كتاب "الفتاة الأخيرة" لنادية مراد.
كتاب "الفتاة الأخيرة" لنادية مراد.

"توجهوا أولا نحو الفتيات الأجمل، سائلين: كم عمرك؟ ومتفحصين الشعر والفم. ثم أخذوا يسألون حارسا: هل هن عذارى؟ فأومأ برأسه إيجابا، قائلا: بالطبع، كما لو أنه صاحب محل يفاخر ببضاعته. لقد أخبرتني فتيات أن طبيبا فحصهن للتأكد من أنهن لا يكذبن حول عذريتهن، بينما أخريات مثلي، سئلن وحسب. وقد أصر البعض منهن على أنهن لسن عذارى، وأنهن مدنسات، اعتقادا منهن أن ذلك سيجعلهن أقل إثارة وغير مرغوبات، لكن المسلحين استطاعوا الانتباه إلى أنهن يكذبن.. الآن بدأ المسلحون يلمسوننا أينما أرادوا، فيمررون أيديهم على نهدينا وساقينا، كما لو كنا مجرد حيوانات.."

قارئ السيرة الذاتية لنادية مراد الفتاة الأيزيدية التي أسرها تنظيم داعش في سنجار عام 2014 لن يستطيع منع ذاكرته من استدعاء مشاهد من فيلمي Schindler's List (لائحة شندلر) وthe pianist (عازف البيانو)، المشاهد الرهيبة التي سيقت فيها آلاف العوائل اليهودية على يد الجيش النازي إلى مصيرها الذي لم تدرك تلك اللحظة هول فظاعته. اقتاد عناصر تنظيم داعش مئات العوائل الأيزيدية المرعوبة إلى إحدى المدارس في سنجار. كانت العوائل تأمل أن الأمر لا يتعلق سوى بإجراء مؤقت أملته ظروف الحرب، وأن أقصى ما يمكن أن يحدث هو إجلاء الأيزيديين من قراهم إلى مناطق أخرى. في المدرسة تم عزل الفتيات الصغيرات "الصالحات" للجنس والمتعة، وسيق الرجال والعجائز من النساء إلى أخاديد أعدت سلفا حيث جرى إعدام الجميع.

الفرق الوحيد بين تنظيم داعش والنازيين في فيلمي ستيفن سبيلبرغ ورومان بولانسكي، أن لا أحد من الدواعش سجل موقفا نبيلا كموقف النقيب النازي "فيلم هوزينفيلد" في عازف البيانو أو رجل الأعمال "أوسكار شندلر" في لائحة شندلر الذي تعلل بحاجة مصانعه إلى مزيد من اليد العاملة لينزل ما استطاع من اليهود من القطار الذي كان يتجه بهم إلى أفران الغاز.

 

السرد والإرهاب

 

لطالما كنت مقتنعا بقصور المناهج الكمية، وغيرها من المناهج التي تعتمد على الأرقام والبيانات الجامدة في فهم واستيعاب ظاهرة الإرهاب بكل أبعادها وتجلياتها، وأن السرد والمعالجة الأدبية للظاهرة يمكن أن تصل بنا إلى مستويات أعمق في الفهم تعجز عنه مقاربات أخرى مهما توسلت به من أدوات وتقنيات. مشارط المناهج الكمية وحتى المعالجات السوسيولوجية لا يمكنها الوصول إلى الدوافع المعقدة للفعل الإرهابي، لكن الخيال الأدبي المعزز بالمعارف السيكولوجية يمكنه أن يفعل ذلك.

الجميع قرأ عن جريمة سبي الفتيات الأيزيديات سواء في تقارير المنظمات الحقوقية، أو الأوراق البحثية، أو التقارير الصحفية، وهي مواد غنية بالأرقام الإحصائية والوقائع المجردة في رصد الجريمة وحيثياتها، بل توجد أيضا وثائق مسربة عن داعش تناولت ما حدث، لكن هل كان كل ذلك كافيا لاستيعاب ما جرى؟ شخصيا قرأت كل ما سبق وكنت أنظر إلى جريمة السبي كحلقة من سلسلة الفظائع التي ارتكبتها الأيادي الآثمة لداعش، لكن عندما قرأت كتاب نادية مراد "الفتاة الأخيرة" تغيرت نظرتي كليا إلى الجريمة.

لقد أعادت تقنيات السرد الأدبي بناء المأساة بتفاصيلها المريرة، كما لم تفعل أي تقنية معرفية أخرى. وأجادت كاتبة سيرة نادية مراد المتمرسة في السرد الصحفي صياغة نصها مازجة بين الصحافة والأدب على طريقة صاحبة نوبل سفيتلانا ألكسندروفنا. وتبدى الدواعش في نصها ككائنات شبقية مميتة، لا تعرف الرحمة سبيلا إلى قلوبها، ولا تتحرج في التناوب على اغتصاب فتاة مسكينة، منتهكة بذلك حتى "قوانينها" التي وضعتها لتأطير السبي وتنظيم أسواق النخاسة.

