في مارس 2017، نجحت القاعدة في إبرام تحالف موسع جمع عددا من التنظيمات الجهادية في جماعة واحدة سميت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي
في مارس 2017، نجحت القاعدة في إبرام تحالف موسع جمع عددا من التنظيمات الجهادية في جماعة واحدة سميت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي

في بؤر الصراع الأهلي عبر العالم، يكون الاغتيال السياسي وتفجير العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والانتحاريون نمطا سائدا في يوميات النزاع. أما في مالي فإبادة القرى يكاد يكون أسلوبا مفضلا لدى مختلف التنظيمات المسلحة والمجموعات العرقية والقبلية المنتشرة هناك.

الكثير من القرى المنزوية في الصحراء غربت الشمس عن أهلها وهم آمنون في بيوتهم الطينية وأشرقت وهم بين قتيل وشريد. تضاربت المصالح وتعددت أطراف الصراع وتغيرت خرائط الولاءات السياسية ويظل القروي البسيط من عليه أن يدفع الثمن كل مرة، من دمه أو دم أقاربه أو ماشيته وغلاته.

 

أزمة سياسية

 

شهدت مالي في السنوات العشر الماضية ثلاثة انقلابات عسكرية، أفرزت مناخا طبعه عدم الاستقرار السياسي وفوضى أمنية مستحكمة. بدأت الأزمة في 2012 عندما شن تحالف مكون من جماعات "جهادية" وقومية، أبرزها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"جماعة أنصار الدين" و"حركة التوحيد والجهاد" و"الحركة الوطنية لتحرير أزواد" (قومية) هجوما كاسحا على شمال البلاد أسفر عن إحكام سيطرتها عليه.

وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2085 الصادر بتاريخ 20 ديسمبر 2012، تدخلت فرنسا ونجحت خلال فترة قصيرة في طرد الجهاديين من المناطق التي سيطروا عليها، وتحرير مدينتي غاو وتومبكتو أهم مدن الشمال، لكن التمرد "الجهادي" العنيف كان قد بدأ لتوه.

في 2013، تم انتخاب إبراهيم أبو بكر كيتا رئيسا للبلاد وتعهد بإجراء إصلاحات شاملة في البلاد ومحاربة الفساد، لم تتحقق أي من وعود الرئيس الذي حظي بدعم فرنسي كبير. ومع إعادة انتخابه في 2018 شهدت مالي موجة احتجاجات عارمة، انخرطت فيها أحزاب سياسية ومنظمات أهلية وشخصيات دينية، طالبت باستقالة الرئيس وحل البرلمان وبدء مسار سياسي جديدة يقطع مع الحقبة السابقة.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

في 18 من غشت 2020، أطاح انقلاب عسكري بالرئيس كيتا، وشُكل مجلس عسكري لإدارة البلاد. تعهد المجلس بتسليم السلطة إلى المدنيين في أجل أقصاه 18 شهرا. أثناء تدبير المرحلة الانتقالية، أحس العسكريون بوجود نوايا لاستبعادهم تُرجمت إلى قرارات بإقالة محسوبين عليهم في مواقع المسؤولية، فنفذوا انقلابا آخر في 24 مايو 2021 أعاد الأوضاع إلى المربع الأول.

 المجلس العسكري الجديد جاء بأجندة سياسية غيرت الخريطة السياسية في البلاد، إذ صعد من لهجته المعارضة للوجود الفرنسي، وصلت ذروتها إلى قرار طرد سفير باريس من باماكو، ومطالبة مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة طارئة لوضع حد لما وصفته الخارجية المالية بأعمال عدوانية تقوم بها فرنسا في مالي تتمثل في دعم الإرهاب وممارسة التجسس.

وفي 17 من فبراير 2022 قررت فرنسا مغادرة مالي لرفضها التعاون مع "نظام انقلابي". وموازاة مع خروج القوات الفرنسية من البلاد، فتح العسكريون الباب أمام شركة فاغنر الروسية التي تحولت سريعا إلى رقم في معادلة مالي المستعصية.

