تقول فيسبوك إنها أنفقت في عام واحد ما يقارب 5 مليارات دولار على الأمن والسلامة.
تقول فيسبوك إنها أنفقت في عام واحد ما يقارب 5 مليارات دولار على الأمن والسلامة.

في فيلم "Predator" عام 1987، يتسلط كائن غريب بالكاد يمكن رصده بالعين المجردة على مجموعة من الجنود في مهمة إنقاذ بإحدى الغابات، ويقتل معظم عناصر المجموعة دون أن يدركوا ماهيته حتى.

في الأخير، استطاع قائد المجموعة (ارنولد شوارزنيجر) معرفة ميكانيزمات هذا الكائن وطبيعة حاسته الإدراكية ونجح في تمويه نفسه، ونَصَبَ كميناً محكما أدى في النهاية إلى القضاء على الوحش.

يبدو الفيلم مجازا فنيا معبرا عن قصة افتراس الخوارزميات لأنصار داعش على منصات التواصل الاجتماعي، لكنه يعبر أيضا عن سعيهم الدائم لتمويه نشاطاتهم، و"الصمود" لفترات أطول في وجه حملات الحذف التي لا تتوقف.

 

فيسبوك تترأس "منتدى الأنترنت"

 

أعلنت شركة "ميتا" المالكة لموقع فيسبوك أنها ستتولى اعتبارا من الشهر الجاري رئاسة مجلس منتدى الأنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، وهو عبارة عن منظمة غير حكومية تنضوي تحت مظلتها عدد من شركات التكنولوجيا غايتها مواجهة المحتوى الإرهابي على الأنترنت من خلال الأبحاث والتعاون التقني ومشاركة المعرفة.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

وافتخرت الشركة في مقال على مدونتها الرسمية بريادتها في مجال ابتكار خوارزميات متخصصة في التصدي للمحتوى المتطرف على منصاتها، وبإنفاقها في عام واحد ما يقارب 5 مليارات دولار على الأمن والسلامة يتولى مهام تجويدها حوالي 40 ألف موظف، إلى جانب فرق أخرى تضم مئات الموظفين المتفرغين لمهمة رصد المحتوى الإرهابي على المنصة والتعامل معه.

غير أن تصفح موقع فيسبوك وإجراء أبحاث دقيقة  في محركات بحثه يكشف عن حقيقة أن هذه المنصة التي يرتادها ملايين المستخدمين يوميا، ما تزال ملاذا لمروجي المحتويات الرقمية المرتبطة بتنظيم داعش. ويمكن من خلال بضع نقرات الوصول إلى إصدارات التنظيم المتنوعة، والحصول على تحديث يومي من "وكالة أعماق" التابعة له.

 

محتوى داعشي صريح

 

اللافت أن الكثير من المضمون التابع لداعش علي فيسبوك محتوى مكشوف، أي لم يجر التلاعب به أو تعديل كلماته لتضليل الخوارزميات، بل هو دعاية صريحة وإصدارات كاملة أنتجتها أذرع داعش الإعلامية. 

ويعود تاريخ إنشاء بعض الحسابات المروجة لهذا المضمون إلى بداية العام الماضي، أي أنها ظلت تضخ المواد المخالفة لسياسات الشركة على مدار أشهر دون أن تتعرض للحظر. ويمكن من خلال عمليات بحث بسيطة أن يعثر الباحث على مئات الصفحات والحسابات الشخصية التي تشارك منشورات تمجد تنظيم داعش وتضع صور قادته. وفي المجموعات المغلقة يتداول المناصرون فتاوى إهدار الدم، ويتبادلون خبراتهم بخصوص أساليب الاغتيال وطرق تصنيع المواد المتفجرة وغيرها.

تقول فيسبوك إنها اتخذت إجراءات عقابية مختلفة ضد حوالي 16.7 مليون مادة مرتبطة بالإرهاب في الفترة بين يونيو وسبتمبر 2022، وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع المحتوى الذي جرى التعامل معه في الربع السابق من السنة ذاتها ويبلغ حوالي 13.5 مليون مادة.

