لا يوجد قيادي في تنظيم داعش ترك بصمته في التنظيم بقناعاته المتشددة وأدائه القيادي واسع الصلاحيات، كما فعل أبو محمد الفرقان. تأثير "الفرقان" لم يبدأ فقط مع إعلان "الخلافة" وصعود التنظيم في منتصف العقد الماضي، بل كانت له أدوار مبكرة بأسماء مستعارة حتى قبل إعلان الزرقاوي بيعته لتنظيم القاعدة في 2004 ووضع النواة الأولى لما سيصبح لاحقا أكبر تنظيم إرهابي في العالم. "أبو سجاد" و "أحمد الفياض" و "أبو عبيدة عبد الحكيم" و"أبو محمد الفرقان" أسماء حركية مارس بها الرجل نفوذه، ورسخ بها تأثيره في كوليس التنظيم. لم يكن بحاجة إلى الظهور، بل كان بمثابة المخرج الذي يكتب النصوص ويوزع الأدوار، ويتدخل كلما أحس أن العرض لا يسير كما يريد. ومع كل هذا النفوذ الواسع، لا توجد للفرقان إلا صورة يتيمة، وبجودة سيئة، نشرتها داعش عقب مقتله عام 2016.
نشاط مبكر
طبعت نزعة من التشدد قناعات وائل عادل حسن الفياض، الاسم الحقيقي لأبي محمد الفرقان منذ سنوات دراسته في جامعة بغداد عندما كان متأثرا بأفكار محمد بن عبد الوهاب وأحفاده من "أئمة الدعوة النجدية". وبدخول الأميركيين إلى العراق كان الحافز النظري لمواجهتهم جاهزا في وعي "الفرقان" بما تشبع به من أفكار السلفية الوهابية التي وجهت سهام نقدها أكثر إلى ما سمتهم "طوائف الردة"، واحتفت بمفاهيم "الولاء والبراء" و"نواقض الإيمان". وستكون هذه الأفكار أساسا عقديا لحرب طائفية وأهلية فتح فيها "الفرقان" النار على أقرب المقربين إليه ممن خالفه حتى في بعض المسائل العقدية الدقيقة.
قبل أن تتبلور جماعة الزرقاوي في العراق، انضم الفرقان إلى جماعة "أنصار الإسلام" الكردية وساعدها على التموضع في العراق وإعادة هيكلة نفسها باسم "جماعة أنصار السنة"، ثم التحق بجماعة التوحيد والجهاد بزعامة الزرقاوي، وتولى مهمة الإعلام فيها، واستمر في مهمته بعد تأسيس تنظيم القاعدة في العراق حيث أصبح مسؤولا عن القسم الإعلامي. في هذه الفترة، قرر الزرقاوي الظهور لأول مرة بوجه مكشوف فاستدعى " الفرقان" من بغداد ليكون مشرفا على تصوير المشاهد التي سيظهر فيها، وفي الطريق إلى مهمته الخطيرة هذه سيلقى القبض عليه ويودع السجن.
خرج من السجن فوجد المشهد قد تغير بمقتل الزرقاوي والإعلان عن تنظيم "دولة العراق الإسلامية". وفي 2009، عينه أبو عمر البغدادي (زعيم التنظيم قبل أبو بكر البغدادي) وزيرا للإعلام ومسؤولا عن مؤسسة "الفرقان"، وعمل في هذه المرحلة باسم " أحمد الطائي". تعرضت مؤسسة "الفرقان" لنكسات كثيرة بسبب اكتشاف السلطات الأمنية العراقية لمقراتها السرية، وانعدام الكوادر التقنية المدربة. فقرر "الفرقان" تأهيل نفسه تقنيا من خلال مواد إرشادية متاحة على شبكة الإنترنت، وتمكن بواسطتها من تطوير مهاراته الإخراجية. أخذ الرجل بعد ذلك على عاتقه إعداد إصدارات المرئية لتنظيم "دولة العراق الإسلامية" وتولى بنفسه تحرير الأفلام وإضافة المؤثرات البصرية واعتماد نسخها النهاية، وهو المسؤول شخصيا عن أكثر أفلام التنظيم فظاعة ووحشية بما فيها الأجزاء الثلاثة الأولى لـ"صليل الصوارم".
