بعد فترة حكم أولى بين 1996 و2001، عادت طالبان إلى حكم أفغانستان مرة أخرى وسط مخاوف من انتشار التطرف وانتهاكات حقوق الإنسان
بعد فترة حكم أولى بين 1996 و2001، عادت طالبان إلى حكم أفغانستان مرة أخرى وسط مخاوف من انتشار التطرف وانتهاكات حقوق الإنسان

في ديسمبر الماضي، أصدرت حركة طالبان سلسلة قرارات حظرت بموجبها التحاق النساء في عموم البلاد بوظائفهن لدى المنظمات المحلية والأجنبية، ومنع الفتيات من متابعة تعليمهن الجامعي.

وبررت طالبان خطواتها، التي وصل صداها إلى مجلس الأمن الدولي ودفعت بالنساء إلى الخروج في مظاهرات احتجاجية، بعدم "الامتثال للحجاب وغيره من القواعد واللوائح المتعلقة بعمل المرأة في المنظمات المحلية والدولية"، و"انتهاك التعليم الجامعي لتعاليم الشريعة".

أعادت هذه القرارات، وأخرى سابقة، طرح الأسئلة بشأن ماهية النظام السياسي الذي تتبناه طالبان في أفغانستان، وطبيعة القوانين التي تسير بها البلاد.

 

دستور ظاهر شاه

 

أعلنت حركة طالبان عقب دخولها العاصمة كابل، صيف عام 2021، أنها تنوي تطبيق دستور العهد الملكي باستثناء البنود التي "تتعارض مع الشريعة الإسلامية". التقط الكثير من المهتمين تلك التصريحات واعتبروها إشارة مطمئنة لما يمكن أن يكون مسارا سياسيا معتدلا تنوي الحركة اتباعه في عهدها الجديد. فالدستور، الذي تم إقراره عام 1964، وإن همش الحرية الحزبية إلا أنه عزز مشاركة المرأة في الحياة السياسية ومنح لها حق التصويت وكفل الحقوق المدنية للمواطنين ونادى بديمقراطية عصرية وإجراء انتخابات برلمانية كل 4 سنوات.

واللافت أن دستور ما بعد التدخل الأميركي استلهم 80 في المئة من مواده من دستور الملك ظاهر شاه، الذي عاد إلى أفغانستان في 2002 بعد عقود من المنفى وأيد إزاحة طالبان عن السلطة وترأس ما يسمى مجلس اللويا جيرغا.

لم تشر طالبان لاحقا إلى المواد التي استبعدتها من الدستور، الذي يحتوي على 11 فصلا و128 مادة، لكن يبدو واضحا أنها أبقت فقط على بضعة بنود في ديباجته ومتنه وهي التي لا تتعارض مع اختياراتها العقدية. ثم أصدرت كتابا خاصا بها، هو "الإمارة الإسلامية ونظامها"، استعرضت فيه بإسهاب تصورها للحكم والسلطة.

ولعل من أهم البنود التي نالت إعجاب الحركة في الدستور الملكي تنصيصه على أن "الإسلام دين الدولة على مذهب الإمام أبي حنيفة" لأن المواقف المذهبية للحركة مبينة كلها على المدرسة الحنفية إلى الدرجة التي اعتبرت فيه سيادة مذهب آخر في أفغانستان نوعا من "العار". وهناك أيضا البند الذي ينص على أن ملك أفغانستان يجب أن يكون مسلما أفغانيا على المذهب الحنفي.

ينص دستور ظاهر شاه على أن الملك لا يمكن أن يخضع للمساءلة ويجب احترامه ولا يحق للبرلمان أو جهة أخرى محاكمته أو استجوابه، ومن حقه تعيين قاضي القضاة ورئيس المحكمة ورئيس الوزراء. ولا شك أن هذه البند مناسب جدا لطالبان التي قامت بإحلال أميرها مكان الملك في الدستور وأسندت إليه صلاحياته، كما سيتأكد من خلال الاطلاع على الكتاب الذي أصدرته الحركة.

