نُشر كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" للمرة الأولى في شكل حلقات متتابعة في جريدة زناميا الروسية عام 1903.
نُشر كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" للمرة الأولى في شكل حلقات متتابعة في جريدة زناميا الروسية عام 1903.

كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" واحد من أشهر الكتب التي تمت طباعتها في العصر الحديث. يحتوي الكتاب على أربعة وعشرين "بروتوكولاً" ترسم الخطة العامة للسيطرة على الحكم في شتى أنحاء العالم، كما يتضمن الكثير من التفاصيل حول الاستحواذ على مجالات الصناعة والزراعة والإعلام والصحافة، فضلاً عن توضيحه كيفية السيطرة على الجماهير والطبقات الدنيا من المجتمع. لكنه مع ذلك يبقى كتابا منحولا، ترفض المؤسسات اليهودية نسبته إلى اليهود، ويؤكد الكثير من الباحثين أنه مجرد وثيقة مزورة. فما هي هذه البروتوكولات؟ وماذا ورد فيها؟ ولماذا شكك فيها الكثير من الباحثين؟

ما هي بروتوكولات حكماء صهيون؟

 

يشير اسم "بروتوكولات حكماء صهيون" إلى مجموعة من البروتوكولات أو الخطوات التي نُسبت إلى الحركة الصهيونية اليهودية العالمية في السنين الأخيرة من القرن التاسع عشر الميلادي. نُشرت هذه البروتوكولات للمرة الأولى في شكل حلقات متتابعة في جريدة زناميا الروسية وذلك في شهري أغسطس وسبتمبر سنة 1903م، ثم صدرت بعد ذلك في شكل كتاب تحت عناوين مختلفة، مثل "البروتوكولات القديمة والمعاصرة للقاء الحكماء الصهيونيين"، أو "بروتوكولات اجتماع الاتحاد العالمي للماسونية الإفرنجية والحكماء الصهيونيين"، أو "أعداء الجنس البشري"، أو "برنامج السيطرة اليهودية على العالم"، أو "عظيم في حقير"، أو "المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة"، ثم استقر العنوان، أخيراً، على "بروتوكولات حكماء صهيون"، وهو الاسم الذي التصق بهذا الكتاب واشتهر به في شتى جنبات العالم.

حظي هذا الكتاب بأهمية كبرى منذ نُشر للمرة الأولى وحتى الساعة. اهتم العرب والمسلمون به على نحو خاص بسبب علاقتهم المتوترة بدولة إسرائيل. في هذا السياق تُرجم الكتاب إلى العربية أكثر من مرة، ومن أشهرها ترجمة خليفة التونسي، وترجمة عجاج نويهض وترجمة إحسان حقي. وترددت الكثير من الأقاويل حول خطورة هذا الكتاب وتأثيره القوي في السياسات العالمية. على سبيل المثال، يقول محمد خليفة التونسي في مقدمة ترجمته للبروتوكولات: "هذا الكتاب هو أخطر كتاب في العالم، ولا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره إلا من خلال دراسة البروتوكولات كلها كلمة كلمة في أناة وتبصر، وأن يكون فقيهاً بتيارات التاريخ وسنن الاجتماع، وأن يكون ملماً بحوادث التاريخ اليهودي والعالمي لا سيما الحوادث الحاضرة وأصابع اليهود من ورائها. ثم يكون خبيراً بمعرفة الاتجاهات التاريخية والطبائع البشرية".

ارتبطت البروتوكولات بالعديد من نظريات المؤامرة الشائعة في الأوساط العالمية والإسلامية على حد سواء. على سبيل المثال، تحدث الكثير من المفكرين عن استخدام الأفكار الواردة في الكتاب لإحكام القبضة الصهيونية على مفاصل السلطة والثروة في العالم، بل ورد في المادة الثانية والثلاثين من ميثاق حركة حماس أن "المخطط الصهيوني لا حدود له، وبعد فلسطين يطمعون في التوسع من النيل إلى الفرات، وعندما يتم لهم هضم المنطقة التي يصلون إليها، يتطلعون إلى توسع آخر وهكذا، ومخططهم في بروتوكولات حكماء صهيون وحاضرهم خير شاهد على ما نقول".