هذا الارتفاع يؤشر إلى زيادة في رواج المحتوى المتطرف على فيسبوك، واستقطابه لمزيد من مناصري داعش، خصوصا مع اكتشافهم أن التطبيقات البديلة لم تكن بمستوى فيسبوك من ناحية الشعبية والخصائص التقنية. الكثير من التطبيقات التي استخدم مناصرو التنظيم في السنتين الماضيتين هجروها وعادوا من جديد إلى منصتهم الأثيرة "فيسبوك".

تقول فيسبوك إنها اتخذت إجراءات عقابية ضد حوالي 16.7 مليون مادة مرتبطة بالإرهاب في الفترة بين يونيو وسبتمبر 2022.

ورغم أن خوارزميات فيسبوك الذكية ضربت طوقا خانقا على الدعاية الداعشية، وتقوم على مدار الساعة بحظر الحسابات وحذف المضامين المحسوبة على التنظيم، إلا أن جهودها لا تبدو كافية لمنع فيسبوك من التحول إلى منبر إلكتروني لأنصار داعش. فعندما تطبع مثلا "ولاية العراق" على مربع البحث في موقع فيسبوك، فستخرج رسالة تحذير بأن الكلمة التي طبعتها يمكن أن تقودك إلى محتوى أو صفحات خطيرة. وعندما تختار المضي قدما في بحثك قد يتعرض حسابك للتوقيف مع تقييد الوصول إلى أي مادة مرتبطة بداعش. لكن عندما تطبع "ولاية الشام" مثلا فلن تخرج أية رسالة تحذير من النوع السابق.

 

تهريب المحتوى

 

يستجيب المتطرفون من أنصار داعش بشكل فوري لأي تحديث تقني على الأنترنت يكون لصالحهم. فعندما تولى إيلون ماسك إدارة تويتر وأجرى عمليات تسريح واسعة النطاق للموظفين زادت وتيرة فتح الحسابات المناصرة لداعش على المنصة بنسبة 69 في المئة. وشمل الارتفاع أيضا منصتي فيسبوك ويوتيوب.

وعلى فيسبوك، ابتكر المناصرون أساليب كثيرة للتحايل على رقابة الفرق المشرفة على المحتوى وتضليل الخوارزميات، ولما بدت حيلهم ناجعة إلى حد ما عادوا مجددا إلى المنصة. وبوسع الباحث أن يرى حشودهم وهم يتبادلون الإشارة إلى حساباتهم ويطلبون الدعم والإضافة.

زادت وتيرة فتح الحسابات المناصرة لداعش على تويتر بنسبة 69 في المئة.

ويعمد أنصار داعش إلى كتابة منشوراتهم بعبارات مكسرة وأحيانا يتم استبدال الكلمات الحساسة برموز تعبيرية بريئة. مثلا، جمعت إحدى الصفحات على فيسبوك آلاف المتابعين وحظيت بتفاعل كبير من قبل المستخدمين ذوي الميول المتطرفة وامتد نشاطها لعدة أشهر. وتنشر الصفحة على مدار الساعة أخبار تنظيم داعش ومواده الرسمية مثل صحيفة "النبأ" وقصاصات "وكالة أعماق"، إلى جانب صور شخصية لعناصر الجيش والأمن ومواطنين عراقيين ممن قضوا نحبهم في هجمات داعش. وكل ما على المشرفين القيام به لتصمد صفحتهم إلى هذه اللحظة هو تحوير بعض الكلمات الحساسة والإحالة إلى داعش بعبارة "داعس الإرهابي".

