سيتذكر "الجهاديون" عام 2022 كواحد من أسوأ الأعوام على جماعاتهم، فقد شهد اغتيال قادة في الصف الأول ومؤسسين ملهمين، واحتدامَ الصراع بين جماعات موالية للقاعدة وداعش في الساحل وغرب وإفريقيا، وخسارة حركة الشباب لمناطق استراتيجية في الصومال.
لكن هذا العام شهد أيضا أول عملية انتحارية لتنظيم داعش في اليمن في 10 يوليو الماضي بعد جمود دام لأكثر من عامين، إضافة إلى ضربه في العمق الإيراني في 26 من أكتوبر الماضي عندما استهدف مرقد أحمد بن موسى الكاظم في مدينة شيراز جنوب إيران مخلفا قتلى وجرحى.
مقتل خليفتين
في فبراير الماضي، أعلنت الولايات المتحدة مقتل أبو إبراهيم الهاشمي زعيم تنظيم داعش في عملية إنزال جوي على منزله في بلدة أطمة شمال غرب سوريا.
ولم تمض سوى بضعة أشهر، وبالتحديد في 17 أكتوبر الماضي، حتى نجح مقاتلون سوريون في تصفية خلفه أبي الحسن الهاشمي في بلدة جاسم بمدينة درعا جنوب سوريا لتؤول قيادة داعش إلى المسمى أبو الحسين الحسيني القرشي؛ الشخصية المجهولة التي لم تتضح هويتها الحقيقية بعد.
وكان مقتل زعيمين في عام واحد تطورا غير مسبوق في الحرب على داعش، فقد درجت العادة أن يعمر الأمراء لسنوات في مراكزهم القيادية نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي تحيط بتحركاتهم، واللافت أن الرجلين من أكثر القيادات انطواء وكمونا من الناحية الأمنية، فلم تنشر صور حديثة لهما ولم يظهرا في أي تسجيل مرئي أو حتى صوتي، بل إن أبا الحسن الهامشي لم تعرف هويته الحقيقة إلا بعد مقتله، ومع ذلك جرى تحييدها في زمن قياسي، في مؤشر على انحسار الملاذات الآمنة لدى التنظيم.
إلى جانب "الخليفتين"، سقط أيضا قادة آخرون في الصف الأول لداعش أبرزهم أبو حمزة القرشي الناطق الرسمي السابق باسم داعش الذي أحجم التنظيم عن توضيح ملابسات مقتله، إضافة إلى أبو ياسر اليمني مسؤول الأسلحة والعبوات والمنسق بين ولايتي العراق وسوريا.
ونجحت قوات التحالف الدولي في يونيو الماضي في اعتقال أحد القادة الكبار في عملية إنزال جوي على مدينة جرابلس شمال سوريا، ولم يكشف التحالف عن هوية الموقوف لكنه أشار إلى أنه "صانع قنابل يتمتع بالخبرة وأصبح أحد كبار قادة التنظيم في سوريا". وتكررت الإنزالات الجوية التي أدت إلى توقيف أو اغتيال قادة كبار في التنظيم في يوليو وأكتوبر الماضيين.
مقتل الظواهري
حملت سنة 2022 مفاجأة صادمة لتنظيم القاعدة وأنصاره، تمثلت في اغتيال زعيم التنظيم أيمن الظواهري بعد عقود من المطاردة انتهت في الحي الدبلوماسي وسط العاصمة الأفغانية كابل في 31 من يوليو.
وقد فسحت عملية الاغتيال المجال لجدل لم ينته بعد حول المرشحين لخلافته، ومصير تنظيم القاعدة بعد رحيله. فالرجل أخذ على عاتقه لسنوات طويلة مهمة التنظير وإصدار الكتب والمحاضرات الصوتية والمرئية إلى جانب مهامه القيادية الأخرى فضلا عن كونه شخصية عابرة للأجيال، وكان تقريبا حلقة الوصل الأخيرة المتبقية بين الجيل الأول من "الجهاديين" من تلاميذ سيد قطب وبين الجيل الحالي.
لم يسجل في عام 2022 سقوط قيادات رفيعة أخرى في القيادة المركزية للقاعدة، لكن جرى الإعلان عن تصفية شخصيات مهمة في "حركة الشباب" فرع القاعدة في الصومال، فقد أعلنت القيادة الإفريقية في القوات الأميركية "أفريكوم" في أكتوبر الماضي مقتل قائد بارز في الحركة في غارة جوية قرب مدينة جيليب على بعد نحو 400 كلم من العاصمة مقديشو بالتنسيق بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والولايات المتحدة.
وقالت الحكومة الصومالية إن مكافأة مالية قدرها 3 ملايين دولار سبق ورصدت مقابل معلومات تقود إلى الشخصية المستهدفة، في إشارة إلى مكانته المهمة داخل حركة الشباب ويتعلق الأمر بعبد الله نادر، أحد مؤسسي الحركة ومسؤول ملف الدعوة فيها.
اليمن، الذي كان على مدار السنوات الماضية، مسرحا نشطا لعمليات اغتيال متواصلة أسفرت عن تحييد معظم قادة الصف القيادي الأول في تنظيم القاعدة، استهل فيه التنظيم عام 2022 بخسارة أرفع قائد عسكري في صفوفه وواحد من أبرز قادته التاريخيين، فقد اعترف التنظيم في يناير الماضي بمقتل صالح بن سالم بن عبيد عبولان المعروف بأبي عمير الحضرمي الذي شارك في القتال ضد السوفييت وكان مرافقا لأسامة بن لادن، وحظي بمكانة متميزة في القاعدة. وقد نعته كل أفرعها في بيانات منفصلة.