من جهة أخرى، أثار الكتاب العديد من المشكلات والمناقشات في السنوات الأخيرة. في سنة 2002، أذاع التلفزيون المصري مسلسل "فارس بلا جواد"، والذي يقوم على الأفكار الواردة في كتاب البروتوكولات. تكرر الأمر سنة 2003م، عندما بثت قناة المنار -التابعة لحزب الله اللبناني- مسلسل الشتات، والذي اعتمد بدوره على الكتاب. تعرض المسلسلان وقتها للهجوم والانتقاد من قِبل الخارجية الإسرائيلية، كما تم اتهامهما بمعاداة السامية.

لم يقتصر النقاش حول الكتاب على المسلسلين فحسب. بل ظلت البروتوكولات حاضرة في الذهنية التآمرية الرائجة في المنطقة العربية. في سنة 2005، نُشرت ترجمة جديدة للبروتوكولات في سوريا. ربط مؤلف تلك النسخة بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م والمخططات الصهيونية. وأدعى أن العملية كانت من ضمن خطط البروتوكولات، وأن "الصهاينة" هم الذين دبروا لتنفيذها!

أكثر من هذا، قال الكثير من معارضي ثورات الربيع العربي، التي بدأت في سنة 2011، إن تلك الثورات إنما وقعت بتدبير وتخطيط من قِبل الصهيونية العالمية. وإنها إحدى المراحل التي تحدثت عنها البروتوكولات بهدف إضعاف الدول العربية وتهيئة الأجواء للسيطرة الصهيونية!

 

أهم ما ورد في البروتوكولات

 

يحتوي كتاب البروتوكولات على 24 بروتوكولاً. وهي بمثابة خطوات ضمن خطة كبرى تهدف للسيطرة على العالم كله. في البروتوكول الأول، ورد الحديث عن أهمية القوة ودورها في السيطرة والحكم. يقول الكتاب: "إن خير النتائج في حكم العالم ما ينتزع بالعنف والإرهاب، لا بالمناقشات الأكاديمية. كل إنسان يسعى إلى القوة، وكل واحد يريد أن يصير دكتاتوراً... إن الحرية السياسية ليست حقيقة، بل فكرة. ويجب أن يعرف الإنسان كيف يسخر هذه الفكرة عندما تكون ضرورية، فيتخذها طعماً لجذب العامة إلى صفه، إذا كان قد قرر أن ينتزع سلطة منافس له... إن الغاية تبرر الوسيلة، وعلينا -ونحن نضع خططنا- ألا نلتفت إلى ما هو خير وأخلاقي بقدر ما نلتفت إلى ما هو ضروري ومفيد".

وفي البروتوكول الثاني، قدم الكاتب رؤيته في ضرورة تحري الدقة في اختيار رؤساء الدول والمؤسسات العالمية: "سنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا في أيدي مستشارينا العلماء الحكماء الذين دربوا خصيصاً على حكم العالم منذ الطفولة الباكرة...".

أما البروتوكول الثالث فتحدث عن استغلال الظروف المادية الصعبة والطبقات الدنيا من المجتمع: "نحن نحكم الطوائف باستغلال مشاعر الحسد والبغضاء التي يؤججها الضيق والفقر، وهذه المشاعر هي وسائلنا التي نكتسح بها بعيداً كل من يصدوننا عن سبيلنا. وحينما يأتي أوان تتويج حاكمنا العالمي سنتمسك بهذه الوسائل نفسها، أي نستغل الغوغاء كي نحطم كل شيء قد يثبت أنه عقبة في طريقنا".

اهتم مؤلف البروتوكولات بتوضيح الدور الذي سيلعبه الاقتصاد في الخطة. جاء في البروتوكول السادس: "يجب أن نخرب صناعة الأميين -غير اليهود-، ونساعد المضاربات. سنشجع حب الترف المطلق الذي نشرناه من قبل، وسنزيد الأجور التي لن تساعد العمال، كما أننا في الوقت نفسه سنرفع أثمان الضروريات الأولية متخذين سوء المحصولات الزراعية عذراً عن ذلك كما سننسف بمهارة أيضاً أسس الانتاج ببذر بذور الفوضى بين العمال، وبتشجيعهم على إدمان المسكرات...".