 

لا تعددية سياسية

 

يعتبر كتاب "الإمارة الإسلامية ونظامها" مرجعا سياسيا وأساسا نظريا لحكومة طالبان. كتبه قاضي قضاة الحركة عبد الحكيم حقاني، ونوه به زعيمها هبة الله آخونذ زاده وكتب مقدمته بعدما أقره علماء الحركة وأجازوا نشره.

يستلهم الكتاب أفكاره من الآداب السلطانية التقليدية ومواريث الفقه السياسي الإسلامي القديم كما صاغها الماوردي وغيره، مع توسع إلى فروع السياسة واعتماد كلي على المدرسة الحنفية مع إشارات مستأنسة إلى المدارس الإسلامية الأخرى.

فصول الكتاب كلها عبارة عن نقض جذري لأسس النظام الديمقراطي وتقويض صريح لفلسفة الحكم الحديث. واستنادا إلى نصوص دينية وتراثية، يؤكد حقاني في كتابه أن لا تعددية سياسية في العهد الأفغاني الجديد ولا انتخابات لأن "الانتخابات المعاصرة لم يأت بها دليل شرعي، ولم تعرفها الأمة الإسلامية. ولو كان فيها خير لما تركها صحابة رسول الله صلى الله عليم وسلم وهي جزء من النظام الجاهلي المستورد من الكفار، فالعمل بها لا يليق بالمسلمين وفيها مفاسد كثيرة".

واعتبر حقاني أن الانتخابات قائمة على مبدأ المساواة بين كافة فئات المجتمع (العالم والجاهل والفاسق والرجل والمرأة!) وهو مبدأ مخالف لتعاليم الإسلام، حسب تعبيره.

ويعتبر الكتاب التداول السلمي على السلطة، وتحديد مدة الولايات الرئاسية، محض بدعة غربية. يقول حقاني: "لم يوجد في عقد إمامة الخلفاء الراشدين ولا الأمويين والعباسيين تحديده بمدة معينة، بل كانوا يبقون على إمارتهم حتى الموت أو القهر، أو عزل نفسه، ولم يطالب أحد من الصحابة أو التابعين وتابعيهم حين البيعة تحديد مدة الخلافة، بل بايعوا على السمع والطاعة ما دام الإمام قائما بتنفيذ الأحكام الشرعية، ولكن حدثت في الأزمنة الأخيرة آراء تطالب بجعل عقد الإمارة والخلافة محدودا بمدة معينة مثل خمس سنوات أو أقل أو أكثر حسب نظرياتهم، ولا شك أن هذا بدعة، ولا يقوله إلا من تأثر بالغربيين".

 

عمل المرأة ومشاركتها في السياسية

 

من المفارقات الملفتة أن المذهب الحنفي الذي تتبناه طالبان يعد من أكثر المذاهب الإسلامية اعتدالا في مواقفه اتجاه المرأة، حتى إنه أجاز ولاية المرأة على نفسها في الزواج، في حين اشترطت المذاهب الأخرى وجود ولي، كما أعطى المذهب للمرأة الحق -بشروط- في تولي منصب القضاء، وهو ما ترفضه المذاهب مطلقا، إلا أن طالبان تبنت مواقف أكثر تشددا في هذا الصدد.

رأى الكتاب في دخول المرأة للحياة السياسية تقليدا "لنظام الجهل والكفر"، وأكد أنه "لا يجوز خروج المرأة في السياسة المروجة، فإن للمرأة عملا فطرها الله تعالى عليه، ألا وهو إنجاب البنين والبنات وتربيتهم في صغرهم، وهذا من خصائص المرأة ولا دخل للرجل فيه أبدا، وللرجل عمل خارج البيت وهو كيفية الحصول على قوته وقوت زوجته وأولاده وأبويه الكبيرين العاجزين الضعيفين… ولا التفاتة إلى نظام الجهل والكفر الذي يعيش عليه أكثر الناس اليوم في كل العالم إلا من رحم الله كالإمارة الإسلامية في أفغانستان".

ويضيف حقاني أن "المرأة ما كان في تاريخ الإسلام لها حق في انتخاب الإمام.. ولا نعلم في تاريخ الإسلام كله أن المرأة تسير مع الرجل جنبا إلى جنب في إدارة شؤون الدولة وسياستها وقيادة معاركها".