 

أطراف الصراع

 

التحالف الهش الذي دخلت به التنظيمات الجهادية والأزوادية إلى شمال مالي سرعان ما تفكك حتى قبل التدخل الفرنسي، حيث جرى استبعاد الحركة الوطنية لتحرير الأزواد من إدارة المناطق المسيطر عليها، بعد اشتباكات مسلحة بينها وبين الجهادين، وألغي اتفاق سابق بين الجانبين على تقاسم النفوذ.  وصارت الحركة الوطنية لتحرير أزواد خصما مناوئا للجهاديين خصوصا بعاد اتفاق السلام الموقع في الجزائر بين الحركات الأزوادية وبين الحكومة المالية في 2015.

مع إعلان داعش عن "الخلافة" في 2014، انضمت حركة التوحيد والجهاد بقيادة أبو الوليد الصحراوي إليه، فبدأ التنافس المحموم بين الحركة المحسوبة على داعش وباقي المكونات "الجهادية" الأخرى. في مارس 2017، نجحت القاعدة في إبرام تحالف موسع جمع كل من جماعة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي، وجماعة المرابطون، وجبهة تحرير ماسينا بقيادة محمد كوفا ومسؤول منطقة الصحراء بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في جماعة واحدة سميت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي.  ورغم أن التكتل عبارة عن خليط من النزعات العرقية والقبلية والسلفية إلا أنها أبانت عن تماسك غير معهود في الجماعات الإسلامية.

انخرطت جبهة تحرير ماسينا بزعامة محمد كوفا في الأعمال القتالية إلى جانب القاعدة، وتبنت الكثير من العمليات التي استهدفت القوات الحكومية المالية. ينحدر معظم عناصر الجبهة من "الفلان" وهي مجموعة عرقية منتشرة في دول الساحل وغرب إفريقيا ويقدر أفرادها بحوالي 60 مليون نسمة، وإلى جانب المظالم التي يكابدها الفلان يراود زعماءهم أيضا حلم استعادة إمبراطورية فلانية حكمت الساحل في القرن التاسع عشر.

دخول مجموعة عرقية ذات طابع جهادي في الصراع، دفع بالمجموعات العرقية المنافسة إلى تشكيل ميليشيات مسلحة لحماية قراها ومواشيها ومساحاتها الرعوية، والرد على الهجمات التي تتعرض لها مناطقها. هكذا ظهرت ميلشيات مسلحة عرقية زادت المشهد المالي توترا أهمها ميليشيا " دانا أماساغو" التي ينحدر عناصرها من قبائل "الدوغون" المنافسة للفلان، وتتهمها منظمات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وظهرت أيضا ميليشيات مسلحة محسوبة على الطوارق بعضها مقرب من الحكومة مثل ميليشيا "غاتيا" وأخرى تنادي بالاستقلال، واتهمت تقارير حقوقية دولية هذه الميليشيات بارتكاب انتهاكات في المناطق التي تسيطر عليها.

 

جرائم إبادة

 

في مارس 2019، شهدت قرية أوغوساغو التي يقطنها الفلان على الحدود مع بوركينافاسو مجزرة رهيبة نفذتها ميليشيا "دانا أماساغو" أسفرت عن مقتل 160 شخصا. وقالت الناطقة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف إن المجزرة مجرد حلقة من سلسلة هجمات أسفرت عن مقتل أكثر من 600 شخص في ذات المنطقة خلال عام واحد فقط. وتتهم ميليشيا "دانا أماساغو" القرى الفلانية بدعم الجهاديين، خاصة جبهة تحرير ماسينا الموالية لتنظيم القاعدة. لم تكن هذه الانتهاكات سوى جزء من يوميات الصراع الذي فاقمه الانقسام السياسي والانقلابات المتكررة، وتمدد المجموعات الجهادية خاصة تنظيم داعش، وسيزداد تفاقما بدخول شركات أمنية خاصة لملء الفراغ الذي تركه الانسحاب الفرنسي من البلد.