الكثير من الحسابات المروجة لتنظيم داعش تلجأ في مراوغاتها التقنية إلى توزيع المنشورات في خاصية التعليقات أو إرسالها على شكل رسائل خاصة. يكتفي صاحب الحساب بإشعار متابعيه بأنه موزع نشيط لأخبار ومواد داعش، ويطلب التواصل معه على الرسائل الخاصة للحصول عليها. وغالبا ما يلجأ إلى توضيب المحتوى على موقع justpast.it وتمريره إلى المستخدمين الآخرين.

حاول أحد المتطرفين على فيسبوك تحويل قصاصة إخبارية كاملة إلى رموز تعبيرية، فوضع لكل كلمة معادلها الرمزي. ولأن أخبار داعش اليومية عبارة عن كلمات مكررة مع تغيير طفيف في الزمان والمكان وعدد الضحايا فقد قام باستبدال كلمات مثل "تفجير" و"ذبح" و"قتل" و"عملية انتحارية" و"سيارة مفخخة" برموز وأيقونات، وبدت فكرته واعدة لكنها لم تلق استجابة من نظرائه لطبيعتها المعقدة.

وبالنسبة لمقاطع الفيديو فيتم تعديلها من خلال تمويه شعار داعش، أو إضافة مقدمة إخبارية من قنوات شهيرة، أو لقطة من برنامج حواري.

أما المواد الصوتية فتتم إضافتها كشريط صوتي على مقاطع مرئية لا تثير الشبهات، وقد نشرت إحدى الصفحات المتطرفة على سبيل المثال محاضرة صوتية كاملة لتركي البنعلي الشرعي السابق في داعش بعد إضافتها كشريط صوتي على فيلم يشرح طريقة صناعة كوخ خشبي.

 

لواء الاقتحامات

 

نشاط أنصار تنظيم داعش على فيسبوك ممنهج في كثير من جوانبه، وتتولى مؤسسات افتراضية تنظيمه على شكل "حملات غزو" مهمتها إغراق المنصة في توقيت واحد بمئات المنشورات، مع التركيز على المجموعات وصفحات المشاهير والمؤسسات الكبيرة التي يتم غمر تعليقاتها بمحتويات متطرفة.

تقوم مؤسسة "لواء الاقتحامات" على سبيل المثال بتوفير ما اصطلح على تسميته في الفضاء الإلكتروني "الجهادي" بـ"الذخائر" وهي مواد دعائية جاهزة يتم توزيعها على المتطوعين. وخلال وقت معين تعطى إشارة الانطلاق "لغزو المنصة". لكن قبل ذلك يتعين على المتطوع إرسال بيعته لزعيم تنظيم داعش ولقطة شاشة توثق نشاطه الرقمي المؤيد للتنظيم، مع تعهد باحترام تعليمات المؤسسة وتخصيص ثلاث ساعات في اليوم لحملاتها.

في أحيان كثيرة يعمد أنصار داعش ومؤسساتهم الافتراضية إلى اختراق حسابات شخصية عشوائية على فيسبوك واستغلالها في أنشطتهم الدعائية ويطلقون عليها "حسابات مغتنمة". وتعود عليهم بفوائد منها أن هذا النوع من الحسابات يصمد لفترات أطول في وجه حملات الحذف، لأنها حسابات قديمة، وتعود لأشخاص حقيقيين أدلوا ببياناتهم الخاصة أثناء فتحها، إضافة إلى أنها تمنح طبقة أخرى من الحماية ضد التعقب وكشف الهوية، فأصحابها لا يمتون بأي صلة إلى المتطرف الذي يزاول نشاطه عليها.

تخصصت عدة مؤسسات في توفير "الحسابات المغتنمة" للمناصرين،  ويمكن تمييز الحسابات المغتنمة عن غيرها باحتوائها على الصور واليوميات الخاصة بأصحابها الأصليين إلى جانب مواد ومنشورات تمجد داعش، ولكي يخلي المتطرف مسؤوليته من صور النساء أو المشاركات "المخالفة للشريعة" التي احتوت عليها صفحته يكتفي بكتابة عبارة "حساب مغتنم" في نبذته التعريفية.