وقرر الكاتب أن الشريعة فضلت الرجال على النساء في العلم والقدرة، أي أن الرجل يتصف بصفات النباهة والذكاء والعلم والقدرة على تحمل الأعباء وركوب الشدائد عكس المرأة المجردة من تلك الخصال، حسب الكاتب. وشدد على أن إسناد المسؤوليات إلى المرأة ينطوي على مخالفات شرعية كثيرة منها اختلاط الرجال بالنساء، وتحميلهن فوق طاقتهن، كما يُصَيِّر المنصب السياسي القوامةَ للمرأة بينما لا قوامة في الإسلام إلا للرجل.

وعن مسألة تقلد النساء للوظائف خارج المنازل، يعتبر الكتاب أنها صعبة التحقق إذا روعيت الضوابط الشرعية. فعمل المرأة يستلزم اختلاطها مع الرجال في بيئات العمل والخلوة بهم ويتعذر معه غض البصر، كما يستوجب المصافحة أو اللمس المحرم، ويسمح بالدخول في حديث ودي بين الرجال والنساء دون حائل بينهم، وقد ينمي بينهم ذلك مشاعر الحب والإعجاب. وخلص الكاتب في النهاية إلى أنه "لا يجوز للمرأة المشاركة مع الرجل الأجنبي في ميدان العمل".

 

المرأة والتعليم

 

عقد الكاتب فصلا مستقلا لقضية تعليم النساء والتحاقهن بالمدارس، واعتبر التعلم حقا مكفولا للنساء والرجال على السواء لكن جوهر الإشكالية في نظره يكمن في "كيفية تعلم المرأة".

ويرى قاضي قضاة طالبان أن تعلم المرأة في بيتها مسؤولية تقع على عاتق أولياء أمورها وهو الأصل والأولى، أي أن على الرجال في أسرهم تعليم النساء في البيت دون أن يضطررن للخروج. وإذا تعذر ذلك لسبب من الأسباب حينها لا بأس في خروجها للدراسة لكن بشروط كثيرة منها: أن يكون تخصص دراستها ضروريا للنساء مثل العلوم الدينية والطبية، وبعض المهارات كالخياطة مثلا. أما دراسة الهندسة والكيمياء فلا يجوز لها الخروج لدراستهما، لأنهما من فروض الكفاية ويقوم ما يكفي من الرجال بها.

وخصص الكاتب عدة صفحات لتوصيف اللباس الذي يستوفي "المعايير الشرعية"، والذي بدونه لا يجب أن تخرج الفتاة إلى المدرسة أو الجامعة. واشترط الكتاب أيضا أن يكون أطر التدريس إناثا وإن تعذر ذلك فيجب وضع حائل بين الطالبات والأساتذة حتى لا يرى بعضهم بعضا.

وفي مستهل فصل بعنوان "التعليم المختلط"، هاجم الكتاب بلهجة شديدة الجامعات والمدارس التي يرتادها الذكور والإناث معا. وقال: "وأما التعليم المختلط بين النساء والرجال كما نشاهد في المكاتب والجامعات فلا شك في تحريمه. ومن الغريب والعجيب أن يوجد في أمة مسلمة اختلاط الجنسين في الجامعات والمدارس والمكاتب". واعتبر حقاني ذلك منافيا لطبيعة الشخصية الأفغانية، ولن يقبل به  الأفغان حتى ولو لم يكونوا مسلمين. وسرد حشدا هائلا من النصوص والآثار والفتاوى التي تحرم التعليم المختلط بما فيها فتاوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية، وفتاوى لعلماء محسوبين على المدرسة السلفية كمحمد الأمين الشنقيطي.

 

التعليم العصري

 

الفصل الذي خصصه الكاتب للتعليم العصري يكشف عن تصور طالبان للعملية التعليمية برمتها. يقوم هذا التصور على فكرة أن التعليم الديني أهم مما سواه وأن التخصصات الأخرى يجب أن تكون مساقات متفرعة عنه، بمعنى أن دراسة تخصص علمي ما لن يعفيك من واجب التحصيل في العلوم الدينية. ويقصد الكاتب بالتعليم العصري كافة الحقول والتخصصات العلمية البحتة، وهو يرى أن "الضعف في الدولة الإسلامية إنما يجيء من غلبة العلوم غير الدينية".