قبضة من حديد على "ديوان الإعلام"
بعد إعلان داعش عن "خلافته" واجتياح التنظيم لمساحات شاسعة في العراق وسوريا، برز "ديوان الإعلام المركزي" كذراع دعائية بصلاحيات واسعة. فأصبح العمل أكبر مما يستطيع الفرقان تأديته بنفسه، وصارت المواد المرئية والنصية والصوتية تصدر كل يوم، وظهرت مؤسسات دعائية متعددة مكلفة بمهام النشر الخارجي بمختلف اللغات. ورغم هذه الطفرة الدعائية التي حدثت نتيجة التحاق عشرات الكوادر المتعلمة في الجامعات الغربية بالتنظيم إلا أن قبضة الفرقان على إعلام داعش بقيت قوية. واللافت أنه قام بتوزيع الكوادر الوافدة على مفاصل ومؤسسات الجهاز الإعلامي الضخم الذي شيده وبقيت مؤسسة الفرقان تابعة له شخصيا، ولا يمكن لأي خطاب رسمي لأمراء داعش أن يخرج إلا عبرها، والأمر يشبه محاولة تحصين مؤسسة تلفزيونية رسمية تحسبا لأي انقلاب وشيك، وعناصر التنظيم وأنصاره لا يثقون إلا في خطابات المؤسسة ولا يبايعون إلا من يطل عليهم عبرها.
حول الفرقان "ديوان الإعلام" الداعشي إلى معقل له ولأنصاره، ومارس من خلاله رقابة صارمة على كل ما ينشر ويبث باسم داعش، متصديا لكل ما يمكن أن يمثل سلطة موازية داخل التنظيم، أو جيوبا تغرد خارج سربه.
ولما بدأ "الشيوخ" و"الشرعيون" في داعش في تحرير "النصوص الشرعية" وإصدار الفتاوى واستقطاب المريدين تحت مظلة ما سمي حينها "مكتب البحوث والدراسات"، وقف الفرقان في وجههم. ووظف معرفته السابقة بأفكار الدعوة النجدية في الرد والتعقيب على كثير من المقالات والفتاوى التي أصدروها، لاسيما تلك المتعقلة بالخلافات العقدية.
تجاوز الفرقان صلاحياته وتخصصه، وأصدر في 29 مايو 2016 بيانا بعنوان "حكم المتوقف في تكفير المشركين" كان بمثابة التأسيس لمرحلة جديدة من عمر داعش. كرس البيان فكرة "التكفير بالتسلسل"، والقول بردة الشعوب التي تنتخب زعماءها، وأصل لعدم الحكم بإسلام أي فرد في العالم الإسلامي قبل امتحان عقيدته والتأكد من صحة توحيده! أثار البيان حفيظة تيار "الشرعيين"، أو من يطلقون على أنفسهم "طلبة العلم"، في التنظيم وكتبوا عدة رسائل احتجاج إلى البغدادي و"اللجنة المفوضة" (أعلى هيئة في داعش)، محذرين من تداعيات البيان، وأن ما ورد فيه يمثل مخالفة صريحة لقناعات مؤسسي التنظيم لكن دون جدوى. والبيان في الواقع عبارة عن نص مختزل جدا، وأي جريمة إبادة جماعية يمكن أن يكون أرضية نظرية لها.
محاكم التفتيش
وجد الفرقان أن العشرات ممن يسمون بـ"الشرعيين" قد التحقوا بالتنظيم قادمين من مختلف أنحاء العالم، وشرعوا في كتابة العشرات من الكتب والمقالات باسم بالتنظيم، وتبوأ أكثرهم مناصب حساسة فيه، وبعضهم يستشيره البغدادي في شؤونه الشخصية. ولا يخفي الفرقان ازدراءه لهذه الفئة. قال يوما: "الدولة لم تقم على الشرعيين، وما ضيع الدولة إلا الشرعيون"، كما ينقل عنه قيادي في داعش في كتاب أصدره بعد انسحابه. وإضافة لما قد يمثلونه من سلطة رمزية منافسة، فإن كثيرا منهم أيضا يحمل أفكارا تخالف الأفكار التي يرى الفرقان أن التنظيم قام عليها، وبالتالي وجد أن الحاجة ملحة لتأسيس "محكمة تفتيش" تأخذ على عاتقها مهمة فحص القناعات العقدية لعناصر التنظيم ومسؤوليه خصوصا من طبقة "الشرعيين"، فأسس "لجنة الرقابة المنهجية" وأسند إليها مهمة عقد جلسات استجواب الماثلين أمامها، ووضع عليها أقرب المقربين إليه وهما شعبة المصري وأبو ميسرة الشامي.