اختراق حسابات فيسبوك يتم بواسطة استغلال ثغرة، يمكن تسميتها ثغرة "المتاحات"، وتعتمد على البحث عن حسابات بريد إلكتروني هجرها أصحابها لفترة طويلة حتى أصبحت متاحة لمستخدم جديد. وغالبا ما تكون هذه الحسابات مرتبطة بصفحات شخصية على فيسبوك. ومن خلال البريد الإلكتروني الذي حصل عليه المستخدم الجديد يتم الولوج إلى صفحة فيسبوك وطلب كلمة مرور جديدة للحساب وبالتالي السيطرة عليه.

تتم هذه العملية أيضا بواسطة التطبيقات التي تولد أرقاما هاتفية وهمية. فعند الحصول على رقم منها يتم التأكد إن كان مرتبطا بحساب ما على فيسبوك. وتفرغت مؤسسات مؤيدة لداعش للبحث عن "المتاحات" وتوزيعها على المناصرين.

 

ميتا تتوعد

 

في 13 ديسمبر الماضي، أعلنت شركة ميتا في مقال على مدونتها الرسمية أنها طورت برنامجا مجانيا ومفتوح المصدر يسمى Hasher Matcher-Actioner ويعرف اختصارا ب (HMA)، وهو عبارة عن أداة ستساعد المنصات المختلفة على اكتشاف وإزالة المحتويات الإرهابية.

وتأمل الشركة أن تساعد هذه الأداة بشكل خاص الشركات الصغيرة التي لا تستطيع تأمين ما يكفي من الخبراء والفرق التقنية لمراقبة المحتوى المتطرف على مواقعها.

وتعتمد هذه الأداة على مشاركة قاعدة بيانات واحدة للمحتوى المخالف بين كل الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي. وعوض تخزين المواد المخالفة الضخمة في قواعد البيانات، ستكتفي الأداة بأخذ بصمة مميزة لكل قطعة محتوى جرى التبليغ عنها كمحتوى إرهابي. وبالتالي عندما تتم إزالة مادة إرهابية على فيسبوك فإن المصير نفسه ينتظرها في المنصات الأخرى بشكل آلي.

يعمل البرنامج الجديد كخطوة أولى على استقبال أي محتوى تم التبليغ عنه ثم تحويله بواسطة خوارزميات ذكية إلى بصمة رقمية من أحرف وأرقام ثم إحالته إلى قاعدة بيانات خاصة. وعندما تستقبل الأداة بصمة رقمية مطابقة لتلك التي تحتفظ بها في قاعدة بياناتها، تقوم فورا بحذف المادة.

لا شك أن شركة ميتا تبدل جهودا مضنية لجعل منصتها خالية من المضامين الممجدة للإرهاب، وتقوم خوارزمياتها المتطورة بلجم حملات النشر واسعة النطاق التي يطلقها أنصار داعش. لكن في الوقت ذاته، لا تخلو بالنسبة لهم هذه الخوارزميات من بعض الفائدة: إنها تساعد في ربط الحسابات المحسوبة على داعش مع بعضها. فعندما تضيف حسابا من هؤلاء إلى قائمة أصدقائك أو تتفاعل مع منشوراته، فإن فيسبوك يقترح عليك حسابات وصفحات بنفس المحتوى والاهتمامات، وهو ما يمكن اعتباره بمثابة ترويج مجاني لمحتويات متطرفة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يمثل الهزارة ثاني أكبر أقلية في أفغانستان بعد الطاجيط
ينتمي شيعة أفغانستان إلى أقلية الهزارة وهي ثاني أكبر أقلية في البلاد بعد الطاجيك.

لم يكن التفجير الذي استهدف حافلة للشيعة في منطقة (دشت برتشي) في العاصمة كابل الأسبوع الماضي سوى امتداد للحملة الدموية المتواصلة التي يشنها تنظيم داعش على الشيعة في أفغانستان منذ سنوات.