السرد الصحفي عندما يتناول أحداثا ما، لا يكتفي فقط بوصف معالمها واستنطاق شهودها بل يعيد تمثيل الأحداث بما اكتنفها من مشاعر وأحاط بها من ملابسات، دون أن يغفل عن أي تفصيلة قد يظنها الكثيرون غير مهمة، (الفستان المثير الذي أمر الحاج سلمان نادية مراد بارتدائه وهي تخدم ضيوفه قد يبدو تفصيلة تافهة ولكنه في الواقع مفتاح مهم لفهم شخصية أحد كبار قضاة داعش في الموصل). باختصار السرد الصحفي، لا يرمم الوقائع فحسب بل يعيد إليها الحياة أيضا.

 

عار  داعش

 

عندما تحدثت نادية مراد عن تفاصيل معاناتها مع الاغتصاب في أرض الخلافة المزعومة، فإنها لم توثق فحسب واحدة من أسوأ الجرائم ضد الإنسانية في العقود الأخيرة، ولكنها أيضا قدمت للخبراء النفسيين مادة ثمينة يمكن أن تساعد في فهم الدوافع العميقة التي انطوت عليها سلوكيات عناصر تنظيم داعش. في سوق السبايا الذي فتحه الدواعش، خافت نادية أن يشتريها عنصر ضخم الجثة بملامح مخيفة يدعى "سلوان" فقررت أن تعرض نفسها على رجل بدا لها وقورا في هيئة معتدلة حظي باحترام الحاضرين يدعى "الجاج سلمان" ويعمل قاضيا كبيرا في الموصل. في منزل هذا القاضي "الوقور" ستتعرض نادية لمزيج مريع من الممارسات السادية والشاذة تليق بقاتل متسلسل. وسيستغرب القارئ كيف تمكن هذا الرجل من إخفاء شخصيته المضطربة وغرابة أطواره في هيئة من الزهد والوقار.

تنقلت نادية بين أعضاء آخرين في التنظيم تفاوتوا فقط في مستويات الاضطراب التي طبعت سلوكهم. فتعرضت للاغتصاب في البيوت ونقاط التفتيش، وتناوب عليها أكثر من عنصر في وقت واحد، تعرضت للضرب والإهانة وأجبرت على التفاعل مع نزوات الحاج سلمان الشاذة. لقد كان الجنس دافعا أساسيا من دوافع العنفوان الداعشي، وحتى عندما يستقل أحدهم عربته المفخخة فإنه يرى في زر التفجير عصا سحرية ستلقي به بين أحضان الحور العين، ولا يعبأ بعد ذلك بفداحة ما سيخلف وراءه من خسائر.

عندما اجتاح تنظيم داعش المدن والقرى السورية ودخل في معارك ضارية مع الفصائل السورية، روج عناصره على نطاق ضيق لفتوى تجيز لهم ما سموه "سبي نساء المرتدين" وانخرط أنصاره وشرعيوه في جدل فقهي على منصات التواصل الاجتماعي حول وجاهة الفتوى وصلاحيتها. والفتوى عبارة عن ضوء أخضر لشن حملات اغتصاب ضد النساء في سوريا بعد اقتحام المناطق المحسوبة على فصائل المعارضة. أخذت بعض العناصر بالفتوى وسجلت حالات سبي "اغتصاب" محدودة في بلدة صوران في ريف حلب الشمالي في مايو 2015. تدخل أبو ميسرة الشامي القيادي البارز في التنظيم وألغى الفتوى، ونشر بدلها مقالا بعنوان "بلغوا نساء الصحوات أنهن طوالق" أكد فيه وقوع الطلاق بين عناصر الفصائل السورية وبين زوجاتهم، وأن أي علاقة ستقوم بينهما هي علاقة "زنا وأولادهم أولاد زنا"، بسبب تكفير داعش لمقاتلي فصائل المعارضة.

إلغاء فتوى السبي لم يكن عن قناعة شرعية أو أخلاقية بل لتداعياتها السلبية على التنظيم نفسه، فهو بحاجة إلى تحسين صورته أمام القبائل العربية والمجتمعات السنية لاستقطاب عناصر جدد لصالحه.

نقطة مهمة أشارت إليها نادية مراد في كتابتها وقد لا يلتفت إليها الكثيرون وهي أن التنظيم كان مصمما على تنفيذ جريمة السبي والإبادة ضد الأيزيديين وحريص على منع حدوث أي طارئ يحول دون ذلك. فهو مثلا لم يخير الأيزيديين بين الإسلام أو القتل كما روج في إصداراته، لأنه كان يخشى أن يسلموا فترتبك مخططاته.

تقول نادية في كتابها أن التنظيم بعدما جمع العوائل الأيزيدية في المدرسة خيرها بين الإسلام وبين النزوح إلى جبل سنجار، فاختارت النزوح إلى الجبل، فشرع فورا في فرز الفتيات الصغيرات وساق البقية إلى حتفهم. كانت خدعة دنيئة من التنظيم، فهو يدرك أن العوائل المرعوبة ستختار الجبل بحثا عن الأمان في ذلك الموقف العصيب.