وفي البروتوكول الثاني عشر تم توضيح "خطة" السيطرة على الصحافة والإعلام: "ما الدور الذي تلعبه الصحافة في الوقت الحاضر؟ إنها تقوم بتهييج العواطف الجياشة في الناس، وأحياناً بإثارة المجادلات الحزبية الأنانية التي ربما تكون ضرورية لمقصدنا. وما أكثر ما تكون فارغة ظالمة زائفة، ومعظم الناس لا يدركون أغراضها الدقيقة أقل إدراك. إننا سنسرجها وسنقودها بلجم حازمة. وسيكون علينا أيضاً أن نظفر بإدارة شركات النشر الأخرى، فلن ينفعنا أن نهيمن على الصحافة الدورية بينما لا نزال عرضة لهجمات النشرات والكتب...".

في السياق نفسه، تحدث البروتوكول الثالث عشر عن دور الفن والرياضة في الخطة: "سنلهي الجماهير أيضاً بأنواع شتى من الملاهي والألعاب ومزاجيات للفراغ والمجامع العامة وهلم جرا. وسرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات: كالفن والرياضة وما إليهما. هذه المتع الجديدة ستلهي ذهن الشعب حتماً عن المسائل التي سنختلف فيها معه، وحالما يفقد الشعب تدريجاً نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعاً معنا لسبب واحد: هو أننا سنكون أعضاء المجتمع الوحيدين الذين يكونون أهلاً لتقديم خطوط تفكير جديدة".

في نهاية الكتاب، قدمت البروتوكولات تصورها للحكومة المنشودة. فتكلمت عن ملك إسرائيل الذي سيحكم العالم كله. جاء في البروتوكول الثالث والعشرين: "إن ملكنا سيكون مختاراً من عند الله، ومعيناً من أعلى، كي يدمر كل الأفكار التي تغري بها الغريزة لا العقل، والمبادئ البَهيمية لا الإنسانية. إن هذه المبادئ تنتشر الآن انتشاراً ناجحاً في سرقاتهم وطغيانهم تحت لواء الحق والحرية. إن هذه الأفكار قد دمرت كل النظم الاجتماعية مؤدية بذلك إلى حكم ملك إسرائيل، ولكن عملها سيكون قد انتهى حين يبدأ حكم ملكنا. وحينئذ يجب علينا أن نكنسها بعيداً حتى لا يبقى أي قذر في طريق ملكنا".

 أما البروتوكول الرابع والعشرون فيتحدث عن خلافة هذا الملك "إذا مرض ملكنا أو فقد مقدرته على الحكم فسيكره على تسليم أزمة الحكم إلى من أثبتوا بأنفسهم من أسرته أنهم أقدر على الحكم... وسيرى الناس في شخص الملك الذي سيحكم بإرادة لا تتزعزع وسيضبط نفسه ضبطه للإنسانية، مثلاً للقدر نفسه ولكل طرقه الإنسانية، ولن يعرف أحد أهداف الملك حين يصدر أوامره، ومن أجل ذلك لن يجرؤ أحد على أن يعترض طريقه السري".

 

كتاب مزور ولا وجود "للحكماء"

 

رغم شهرة كتاب بروتوكولات حكماء صهيون إلا أن الكثير من الباحثين والمفكرين حكموا بزيفه. وقالوا إنه ليس أكثر من كتاب باطل، نُسب إلى اليهود زوراً وبهتاناً. يعترف المفكر المصري عباس محمود العقاد بالإشكاليات المرتبطة بالبروتوكولات في معرض تقديمه للكتاب. فيقول: "إن هذا الكتاب لا يزال لغزاً من الألغاز في مجال البحث التاريخي وفي مجال النشر والمصادرة...".

ترفض المؤسسات اليهودية بشكل قاطع نسبة كتاب البروتوكولات إلى اليهود. ورد في موسوعة الهولوكوست اليهودية عن كتاب البروتوكولات "هي أكثر المنشورات المعادية للسامية واسعة الانتشار في العصر الحديث. هي أكاذيب عن اليهود التي تم الطعن بها باستمرار ولا يزال تعميمها إلى اليوم متواصلا خصوصاً على شبكة الانترنت. الأفراد والجماعات الذين استخدموا البروتوكولات مرتبطون تماماً بغرض مشترك وهو نشر الكراهية ضد اليهود. البروتوكولات هي من عمل الخيال تماماً وكانت تتعمد لوم اليهود على مجموعة متنوعة من الأخطاء. يقول هؤلاء الذين يوزعونها أنها تشير إلى مؤامرة اليهود للتحكم في العالم. المؤامرة وقادتها الذين يلقبون بحكماء صهيون ليسوا بموجودين أصلاً".