عمليات تفجير في المساجد والأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية وضحايا بالمئات، فلماذا يستهدف التنظيم شيعة أفغانستان بكل هذه الضراوة والوحشية؟

 

مخطط مسبق

 

العمليات التي يشنها تنظيم داعش ضد الشيعة في أفغانستان عشوائية في معظمها ولا تطال إلا أهدافا مدنية، وهدفها الأساسي إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا. لكن  في حملته العشوائية هذه يبدو أن التنظيم يستند إلى مخطط مسبق هدفه محاربة نفوذ إيراني مزعوم في البلاد، وتقويض حكم حركة طالبان.

ففي "بحث" مطول بعنوان "أفغانستان ضحية المشروع الرافضي "، نشره التنظيم على حلقات في إحدى مجلاته الرسمية، تتبع داعش ما يعتبره نفوذا إيرانيا متغلغلا في البلد. وتضمن "البحث" كمية غزيرة من المعلومات والمعطيات عن شبكة المصالح الإيرانية المزعومة، بدءاً بالمساجد والحسينيات والمراكز الثقافية والهيئات الدعوية، إلى المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، ودور الرعاية والمراكز الصحية والمبادرات الإغاثية، والمؤسسات الإعلامية من صحف وقنوات إذاعية وتلفزية، وشركات الاتصالات والمقاولات التجارية والمشاريع الزراعية، والمدارس والمعاهد العلمية والجامعات وغيرها مع ذكر أسمائها وأماكن وجودها والمسؤولين عنها.

ويرى التنظيم "أن إيران من خلال الشيعة في أفغانستان تريد الوصول إلى أرقى المناصب للتحكم في الطبقة الحاكمة" في الحكومات السابقة، وبناء علاقات متينة مع الحكومة الحالية، والسيطرة على أفغانستان عبر شبكة المصالح وعلاقات النفوذ التي رعتها منذ سنوات. 

وبالتالي، فالتنظيم تتملكه قناعة راسخة أن التصدي "للتوسع الإيراني" يبدأ بمخطط إبادة للشيعة في أفغانستان. واختار للقيام بذلك بنك أهداف سهلة، لكنها تؤدي غرضه في نشر الرعب وبث الفوضى، ورفع حصيلة الضحايا، وقد افتخر في أحد منشوراته بالمقابر الجماعية التي خلفتها تفجيراته في كابل وهيرات ومزار الشريف وباميان وقندهار.

 

عقيدة الإبادة

 

لا يمكن فهم السلوك العدواني لداعش ضد الشيعة سواء في أفغانستان أو باكستان أو العراق أو عمان إلا في ضوء أدبيات الإبادة التي أرساها شيوخ التنظيم منذ عشرين عاما، وكرسها التنظيم على امتداد مسيرته الدموية عبر مئات المنشورات والإصدارات والفتاوى الدينية.

ثمة توتر دائم بين المذاهب والطوائف الإسلامية، ويوجد في التراث السني  والشيعي معا أفكار تلغي وجود الآخر، وتتهمه حتى بالكفر والمروق من الدين، لكن تنظيم داعش ينفرد بأفكاره الخاصة في هذا الجدل، لم يشاركه فيها أحد بما في ذلك تنظيم القاعدة.

كان أبو مصعب الزرقاوي أول من أسس للنزعة الإبادية ضد الشيعة، وحاول أيمن الظواهري وأسامة بن لادن في عدد من الرسائل المتبادلة بينهم إقناعه بالعدول عن مواقفه، لكن دون جدوى. وأصر في رسالته إلى أسامة بن لادن على أن قتال الشيعة مقدم على قتال القوات الأميركية.

