لا تتردد بعض الجماعات المتطرفة في تحريم كرة القدم وحتى تكفير لاعبيها.
لا تتردد بعض الجماعات المتطرفة في تحريم كرة القدم وحتى تكفير لاعبيها.

ينظر العالم إلى كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى، كنشاط يجمع بين الرياضة والمتعة والتنافس، مع طابع استثماري نتيجة تدخل شركات الرعاية، والماركات العالمية، وصفقات الاستحواذ على اللاعبين والأندية وبيع حقوق البث وغيرها.

 لكن لبعض الجماعات المتشددة في العالم الإسلامي رأي آخر حول كرة القدم، فهي في رأيها ليست رياضة بريئة ومتعة خالصة، بل ممارسة شعائرية وطقسا تعبديا قد يهبط بأصحابه إلى أسفل درجات الجحيم!.

وبلغ التشدد ذروته عند بعض هذه الجماعات عندما اعتبرت حكام المباريات "طواغيت" يحكمون بغير ما أنزل الله، واللاعبين "عبادا للطواغيت" لأنهم " ينصاعون لقراراتهم"، وذلك ضمن قائمة طويلة من المحرمات و"المفاسد" التي تتصل بلعبة كرة القدم.

 

مواقف سلفية

 

تناول شيوخ التيار السلفي رياضة كرة القدم في كم لا يحصى من المقالات والفتاوى على امتداد العقود الماضية، لكن المادة الأكثر شمولا وتفصيلا كانت كتاب "حقيقة كرة القدم" لكاتبه ذياب بن سعد الغامدي في أكثر من 600 صفحة، وخصصه لجرد ما اعتبرها "المخالفات الشرعية" المرتبطة بما سماها "اللعبة الشيطانية" التي أصبحت "منبع الضلالة، ومنجم الجهالة، فمنها نشأت سحائب الغواية، وإليها تقاد خبائث العماية".

واللافت أن الكتاب تناول بتوسع كبير تفاصيل صغيرة جدا أناط بها أحكامه المحرمة للعب كرة القدم أو حتى مشاهدة مبارياتها ومتابعة أخبارها.

تدرج الكاتب في تحريم اللعبة من اعتبارها لعبة مؤطرة بقوانين مخالفة للشريعة الإسلامية إلى كونها سببا في محرمات أخرى مثل كشف عورة اللاعبين، وخضوعهم لجلسات التدليك المحرم.

الملفت أيضا أن ذياب يفرق فيما يتعلق بقوانين كرة القدم بين القوانين الإدارية "المباحة" مثل عدد اللاعبين ووقت المباراة وأشواطها وبين "القوانين المحرمة" التي تصل إلى حد الكفر والردة وهي المتعلقة بالإنذارات والعقوبات الناتجة عن الإصابات والجروح داخل الملعب.

هذه العقوبات، حسبه، مشمولة بنظام العقوبات الإسلامي، فأحكام القصاص والديات بالنسبة له هي التي يجب أن تكون أساسا لهذه القوانين.

ويرى ذياب أن أي لاعب "مسلم" أذعن راضيا لعقوبات الحكم في هذا الجانب فقد كفر وخرج عن ملة الإسلام، ولم يوضح الكاتب كيف يمكن تطبيق الفقه الجنائي الإسلامي على منافسة رياضية بحتة، وكيف سيؤدي اللاعب أو ناديه "دية" الإصابات التي تسبب بها!

أحكام الكفر لم تنل اللاعبين فقط، بل جماهير المشجعين أيضا، فتشجيع نادي أجنبي ما، ومتابعة مبارياته بحماس يؤدي بصاحبه إلى "الموالاة المكفرة" طبقا لعقيدة "الولاء والبراء" التي تفرض على المسلم تقديم دعمه وولائه للمسلمين فقط.

ثم استرسل ذياب في سرد عشرات المخالفات الشرعية التي رأى أن اللاعبين والمشجعين على حد سواء يقعون فيها، منها تكريس "العصبية المحرمة"، ونظر النساء إلى اللاعبين، وهدر الأموال، والتطبيع مع بعض الممارسة المحرمة مثل التصفيق والتصفير والهتافات.

ولعل أكثر مواقف الشيخ غرابة ما عده "ترويعا وتخويفا للمسلم" وأورد نصوصا شرعية كثيرة تدل على حرمته في الإسلام، هو ما يفعله بعض اللاعبين من الإيهام بعزمه تسديد الكرة بقوة بحيث ينحني خصمه حتى لا تصطدم الكرة بوجهه أو مناطق جسمه الحساسة، ليتراجع اللاعب عن التسديد مفضلا المراوغة بالكرة بعيدا. واعتبر الشيخ هذا من الترويع المحرم شرعا، ويجب على اللاعبين تجنب هذا الأسلوب.

 

موقف داعش

 

أصدر مكتب البحوث والدراسات التابع لتنظيم داعش، ويعتبر الجهة الرسمية المخولة بإصدار الفتاوى الدينية الملزمة لعناصره قبل أن يتم حله في سياق الصراع بين تياراته؛ كتابا مختصرا حول حكم كرة القدم تحت عنوان "مداد القلم في حكم لاعبي كرة القدم".