رسمت منظمة هيومن رايتس ووتش صورة قاتمة للأوضاع في مالي، واتهمت كافة الأطراف بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية بما فيها القوات الحكومية، إذ أكد تقريرها الصادر العام الماضي أن أكثر من 385 ألف شخص نزحوا من قراهم بسبب الصراع، وأن الجماعات الإسلامية المتشددة قتلت العشرات من المدنيين و19 فردا من قوات حفظ السلام الأممية و120 جنديا حكوميا.

وفي غشت 2021، هاجمت جماعة إسلامية متشددة قرى في منطقة "غاو" ينحدر سكانها من عرقية السنغاي مما أدى إلى مقتل أكثر من 50 شخصا. وقبلها بشهرين، قتلوا 11 شخصا من الطوارق في منطقة "ميناكا". وفي 3 ديسمبر من العام نفسه، أطلقوا النار على حافلة تقل تجارا متوجهين إلى سوق "باندياجارا" في منطقة "موبتي" مما أسفر عن مقتل 33 شخصا.

المنظمة الحقوقية الدولية اتهمت القوات الحكومية هي الأخرى بتنفيذ أكثر من 40 عملية قتل خارج إطار القانون و20 حالة اختفاء قسري من ديسمبر 2020 إلى أكتوبر 2021. معظم هذه الانتهاكات حصلت خلال عمليات ضد جماعات متشددة.

وفي 23 مارس 2021، استهدف جنود ماليون حافلة لنقل الركاب بعد عثورهم على مواد مشبوهة بين الأمتعة. ويعتقد أن 13 جثة تعود لضحايا الهجوم مدفونة في مقبرة جماعية.

لم يمض على دخول شركة فاغنر الروسية إلى مالي وقت طويل، لكنه  كان كافيا لوضع توقيعها على سجل الانتهاكات التي يشهدها البلد، إذ كشفت صحيفة لوموند الفرنسية أن الشركة الروسية بالتعاون مع السلطات الحكومية قامت بتحويل ثكنة تابعة للجيش إلى مركز اعتقال وتعذيب. وساقت الصحيفة شهادات لعدد من الضحايا قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب بالكهرباء والإيهام بالغرق خلال استجوابهم من طرف عناصر فاغنر.

وقال تقرير لمنظمة هيومن رايتشدس ووتش إن الشركة والقوات الحكومية مسؤولتان عن 71 عملية إعدام لمدنيين. وفي مارس الماضي فتحت دورية للشركة النار على عشرات الأشخاص على الحدود المالية الموريتانية قبل أن يتضح أن الضحايا رعاة موريتانيون.

 

داعش والقاعدة

 

استهل زعيم تنظيم داعش الجديد أبو الحسن الهاشمي حقبته بقرار فصل "ولاية الساحل" عن "ولاية غرب إفريقيا"، فبدأت في 23 مارس الماضي بيانات "ولاية الساحل" بالصدور بعدما كانت المنطقة تتبع لولاية غرب إفريقيا حسب التقسيم الذي اعتمده البغدادي وقرداش.

لا شك أن القرار انطوى على رغبة من قيادة التنظيم على التركيز أكثر على مالي ودول الساحل. تركيز عبرت عنه عشرات العمليات التي تبناها التنظيم خلال الأشهر الماضية، فقد أعلن التنظيم في 25 مارس الماضي عن قتل 290 شخصا بينهم 250 عنصرا من حركة خلاص أزواد خلال أسبوعين فقط. وفي 4 أبريل أعلن عن قتل 130 عنصرا من حركة خلاص أزواد في هجمات على قريتين في منطقة "ميناكا" شمال شرقي مالي، كما هاجم التنظيم قاعدة عسكرية للجيش المالي في بلدة "تيسيت" بمنطقة "غاو" وتمكن من السيطرة عليها بعد القضاء على عشرات العسكريين المتواجدين فيها.