وكان الشرط الذي وضعه لبيعة القاعدة أن يوافق قادتها على مشروعه الدموي القائم على "إبادة عوام الشيعة" بعد تكفيرهم. وكان أسلوبه المفضل في حربه الإبادية هذه، حسب تعبير أبو ميسرة الشامي القيادي في تنظيم داعش، "المفخخات يفجرها في أسواقهم وأحيائهم وحسينياتهم ولا يمر يوم إلا ويقتل العشرات والمئات من عوامهم ورموزهم".

أشاد تنظيم داعش في ولاية خراسان بحرب الزرقاوي على الشيعة، واعتبر أن حربه على شيعة أفغانستان هي امتداد للحملة التي أطلقها ضد الزرقاوي في 2004.

 

الحرب الطائفية وإحراج طالبان

 

يعتبر تنظيم داعش أن استهداف الشيعة مقدمة ضرورية لفرض "حالة التوحش"، وإطلاق شرارة الحرب الطائفية التي سيجد "السنة" أنفسهم مجبرين على الانخراط فيها. وهو ما سبق أن عبر عنه  الزرقاوي سابقا بالقول إن استهداف الشيعة سيؤدي إلى رد انتقامي منهم تجاه السنة. وهكذا  إذا نجح المخطط" أمكن إيقاظ السنة الغافلين"، بتعبيره هو نفسه.

أصدرت ولاية خراسان مجموعة من الإصدارات والمقالات التي تحرض على قتال الشيعة، وتحاول بواسطة وسائل كثيرة إقناع الأفغان بوجوب المشاركة في هذا القتال باعتباره "واجبا شرعيا"، بدعوى تحالفهم مع القوات الأميركية، وولائهم لإيران ومشاركتهم في الحرب معها في سوريا.

وتراهن ولاية خراسان في استهداف الشيعة على خلق فوضى شاملة، وحالة من حرب الكل ضد الكل في أفغانستان، وهذا الوضع يخدم أجندتها على مستويات عديدة:

أولا: إغراق أفغانستان في مستنقع من الاضطرابات الأمنية، وتقويض حكم حركة طالبان، من خلال تحميلها مسؤولية الفشل في حماية الأقليات بالبلاد، وإدخالها في حالة مستمرة من الاستنزاف.

ثانيا: إحراج حركة طالبان أمام إيران وهي من أهم الشركاء الإقليميين للحركة، ويسعى الطرفان إلى بناء علاقات استراتيجية بينهما لمواجهة الضغوط الغربية. وقد صرح في هذا السياق الممثل الخاص للرئيس الإيراني وسفير إيران في أفغانستان حسن كاظمي قمي بأن "إيران تريد من أفغانستان أن تكون عونا إستراتيجيا لها، وإن خلق أي تباعد وخلاف بين البلدين هو مشروع أميركي، وإن أفضل وسيلة لتقوية العلاقات يكون بربطها بالاقتصاد ومشاريع البنى التحتية". وهذا التباعد الذي يخشاه السفير الإيراني هو بالضبط ما يبحث عنه تنظيم داعش في أفغانستان.

تعتبر داعش في خراسان أن الشيعة وطالبان وجهان لعملة واحدة، وقد نشرت حوارا في مجلة "صوت خراسان" مع أحد أبرز قادتها "الشرعيين"، الذي سرد ما اعتبرها "أدلة شرعية" وشواهد تاريخية أن الشيعة يجري عليهم من الأحكام ما يجري على الصوفية. وتعتبر داعش أن طالبان امتداد للطائفة الصوفية الديوبندية. وتكفر الحركة الشيعة وطالبان معا.

لذلك يرى التنظيم في خراسان أن استهداف "الشيعة" هو في الوقت ذاته استهداف لحركة "طالبان القبورية"، كما يصفها التنظيم، وكثيرا ما نفذ عمليات مزدوجة ومتزامنة تستهدف الطرفين في وقت واحد. مثل العملية التي نفذها في 19 من أبريل الماضي، عندما فجر حافلة تقل مواطنين شيعة في نقطة تفتيش تابعة لطالبان في كابل.