تتقاطع كثير من آراء الكتاب مع تلك التي عبر عنها ذياب في كتاب "حقيقة كرة القدم"، غير أن  تنظيم داعش ركز أكثر على الجانب المتعلق بـ"الحكم بغير ما أنزل الله"، معتبرا أن "قانون الكرة قد أخرج حكم الجنايات التي تكون بين اللاعبين من أبواب القصاص والديات والعفو في شرع الله تعالى إلى أبواب البطاقات الصفراء والحمراء وركلات الجزاء في شرع كرة القدم والاتحادات المنظمة لها.. وهذا كفر أكبر ناقل عن ملة الإسلام من باب الحكم والتحاكم، وهو من صور الحكم بغير ما أنزل الله والتحاكم إلى شريعة الطاغوت المناقضة لشرع الله".

وحكم الكتاب بكفر جميع الأندية والمنتخبات التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم لأنها أقرت بالقوانين المؤطرة للعبة، وأخرج من دائرة الكفر الفرق الصغيرة التي تلعب في أحياء المدن لكن بشرط ألا تعتمد على القوانين المعروفة في المباريات وتلتزم بالضوابط الشرعية في اللعبة.

وحاول مؤلف الكتاب وضع "تصور مشروع" لكرة القدم مع اعترافه باستحالة ذلك، مثل اعتماد قوانين مستمدة من الشريعة، واستحضار نية الاستعانة بهذه الرياضة في رفع اللياقة البدنية، وتجنب المشاهدين للتشجيع المحرم، وإقامة المباريات خارج أوقات الصلاة وغيرها.

تفاعل أنصار داعش على منصات التواصل الاجتماعي مع بطولة كأس العالم المقامة في قطر من خلال إعادة نشر فتاوى شيوخ التنظيم المحذرة من "مفاسد" كرة القدم، لكنهم رأوا في هذه التظاهرة العالمية مناسبة لنشر موادهم الدعائية عبر استغلال الهاشتاغات المتصدرة ودس روابط تحيل على وسائط تمجد التنظيم لضمان وصولها إلى أكبر عدد ممكن من مستعملي الإنترنت.

ودأب رواد المجموعات المناصرة لداعش على تذكير بعضهم البعض بالفرصة النادرة التي يمثلها كأس العالم على صعيد الترويج "لخلافتهم" المزعومة على شبكة الانترنت، وقد جهزوا مئات الحسابات على تويتر وفيسبوك ومئات من الأرقام الهاتفية الوهمية ووضعوها رهن إشارة من يريد المشاركة في ما يسمونه "حملة غزو الهاشتاقات" إضافة إلى تنسيق عشرات المواد بلغات مختلفة وضبطها لتكون مناسبة للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث لا تتطلب من المشاركين في الحملة سوى نسخها ولصقها.

 

موقف القاعدة

 

يلاحظ أن كل جماعة وتيار إسلامي يقرأ بطولة كأس العالم من المنظور الذي يوافق توجهاته واستراتيجيته، فداعش تعتبرها دليلا على انتشار "المكفرات" وشيوع "عبادة الطاغوت" في أوساط الشعوب، والتيارات السلفية التقليدية تعتبرها دليلا على ضياع البوصلة في المجتمعات وحاجتها إلى مزيد من الجهود الدعوية لوضعها على "الطريق القويم" (موقف ياسر برهامي ويونس مخيون نموذجا)، وتيارات الإسلام السياسي رأت في البطولة اعترافا بمكانة دولة قطر في العالم، وانخرطت في حملات الدعم والتأييد للبطولة باعتبارها مناسبة لتعريف الأجانب بالثقافة العربية والهوية الإسلامية.

أما تنظيم القاعدة فظل وفيا لتوجهاته القديمة المتمثلة في التحذير من "احتلال جزيرة العرب" ونزول "المشركين" بها حسب أدبياته.

ففي بيان أصدره بمناسبة بطولة كأس العالم، عبر تنظيم القاعدة عن استنكاره لما سماه "الغزو الإباحي لجزيرة العرب" ورأى أن بطولات كأس العالم "لم تعد كما كانت مجرد سباقات رياضية واستباقات بدنية، بل هي أدوات فكرية ووسائل فلسفية لصبغ سكان الأرض بالإباحية وطمس الفطرة السماوية".

في الواقع، لم يكن تنظيم القاعدة يوما مهتما بالتظاهرات الرياضية، ولم يصدر أية فتوى بشأنها من قبل، لكنه رأى في مونديال قطر فرصة للتذكير بتوجهاته، ومناسبة لتجديد إدانته للأنظمة في منطقة الخليج.

كشف الموقف من كرة القدم عن وجود هوة شاسعة بين التيارات الإسلامية الموسومة بالتشدد وبين الشعوب العربية والإسلامية، فاللعبة الأكثر شعبية داخل المجتمعات العربية ويتابعها الملايين بشغف وحماس لا نظير لهما تعتبرها هذه التيارات "مؤامرة صهيونية" هدفها إفساد الشعوب كما جاء في كتاب "حقيقة كرة القدم" و "مداد القلم" وغيرهما

وقام شيوخ هذه التيارات بإسقاط نصوص دينية خاصة بمباحث العقيدة والتوحيد والإيمان على نشاط رياضي بحت، وحكموا انطلاقا منها على ممارسي اللعبة ومشاهديها وعشاقها بالكفر والردة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.