ذهب الكثير من المفكرين العرب إلى النتيجة نفسها. على سبيل المثال، ذكر المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في كتابه "البروتوكولات واليهودية والصهيونية" أن "الرأي السائد الآن في الأوساط العلمية التي قامت بدراسة البروتوكولات دراسة علمية متعمقة هو أن البروتوكولات وثيقة مزورة... والرأي السائد الآن أن نشر البروتوكولات وإشاعتها إنما كان يتم بإيعاز من الشرطة السياسية الروسية للنيل من الحركات الثورية والليبرالية ومن أجل زيادة التفاف الشعب حول القيصر والأرستقراطية والكنيسة بتخويفهم من المؤامرة اليهودية الخفية العالمية".

بحسب ذلك الرأي، فإن كتاب البروتوكولات ظهر إلى الوجود في عهد القيصر الروسي نيقولا الثاني. وكان الهدف منه هو نشر الدعاية المضادة لليهود، والذين كان منهم الكثير من الشخصيات القيادية في أحزاب المعارضة والثورة في تلك الفترة.

يذكر المسيري أن ماثيو غولوفينسكي الذي كان يعمل في الاستخبارات الروسية القيصرية في بدايات القرن العشرين هو المؤلف الحقيقي للكتاب. وأنه استوحى موضوعات البروتوكولات من كتاب "حوار في الجحيم بين مونتسكيو وميكافيلي" للمؤلف الفرنسي موريس جولى، والذي أشار في كتابه إلى وجود خطة زائفة ومُسبقة لغزو العالم من قِبَل الإمبراطور نابليون الثالث.

توسع النازيون في ألمانيا في نشر البروتوكولات إبان الأزمة الاقتصادية التي عانت منها ألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين. اعتبر الزعيم النازي أدولف هتلر أن اليهود هم المسؤولون عن تلك الأزمة معتمداً على بعض الفقرات الواردة في البروتوكولات. فيما بعد اتخذ هتلر من تلك الفقرات مبرراً لاستهداف اليهود وإبادتهم في معسكرات النازية إبان أحداث الحرب العالمية الثانية. وهكذا أُتيحت الفرصة لنشر الكتاب على نطاق واسع في القارة الأوروبية. ثم تلقفه العقل العربي واحتفى به لكونه -أي الكتاب- يرسخ من مفهوم المؤامرة اليهودية الصهيونية التي تستهدف العرب والمسلمين على وجه الخصوص.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"
اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"

ثلاث سنوات من حكم طالبان لأفغانستان كانت كفيلة بـ"جر البلاد لعزلة دولية، وتعميق الأزمات الداخلية، وتغذية التطرف وقمع الحريات، وفرض تفسيرات دينية متشددة موجهة ضد النساء بشكل كبير"، حسبما يجمع مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

والأربعاء، بدأت سلطات طالبان إحياء الذكرى الثالثة لعودتها إلى السلطة في قاعدة باغرام الجوية الأميركية السابقة، حيث قال رئيس الوزراء، حسن أخوند، في كلمة ألقاها رئيس مكتبه إن على البلاد "الإبقاء على حكم الشريعة الإسلامية".

دولة طالبان "الثانية"

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

وفي عام 1996 وصلت طالبان إلى الحكم في أفغانستان للمرة الأولى، وامتدت فترة حكمها إلى عام 2001.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن طالبان منذ استيلائها على الحكم للمرة الثانية في أفغانستان وهي تمارس "التضييق على هامش الحريات، فضلا عن موقفها المتشدد من المرأة الذي لم يتغير".

وطالبان حركة "متشددة" على مستوى الأفكار والممارسات، ولم تغير مواقفها تجاه الحريات العامة والمرأة، ولذلك منعت النساء من العمل والدراسة حتى على مستوى الطالبات "صغار السن"، وتطمس صورة السيدات في الإعلانات واللوحات الإرشادية على الطرقات، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويؤكد أن طالبان "تدعم الحركات الأكثر تطرفا، وتحتضن تنظيمات على غرار تنظيم القاعدة العابر للقارات والحدود"، وبالتالي فالحركة "المتشددة" لم تغير مواقفها على الإطلاق.