بعد أشهر من هجمات تنظيم داعش على قرى "ميناكا"، نشرت وكالة رويترز تقريرا عن الواقعة متحدثة عن تقدم إسلاميين متشددين شرق مالي وسيطرتهم على مناطق وقتلهم لمئات المدنيين وتشريد آلاف آخرين. وأشار التقرير إلى أن الهجمات ما زالت مستمرة إلى غاية الشهر الجاري. وقد غادر الآلاف قراهم إلى قاعدة عسكرية للجيش المالي بحثا عن الأمان.

نهج تنظيم داعش في مالي سياسة العقاب الجماعي، وبث الرعب في بين القبائل والمجموعات العرقية من خلال اجتياح القرى والإعدام الجماعي للسكان، وإحراق المحاصيل وتدمير الممتلكات. وقدرت تقارير إعلامية عدد القتلى المدنيين بين مارس وسبتمبر الماضيين بحوالي 950 شخصا في هجمات تنظيم داعش على منطقة "ميناكا" فقط. وأظهر مقطع فيديو منتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الدمار الذي لحق بقرية "تلاتيت" في منطقة "غاو" بعد هجوم التنظيم عليها، حيث تحولت القرية إلى أطلال ورماد وقد نزح منها من تبقى من سكانها.

من جانبها، اتبعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة أسلوبا مختلفا يقوم على الاختراق الناعم للمجتمعات المحلية واستقطاب وجهاء المجموعات العرقية. وقد نهج تنظيم القاعدة هذا الأسلوب منذ دخوله إلى شمال مالي في 2012 وعبر عنه في "وثيقة أزواد" التي أصدرتها قيادة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والتي تدعو إلى التركيز على القواسم المشتركة بين القاعدة وبين مختلف مكونات المجتمع المالي بما فيها تلك الحركات ذات الطابع القومي. وأثمرت هذه السياسة تحالفا مع جبهة تحرير ماسينا الفلانية و جماعة أنصار الدين الطوارقية.

وتظهر قراءة البيانات التي أصدرتها الجماعة العام الجاري أنها تريد أن تعطي انطباعا أن عملياتها موجهة حصرا ضد الجيش المالي والقوات الفرنسية وعناصر شركة فاغنر الروسية. لكن الحكومة المالية اتهمت رسميا جبهة تحرير ماسينا بالوقوف خلف الهجوم الدموي الذي خلف 132 قتيلا، واستهدف قرى "ديالاساغو" و"دياويلي" و"ديساغو" في منطقة "غاو" في 18 يونيو الماضي. وفي 3 من سبتمبر الماضي أعلنت الجماعة رفع الحصار عن قرية "بوني" الذي استمر لأشهر بسبب ما اعتبرته تعاونا من الأهالي مع عناصر شركة فاغنر.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام
السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام

تسبب تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السعودي، عبد المجيد النمر، بحالة من الصدمة لدى منظمات حقوقية وناشطين يقولون إن اتهام السلطات السعودية لرجل شيعي بـ "الارهاب والانتماء لتنظيم القاعدة" السني يطرح تساؤلات حول حيثيات ما جرى وعدالة الإجراءات القضائية في القضية.

ونددت المنظمة  الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، الاثنين، بإعدام النمر، واتهمت السلطات السعودية بـ "تزوير وثائق" تزعم انتماءه إلى تنظيم القاعدة.

وقال المحامي، طه الحاجي، المدير القانوني للمنظمة، غير الحكومية التي مقرها في برلين لموقع "الحرة": "المفارقة أن عبد المجيد النمر من الشيعة والقاعدة تنظيم سني، متطرف إقصائي يكفر الشيعة ولا يقبلهم".

