أن يتردد هؤلاء القادة ذهابا وإيابا من وإلى إيران لأسباب كثيرة منها أن القاعدة، حسب وثائق سرية سربها أعضاء في هيئة تحرير الشام، قد حسمت مسبقا في هوية القادة الذين سيخلفون أيمن الظواهري في حال وفاته، هذه الوثائق مؤرخة بتاريخ 2014، وبناء عليها فإن خلفاء الظواهري هم على التوالي: أبو الخير المصري وأبو محمد المصري وسيف العدل وناصر الوحيشي. واشترطت الوثائق أن يكون الأمير الجديد موجودا في أفغانستان أو في فرع من فروع القاعدة. فكيف قررت القاعدة بشكل مسبق مبايعة قادة موجودين في إيران، لو لم يكن في حسبانها وجود إمكانية مغادرتهم لها في الوقت الذي يريدون؟ وبما أن القادة المذكورين قد قتلوا جميعا باستثناء سيف العدل، فسيكون بشكل شبه حاسم هو الخليفة المنتظر للظواهري. وتجذر الإشارة إلى أن عبد الرحمن المغربي، الذي يروج اسمه كخليفة محتمل للظواهري، من الموقعين على تلك الوثائق.

بعد إطلاق سراح قادة القاعدة في إيران عام 2015، دخل بعضهم إلى سوريا واختار آخرون البقاء في طهران، فكيف قرر النائب الثاني (أبو محمد المصري) والثالث (سيف العدل) للظواهري البقاء في إيران لو لم يتأكدا من قدرتهما على مغادرتها وقتما يريدان؟ لقد قتل أبو الخير المصري في 2017 في سوريا، ثم أبو محمد المصري في 2020 في إيران، وبقي سيف العدل مع ذلك في إيران، ببساطة لأنه يدرك أن باستطاعته الخروج منها متى رأى أن وقت الخروج قد حان.

أبو محمد المصري
قيادي القاعدة الذي قتل بالرصاص في شوارع طهران.. من هو أبو محمد المصري؟
يعد عبد الله أحمد عبد الله، الملقب بأبي محمد المصري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة.
ويعتبر المصري (58 عاما) من المؤسسين للقاعدة، ويُعتقد أنه أول من قاد التنظيم بعد الظواهري.

وضمن الأوصاف التي قدمها الموقع، فإن المصري مولود في وقت قريب من عام 1963 في مصر، ويتميز بلون داكن لشعره وعينيه، ويحمل الجنسية المصرية ويتحدث العربية

سيف العدل مدين لإيران رغم ظروف الاحتجاز التي مر بها لأنها سمحت له دون غيره بهامش من الحرية وظفه للقيام بدوره كقائد عسكري في القاعدة ونائب لأميرها، ومدين لصهره وزوجته أسماء لأنها كانت بمثابة سكرتيرة مخلصة تولت مهمة توصيل بريده السري وقتا طويلا.

أما موقف أسامة بن لادن السلبي من سيف العدل ورفضه إسناد منصب قيادي رفيع له، فراجع إلى تمرد هذا الأخير على أوامر بن لادن أكثر من مرة، وتحفظه على بعض قراراته وصل الى حد إصدارهما أوامر متضاربة الى عناصر القاعدة، كما كشفت عن ذلك رسالة خاصة بعث بها سيف العدل إلى خالد شيخ محمد عقب التدخل الأمريكي في أفغانستان.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.