ما علاقة "الشريعة الإسلامية"؟

يعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"، بما في ذلك عقوبات الإعدام والعقوبات الجسدية، وفقا لمراقبين.

وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت عودتها إلى السلطة، عززت طالبان قبضتها على البلاد، وضاعفت الإجراءات الهادفة إلى القضاء على "حرية النساء".

وأغلقت طالبان أمام النساء أبواب الثانويات ثم الجامعات، وكذلك المنتزهات وصالات الرياضة والحمامات، في سياسة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "فصل عنصري بين الجنسين".

وفي الفترة الفاصلة بين حكمي طالبان، كانت "الفتيات مخولات ارتياد المدارس وتسنى للنساء إيجاد فرص عمل في كل القطاعات".

وفي الوقت الحالي فإن أفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي "تحظر على الفتيات إكمال الدراسة بعد التعليم الابتدائي".

وتفرض طالبان قوانين تستند إلى "تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية".

لكن المدير السابق لإدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، عبد العزيز النجار، ينفي ارتباط الإجراءات التي تتخذها طالبان والقوانين التي تفرضها الحركة بـ"الشريعة الإسلامية".

والجماعات والحركات المتطرفة والمتشددة على غرار "داعش والقاعدة وطالبان"، تستند إلى فتاوى "قديمة كانت تناسب عصرا معينا ولا تنطبق على عصرنا هذا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن "الفتاوى اجتهاد بشري تتغير بتغير الزمان والمكان، وليست شريعة إسلامية، ولا يوجد في الدين ما يمنع عمل وتعليم النساء".

وبالتالي "لا يجوز تعميم الفتاوى" التي تمثل فهم العلماء للدين في عصر معين واعتبار أنها "شريعة" يجب أن يطبقها الجميع، حسبما يؤكد النجار.

ويشدد على أن الدين الإسلامي "لا يمنع المرأة من الحياة، ولا يحرم ولا يجرم تعليم النساء أو عملهن"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "وجوب تعليم" المرأة في الإسلام، من أجل نهضة المجتمع، وحرمانها من ذلك هو "تعطيل لمسيرة بناء الأمم".

وعمل المرأة من عدمه يرتبط برغبتها فقط "لأن الإسلام لا يمنع النساء عن العمل"، وفق مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية السابق.

ويؤكد النجار "أن من يمنع تعليم وعمل المرأة، يسيء للدين وينفر الناس منه، ويخالف وصية النبي محمد، عندما قال: (استوصوا بالنساء خيرا)".

ماذا جنت أفغانستان؟

بعد ثلاث سنوات على عودة طالبان إلى الحكم، تعاني أفغانستان "ركودا اقتصاديا كاملا"، فيما يغرق سكانها في الفقر وسط أزمة إنسانية متفاقمة، بدون أمل في تحسن الأوضاع في المستقبل المنظور، وفق خبراء.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني انكماشا حادا بنسبة 26 في المئة في 2021 و2022 بحسب البنك الدولي الذي حذر بأن "النمو سيكون بمستوى الصفر للسنوات الثلاث المقبلة وستتراجع العائدات للفرد تحت الضغط الديموغرافي".

ومع عدم اعتراف أي دولة بحكومة طالبان، توقفت المساعدات الإنمائية، وانهارت المساعدات الإنسانية بحيث بات ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم 45 مليون نسمة يعيشون على الخبز والشاي، في ظل انتشار البطالة.

وحذّر بيان مشترك صادر عن منظمات دولية غير حكومية، من تزايد النقص في المساعدات، مع وجود 23.7 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية.

ويرى أديب أن "أفغانستان لم ينالها سوى وضع اقتصادي صعب ومتدهور، وعزلة دولية، وأزمات حقيقية تمس المواطن الأفغاني من رجال أو نساء أو حتى بعض الأقليات الدينية والعرقية".

والجميع "يعاني معاناة حقيقية من وجود حركة طالبان التي تدعي أنها تحكم بالشريعة الإسلامية لكن هذا الادعاء غير صحيح، فالحركة لا تحكم بالإسلام لكن بما يؤمنون به من تصور ديني"، وفق الباحث بشؤون الجماعات المتطرفة.

وتملك أفغانستان ثروات معدنية وإمكانات زراعية هائلة، لكنها تعاني هجرة الأدمغة وضعف بالبنى التحتية وانقطاع الخبرات الأجنبية ومصادر التمويل.