 

إخفاء الجريمة

 

لم يتردد التنظيم يوما في توثيق أبشع جرائمه وبثها في الإعلام، لكنه فيما يتعلق بالسبي كان لافتا حرصه على كتمان كل ما يتعلق به وحصره في أضيق نطاق. ومن بين مئات الآلاف من المواد النصية والمرئية التي أصدرها توجد فقط مطوية مختصرة عن السبي والرقاب، وبعض المقالات التي تتحدث عن السبي بشكل عام. كان يدرك أنه مهما حاول شرعنة ما قام به فسيظل في ضمير المسلمين والعالم جريمة اغتصاب لا أكثر.

في الأسابيع الأخيرة، سرب منشقون عن التنظيم وثيقة سرية زكت بعضا مما أوردته نادية مراد في كتابها، فقد ذكرت مثلا أن التنظيم يمنع كليا جمع أكثر من "سبيتين" في بيت واحد، كما يحظر على ملاك السبايا تمكينهن من أي وسيلة اتصال مهما كانت، ويعاقب عقوبة رادعة كل من يخالف هذه الشروط و"تصادر" منه سبيته أيضا! فقد صدر تعميم داخلي عن اللجنة المفوضة في مارس 2016 موقع من عبد الله قرداش وموجه إلى كافة "الولايات" بشأن التعامل مع السبايا جاء فيه: "لا نقبل البتة جمع الأخوة سباياهم في بيت واحد أو في المضافات والمقرات. فعلى صاحب السبية أن يأخذ سبيته إلى بيته الذي فيه أهله.. فمن وجدناه قد خالف هذه الضوابط فسيحال إلى المحكمة الإسلامية ويعاقب عقوبة تعزيرية". وعن تمكين السبية من وسائل الاتصال جاء في الوثيقة: "من وجدناه قد أعطى لسبيته هاتفا، أو سهل لها الاتصال الهاتفي، أو استعمال النت فستصادر السبية مباشرة من قبل الوالي أو أمير الديوان أو أمير الهيئة".

 

ضحايا صامتون

 

تمكنت نادية مراد من تجاوز محنتها وحملت ندوبها بشجاعة إلى منصة نوبل حيث رآها العالم أجمع. وكانت معجزة أن تتحول فتاة صغيرة إلى أيقونة عالمية تحكي عن مأساتها  في الإعلام العالمي.

لكن ماذا عن قصص الضحايا التي لم يسمع بها أحد؟ ففي اللحظة التي شن فيها التنظيم حملة الإبادة ضد الأيزيديين في سنجار ونفذ بحقهم إعدامات جماعية بالرصاص، كانت خناجره تقطع رقاب مئات الأبرياء من قبيلة الشعيطات شرق سوريا، فكم من حالة اغتصاب حصلت في حملته تلك ولم يسمع بها أحد؟ وحتى الآن، تتعرض عشرات القرى المسيحية في وسط إفريقيا لحملات إبادة امتلك التنظيم ما يكفي من الجرأة لتوثيق بعضها وبثها في منصاته الرقمية.

في مارس 2017، نجحت القاعدة في إبرام تحالف موسع جمع عددا من التنظيمات الجهادية في جماعة واحدة سميت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي
الإرهاب في مالي.. جرائم يتجاهلها العالم وتغطيها رمال السياسة المتحركة
في بؤر الصراع الأهلي عبر العالم، يكون الاغتيال السياسي وتفجير العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والانتحاريون نمطا سائدا في يوميات النزاع. أما في مالي فإبادة القرى يكاد يكون أسلوبا مفضلا لدى مختلف التنظيمات المسلحة والمجموعات العرقية والقبلية المنتشرة هناك.

إذا كان بعض عناصر التنظيم لم يجدوا حرجا في التحرش واغتصاب إخوانهم ورفاقهم "المردان" في "الدورات الشرعية"، فبوسعك أن تتخيل ماذا سيصنعون بمن يعتبرونهم خصوما للدين. في 17 ديسمبر 2018 قام متشددون موالون لتنظيم داعش بذبح سائحتين إسكندنافيتين في منطقة توبقال وسط المغرب، وطبعا قبل تنفيذ جريمة الذبح التي وثقوها بالفيديو تناوبوا بوحشية على اغتصاب الضحيتين. وقد اعترفوا في المحكمة بجريمتهم وطلبوا العفو والصفح. لو أطلقت حملة واسعة النطاق على غرار حملة Me Too في المناطق التي انسحب منها تنظيم داعش، ووضعت آليات لتمكين الضحايا من الإدلاء بشهادتهن، ولو بهويات محجوبة مراعاة للخصوصية الاجتماعية والثقافية التي تحتفي بالصمت، وتدين البوح في قضايا العرض والشرف، فلا شك أن العالم سيسمع عن فظائع لا نظير لها، وسيسمع لأول مرة في التاريخ عن طائفة تتقرب إلى الله بالاغتصاب.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.