ويضيف حقاني أن "التوغل في العلوم العصرية الجديدة مهلك للعقيدة والعمل، ومعلموها ومتعلموها مهاجرون (تاركون) للقرآن والسنة وأقوال السلف والأئمة.. وعلى أمراء المسلمين وعلماء الدين المبين أن يمنعوا الناس عن هذه المكاتب المروّجة (المدارس المنتشرة) لأنها من تأثيرات الكفار الذين يسعون في فساد أخلاق المسلمين".

وفي فقرة بعنوان "ضرر تجريد التعليم العصري عن الديني"، دافع الكاتب عن فكرة دمج التعليم الديني والعصري وبين أضرار إنشاء كليات أو مدارس تدرس فيها التخصصات العلمية فقط، وبين على نحو مفصل ضرورة تلقي الطالب تعليما دينيا في مراحله الدراسية كلها.

يبدو أن قادة طالبان يريدون تعميم تجربتهم على أفغانستان فمعظمهم تخرجوا من المدارس الدينية، ومنها اكتسبوا لقبهم "طالبان"، وساهمت المدارس العتيقة في تكوين شخصياتهم وثقافتهم ونمط عيشهم. وبما أن المدرسة مؤسسة من مؤسسات إعادة الانتاج فإن الحركة تأمل من خلال تصورها للتعليم إعادة إنتاج أجيال تفكر على منوالها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عناصر من حركة طالبان في أفغانستان
صورة ارشيفية لأحد عناصر حركة طالبان

أعلنت حركة طالبان في أفغانستان، الثلاثاء، أنها "صادرت ودمرت" أكثر من 21 ألف آلة موسيقية خلال العام الماضي، كجزء من حملة صارمة ضد ما أسمته بـ"الممارسات المناهضة للإسلام"، وفقا لموقع "صوت أميركا".

وناقش مسؤولون في "وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، "أداءهم السنوي" في مؤتمر صحفي بالعاصمة كابل، بعد يوم من قيام سلطات طالبان علناً بحرق مئات الآلات الموسيقية في مقاطعة بروان الشمالية القريبة.

كما حثت إدارة شرطة الأخلاق الإقليمية السكان على عدم استخدام الآلات الموسيقية في حفلات الزفاف والاحتفالات الأخرى.

وفي حديثهم، زعم مسؤولون من الوزارة أنهم دمروا آلاف "الأفلام غير الأخلاقية" ومنعوا المزيد "من الاستخدام على أجهزة الكمبيوتر الشخصية" في جميع أنحاء البلاد كجزء مما أسموها "حملة إصلاحات مجتمعية" تقوم بها حكومة طالبان.

وقالت الوزارة دون مناقشة تفاصيل، إنها "نفذت بنجاح 90 بالمئة من الإصلاحات في وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمطبوعة" في أفغانستان.

في المقابل، أكدت جماعات مختصة بالدفاع عن حرية الإعلام والتعبير، أن قادة طالبان قيدوا بشكل كبير حرية الصحافة والوصول إلى المعلومات في البلاد.

ويُحظر على النساء العمل في محطات الإذاعة والتلفزيون الوطنية، كما يُحظر عرض الأعمال الدرامية التي تشارك فيها ممثلات.

وكانت وسائل الإعلام الرسمية قد نقلت عن وزير الأمر بالمعروف، عن محمد خالد حنفي، قوله، الإثنين، إن طالبان "عازمة على تطبيق الشريعة" مضيفا: "لن نرضخ لأي ضغوط في هذا الصدد".

وفي الشهر الماضي، قالت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، إن شرطة الأخلاق التابعة لطالبان تساهم في "مناخ من الخوف والترهيب" بين الناس، وحددت الوزارة باعتبارها المنتهكة الرئيسية لحقوق الإنسان في حكومة طالبان، والتي لا تعترف بها أي دولة.

وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن أنشطة الوزارة الفعلية كان لها "تأثيرات سلبية على التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.. في أفغانستان، مع تأثير تمييزي وغير متناسب على النساء".