حققت اللجنة مع العشرات من "الشرعيين"، بمن فيهم قادة كبار كتركي البنعلي وأبي بكر القحطاني، ووجهت إليهم أسئلة حول أدق المسائل العقدية التي يعتنقونها، ومن قدم منهم جوابا على غير الوجه الذي تتوقعه منه، أو وجدت عنده قناعة لا تتفق مع ما تعتقد أنه " التوحيد الخالص" وهو بالمناسبة عنوان كتاب كتبه الفرقان فإن أمامه خيارين: إما التراجع عن قناعاته بعد إحالته على جلسة استتابة أو أن يتم إعدامه. وقد جرى فعلا تصفية الكثير من "الشرعيين" بعد هذه الجلسات وبعضهم تراجع عن أفكاره حفاظا على حياته. وفي النهاية، تحققت رغبة الفرقان وتم حل "مكتب البحوث والدراسات" ومطاردة من تبقى من كوادره وألغي العمل بالفتاوى والتوجيهات التي أصدروها.
كانت فكرة "لجنة الرقابة المنهجية" غير مسبوقة وغريبة على نحو مثير، وتعبر عن هاجس الخوف من اختطاف التنظيم من طرف غرباء مجاهيل قدموا من مختلف أصقاع الأرض، هاجس عبر عنه بوضوح "حجي حامد" (سامي جاسم محمد الجبوري) بالقول: " ما ننطيها.. ما نعرف قرعة أبوهم منين يجون ياخذونها منا". هذا من جهة من جهة أخرى، كان الفرقان يريد من "جلسات التفتيش" هذه كسر كبرياء الشرعيين وتحطيم رمزيتهم في عيون أتباعهم لتطويق نفوذهم والحد من تأثيرهم.
الولايات البعيدة
إلى جانب إشرافه على منظومة الدعاية المتشعبة للتنظيم، وفرض قناعاته المتطرفة على كوادره عبر البيانات المثيرة للجدل التي أصدرها، أدار الفرقان أيضا "مكتب إدارة الولايات البعيدة"، ومهمته التواصل مع فروع التنظيم الموجودة خارج العراق وسوريا وتوجيه أمرائها والرد على أسئلتهم واستفساراتهم. وكان يوقع رسائله إلى قادة هذه الولايات باسم "أبو عبيد عبد الحكيم". ويظهر من الرسائل التي تم تسريب بعضها أن الرجل حريص على معرفة كل التفاصيل المرتبطة بعمل "الولايات" ويطلب موافاته بتقارير مطولة عن أوضاعها، وعندما تأتيه استفسارات معينة يجيب على بعضها من تلقاء نفسه، ويحيل بعضها الآخر على من سماهم "المشايخ" ويقصد البغدادي والمقربين منه.
لقد كان الفرقان أميرا للجنة المفوضة في وقت من الأوقات، وتمتع بصلاحيات واسعة لم تترك خيارا للمعارضين له سوى الإذعان لسياسته أو التواري عن الانظار. كان يرى في نفسه وصيا على ما يا يسميها "الدولة" ومعنيا بتمثيلها والتحدث باسمها، وبالتالي لم يكن يرى مشكلة في شخصيته العابرة للتخصصات عندما أشرف على "الإعلام"، و"الولايات البعيدة"، و"المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية" و"لجنة الرقابة المنهجية" و"اللجنة المفوضة".
يرتبط الطبيب في وعي الناس بالأمل والحياة، ويمثل في خيالهم نقيضا للألم والمعاناة. لكن "الفرقان" بصفته طبيبا للأطفال كرس حياته ومؤهلاته لجعل أكبر عدد من الناس يعانون، ولم يجد حرجا في توثيق مشاهد القتل الفظيعة وحفلات الإعدام بدم بارد وإخراجها فنيا بأوضح صورة.
قتل "الفرقان" في نهاية 2016 لكن أتباعه مازالوا مسيطرين على الإعلام، ومازال التنظيم يعتمد العمل ببيانات التوحش التي صاغها قبل رحيله.