والسبت، نفذت السلطات السعودية حكم الإعدام بحق عبد المجيد النمر (59 عاما)، وهو أب لأربعة أطفال متحدر من القطيف، وهي محافظة تسكنها غالبية شيعية تقع في شرق المملكة، بعدما دين بالانضمام إلى "خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة"، على ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال الحاجي لموقع "الحرة": "راجعنا صك الحكم الابتدائي، ووجدنا أن لائحة الدعوى لا يوجد ذكر فيها أبدا لكلمة 'القاعدة'، وأنه متهم ببعض الأمور منها المشاركة في مظاهرات، واتهامات من قبيل المشاركة في مجموعة واتساب وتأجيره جزءا من مزرعة أخيه كورشة لأحد المطلوبين أمنيا".

وبحسب "صك الدعوى" الذي حصل موقع "الحرة" على نسخة منه، فإن النمر خدم في سلك شرطة المرور لمدة 29 عاما، قبل أن يتقاعد من الخدمة.

وصدر الحكم الابتدائي بحق النمر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجنه تسع سنوات، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا القرار وحكمت عليه بالقتل تعزيرا).

يقول الحاجي إن من البديهي ألا تصدر المحكمة حكما إلا بما يطالب به أصحاب الدعوى، "ومن المفترض قانونا أن محكمة الاستئناف تنظر في القضية بطلب من المدعى عليه حتى يتم تخفيف الحكم عليه، والغريب والعجيب أن النيابة العامة لم تطلب أصلا قتله ومع ذلك قتل"، مضيفا "نحن نتحدث هنا عن منظومة قضاء ومحاكمة غير عادلة".

ويصف الحاجي إعدام النمر بأنه "كارثي"، مبني على اتهامات "بسيطة وسخيفة" لرجل كبير في السن، اعتقل بعد سنتين من خروجه على المعاش".

ويقول الحاجي إن قضية النمر بدأت نتيجة "خصومة شخصية"، إذ إن النمر كان مسؤلا عن مسجد في منطقته، وكانت هناك إلى جانب المسجد "أرض وقف"، ادعى المسؤول عنها بأن مبنى المسجد تعدى على الأرض، فاستدعت السلطات عبد المجيد النمر، وأوقف قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم استدعي مرة أخرى، وبقي معتقلا حتى إعدامه.

لكن وزارة الداخلية السعودية أفادت بأن النمر اعتقل لارتكابه "أفعالا مجرمة تنطوي على خيانة وطنه، وانضمامه لخلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، وتمويله للإرهاب والأعمال الإرهابية وتأييده للفكر الإرهابي".

وأضافت في بيان أن النيابة السعودية وجهت له الاتهام بارتكارب تلك "الأفعال المجرمة"، وهو ما أدانته به المحكمة الجزائية المتخصصة التي حكمت عليه بـ"القتل"، وهو ما أيدته محكمة الاستئناتف الجزائية المتخصصة، والمحكمة العليا. 

أوراق القضية تضمنت أيضا اتهامات بتأجير النمر  مزرعة أخيه لأحد الموقوفين "مع علمه بتحويلها إلى تصليح سيارات بطريقة غير نظامية ووكر لعدد من المطلوبين"، كما جاء في الدعوى.

ويقول الحاجي إن المؤجر لم يكن مطلوبا لكن "كان هناك بعض المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة كانوا يجتمعون أو يلتقون في هذه الورشة من فترة لفترة بحسب أوراق القضية".

ويقول حاجي إن النمر طلب من المستأجر المغادرة عندما علم بوجود مخالفات.

وتشمل الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية لعبد المجيد النمر أنه أيد مظاهرات احتجاجية ضد إعدام قريبه رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وأن مطلوبين حصلوا على طعام كان يشارك في إعداده في مأتم عاشوراء بمناسبة مقتل الإمام الحسين.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة السعودية في واشنطن بشأن انتقادات المنظمات الحقوقية، لكنه لم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذه التقرير.