وموازاة مع صعود قادة جدد إلى دوائر المسؤولية خلفا للقادة السابقين، أجرت الولايات المتحدة تحيينا لقائمة المطلوبين لها، فأعلنت في أبريل الماضي عن رصد مكافأة مالية تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى مكان وجود جابر البنا، وهو يمني يحمل أيضا الجنسية الأميركية وتتهمه الولايات المتحدة بتقديم دعم مادي لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
وقد تنامت أدوار إبراهيم البنا في الآونة الأخيرة مع توليه مسؤولية الجهاز الأمني في التنظيم وإطلاقه لحملات اعتقال داخلية واسعة وإشرافه على عمليات إعدام طالت من يتهمهم بالتجسس لصالح المخابرات الدولية.
حرب مستمرة ضد الشباب
حملت سنة 2022 تحديات كثيرة بالنسبة لحركة الشباب في الصومال، وهي من أقوى الجماعات المسلحة الموالية للقاعدة.
وفور انتخابه رئيسا للصومال في مايو الماضي، تعهد حسن شيخ محمود بشن حرب شاملة ضد حركة الشباب التي تسيطر على أجزاء واسعة في وسط وجنوب البلاد، وطالت عملياتها مناطق حساسة في العاصمة مقديشو لا تبعد كثيرا عن القصر الرئاسي.
وفي غضون أسابيع، أطلق الجيش الصومالي بالتنسيق مع حلفائه الإقليميين والدوليين عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت معاقل وتجمعات الحركة.
واستنادا إلى بيانات الحكومة الصومالية، فقد سقط مئات القتلى من الحركة وخسرت الكثير من معاقلها الاستراتيجية آخرها نجاح الجيش في استعادة السيطرة على منطقة "دار نعيم" الاستراتيجية وسط البلاد في 17 من ديسمبر الجاري ومدينة "أدن يبال" مطلع الشهر نفسه، وهي مدينة دامت سيطرة حركة الشباب عليها مدة 15 عاما.
وقد تكبدت حركة الشباب خسائر جسيمة خلال العمليات العسكرية التي أطلقها الجيش الصومالي على مدار الأشهر الخمسة الماضية. ففي العاشر من أكتوبر الماضي أعلنت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية عن سقوط 200 مسلح من حركة الشباب خلال عملية عسكرية للجيش بإقليم هيران وسط البلاد.
وفي 23 نوفمبر، أعلنت الحكومة أيضا مقتل 49 مسلحا في عملية عسكرية وجوية نفذتها الوحدات الخاصة بالجيش الصومالي، بالتعاون مع جهاز المخابرات والحلفاء الدوليين، استهدفت بلدة "بولو مدينة" بإقليم شبيلى السفلى جنوبي البلاد.
وفي مطلع ديسمبر، أعلنت قوات الأمن الصومالية القضاء على 40 عنصراً من الحركة خلال عملية عسكرية في بلدة مهداي بمنطقة شبيلي الوسطى أيضا.
ومع أن الجيش الصومالي بدا عازما هذه المرة على إنهاء معضلة "حركة الشباب" إلا أن سيناريو 2008 ليس مستبعدا عندما أخلت الحركة معظم مواقعها ثم عادت مجددا لتسيطر على أجزاء واسعة من البلاد.
تنافس في مالي
حملت سنة 2022 تطورات مهمة في مالي، البلد الإفريقي الذي يرزح منذ سنوات تحت وطأة الجماعات المسلحة وتعاقب الانقلابات العسكرية.
أبرز هذه التطورات انسحاب القوات الفرنسية من البلاد بعد تواجد دام تسعة أعوام في إطار عملية برخان التي حررت شمال مالي من قبضة الجماعات الجهادية.
وجاء الانسحاب نتيجة تفاقم الخلافات بين باماكو وباريس على خلفية الموقف الفرنسي من قرارات السلطة العسكرية الحاكمة.
وتسبب الانسحاب الفرنسي في تأجيج الصراع والتنافس على النفوذ بين تنظيمي داعش والقاعدة، وأدت الهجمات المتبادلة بين الطرفين إلى سقوط عشرات القتلى في الأشهر الثلاثة الماضية.
وقد شهدت مناطق شمال ووسط مالي اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة تابعة لـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية للقاعدة وبين تنظيم داعش، آخر فصولها ما أعلنت عنه جماعة نصرة الإسلام في 17 من ديسمبر الجاري، عندما نشرت إصدارا مرئيا وثق لمعارك ضارية بين الطرفين في منطقة "هاروم" قرب "تيسيت" أسفرت عن سقوط عشرات القتلى من داعش، وأظهرت لقطات صورت بواسطة طائرات مسيرة اتساع رقعة المعارك وخسائر فادحة مني بها الطرفين.
وفي 14 ديسمبر، أعلنت داعش مقتل أكثر من 100 عنصر في القاعدة خلال اشتباكات بينهما في منطقة ميناكا شمال مالي. وقبلها في 20 نوفمبر، أعلنت مقتل 80 عنصرا من "نصرة الإسلام" في معارك على الحدود مع بوركينا فاسو، هذا فضلا عن عشرات من القتلى الذين سقطوا من الطرفين وجرى الإعلان عنهم في بيانات نشرت منذ مارس الماضي.