يقول الحاجي إن السلطات اعتبرت توفير الطعام في محرم، وهو من ضمن الطقوس الشيعية في هذا الشهر، بأنه "تمويل إرهاب".

وقال الحاجي إن عبد المجيد النمر "لم يحمل السلاح ولم يقتل أحدا ولم يشارك في أي عمليات عنف".

"نكتة العصر"

ويصف مدير قسم الاستبداد في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن، عبدالله العودة، ما حدث في قضية عبد المجيد النمر بأنه "تناقض غريب" و"نكتة العصر".

وقال إن "السلطة تدعي أن الإرهاب انتهى وأن ولي العهد السابق كان يقتات ويحصل على الدعم الدولي بناء على ترويجه بأنه يحارب الإرهاب الداخلي وأنه تم القضاء على هذه الصفقة الفاسدة وبالتالي لا يوجد إرهاب منذ الإطاحة بولي العهد السابق"، في إشارة إلى محمد بن نايف الذي أعفي من منصبه بأمر ملكي عام 2017.

وفي عهد الأمير محمد بن سلمان، يقول العودة، إن السلطة في السعودية "كل يومين أو ثلاثة تعدم مجموعة جديدة بتهم الإرهاب في الوقت الذي تزعم فيه القضاء على الإرهاب، لذالك، هذا تناقض غريب".

ومنذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في 2017، تتبع السعودية أجندة إصلاحية طموحة تعرف باسم "رؤية 2030" تهدف إلى تحويل المملكة، التي كانت مغلقة سابقا، إلى وجهة سياحية وتجارية عالمية وتعتمد إصلاحات اجتماعية.

لكن ذلك يترافق مع استمرار قمع المعارضة، حيث تتعرض المملكة لانتقادات بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان والتضييق على الحق في التعبير على وجه الخصوص، وفقا لفرانس برس.

ويضيف العودة أن "السلطات تدعي الآن أن رجلا شيعيا من محافظة معروفة بالتدين الشيعي ينتمي إلى تنظيم القاعدة الذي يكفر الشيعة ويستهدف مجموعات بناء على الهوية الشيعية في مناطق مختلفة حول العالم، هذه نكتة العصر".

واعتبر أن "هذا الخلط الغريب للسلطة يكشف أولا عن استغلال مؤسسات الدولة من قضاء وإعلام لتبرير القتل والقمع، حيث أننا نشهد في عهد محمد بن سلمان أعلى معدل في تاريخ الإعدامات في الجزيرة العربية".

ولطالما تعرّضت المملكة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب عمليات الإعدام ونظامها القضائي.

وأعدمت السعودية بالفعل أكثر من 140 شخصا في العام 2024، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، علما أن السلطات نفذت 170 إعداما في 2023، 33 مها بحق أشخاص إدانهم قضاء المملكة في قضايا مرتبطة بالإرهاب.

وأعدمت السعودية هذا العام 20 شخصا دينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وكانت المملكة الخليجية أعدمت 74 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال العودة: "هذه قضية صارخة وفاضحة لأن الملابسات التي عرضتها الدولة لا يقبلها المنطق فحسب بل لا تقبلها السردية الرسمية للأدوات الحكومية في الداخل".

"من أجل إخافة الآخرين"

واعتبر مؤسس منظمة "القسط" لحقوق الإنسان، العضو المؤسس لحزب التجمع الوطني، يحيى عسيري في حديثه مع موقع "الحرة" أنه "يبدو واضحا أن هناك تهورا بالحكم في قضية عبد المجيد النمر".

وقال: "المشكلة ليست مع عبد المجيد النمر، ولكن المشكلة أن كثيرا من الإعدامات تكون في حق الأقلية الشيعية ويبدو واضحا أنهم مستهدفون".

ويرى عسيري أن السلطة تسير على منهج إصدار أحكام كبيرة حتى لو كان هذا التصعيد للأحكام غير مبرر من أجل تخويف الناس".