أصدر القضاء العراقي أحكاما جديدة بالإعدام على 14 عنصرا من تنظيم داعش شاركوا في مجزرة سبايكر. وجاء في نشرة للمركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى أن "الأحكام بحق المجرمين الإرهابيين تأتي استنادا لأحكام المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005".
ينضاف الحكم إلى سلسلة من الأحكام القضائية المماثلة منذ 2015 في القضية التي شغلت الرأي العام المحلي والعالمي لثماني سنوات، ولا تزال جرحا مفتوحا لآلاف الأسر التي فقدت أبناءها في المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 1700 شخص.
#مجزرة_سبايكر
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) June 12, 2020
📸 ا ف ب pic.twitter.com/9XIJvted9J
الجريمة
بينما كانت أنظار العالم في 12 يونيو 2014 مصوبة نحو الموصل، المدينة التاريخية التي سقطت فجأة في يد داعش، كانت جرافات التنظيم في مدينة تكريت تحفر الأخاديد تحضيرا لإحدى أبشع جرائم الإبادة الجماعية في تاريخ العراق المعاصر: أكثر من 2000 طالب في قاعدة سبايكر العسكرية تم نقلهم في شاحنات كبيرة إلى حتفهم، وأظهر مقطع مصور بثه التنظيم مئات من الشبان واليافعين يتم تصفيتهم جماعيا وتجريف جثثهم بالجرافات، فيما أعدم آخرون وألقيت جثثهم في نهر دجلة.
وُجدت طبقا لمعطيات رسمية حوالي 1174 جثة موزعة في 17 مقبرة جماعية داخل منطقة القصور الرئاسية حيث جرى تنفيذ المذبحة، كما انتشلت 63 جثة من نهر دجلة.
واستنادا إلى تقرير لمكتب حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق فقد تم اكتشاف أكثر من 200 مقبرة جماعية خلفها تنظيم داعش في العراق خلال فترة سيطرته الممتدة من 2014 إلى 2017.
استهل تنظيم داعش مشواره الحافل بالإبادات الجماعية بتنفيذه لمجزرة سبايكر المروعة في يونيو 2014، ومع أن التنظيم قام لاحقا بتنفيذ مجازر وحشية أخرى في العراق وسوريا وليبيا ووسط وغرب إفريقيا والساحل ولا يزال يقوم بها حتى اللحظة إلا أن سبايكر تبقى علامة فارقة في سجله الدموي الطويل.
ففي الوقت التي أباد فيه التنظيم مئات من طلبة القاعدة العسكرية المعروفة، صفى بدم بارد أيضا عشرات من منتسبي أجهزة الشرطة والجيش من الطائفة السنية متراجعا عن وعد قطع لهم بالعفو عنهم، وسميت هذه المجزرة في وثائق التنظيم بمجزرة المستتابين.
ونفذ أيضا مجازر بحق عشائر في الأنبار العراقية والمنطقة الشرقية في سوريا وفي سنجار شمال العراق، لكن ما يميز مذبحة سبايكر أن ضحاياها قاربوا 2000 ضحية جرى توثيق إعدامهم بالفيديو. إنها ربما تكون أول إبادة جماعية في التاريخ يتم تصويرها من زوايا متعددة مع حرص واضح على تسجيل الكلمات الأخيرة للضحايا واستغاثاتهم اليائسة إمعانا في التشفي.
مسار العدالة
بدأت رحلة البحث عن الجناة وتقديمهم للمحاكمة عقب المجزرة مباشرة إذ شكلت عشائر تكريت خلايا لتعقب المتورطين فيها وتحديد هوياتهم. وبعد ثلاثة أشهر من الواقعة، أعلنت الشرطة العراقية اعتقال 23 شخصا متهما بالمشاركة فيها، ثم بعد أيام قليلة أعلن عن اعتقال عنصرين آخرين. وفي فبراير 2015 تم اعتقال 30 شخصا آخرين، 16 منهم اعترفوا بالتهم المنسوبة إليهم، كما أصدرت السلطات الأمنية مذكرة اعتقال بحق 180 آخرين، ليتساقط بعدها عشرات العناصر الضالعين في المذبحة، ويصل العدد حسب تصريح لأحد النواب العراقيين إلى 500 مشتبه به في 2020.
في سيناريوهات أعادت إلى الأذهان محاكم نورنبرغ الشهيرة التي حوكم أمامها النازيون بعد استقدامهم من الدول التي لجأوا إليها، جرى جلب أو استدراج الدواعش المتورطين في مذبحة سبايكر من دول مختلفة فروا إليها، أو اعتقالهم ومحاكمتهم هناك بعد تعميم مذكرات بحث بشأنهم.
ففي ديسمبر 2015 قامت السلطات الفنلندية باعتقال شقيقين عراقيين للاشتباه في تورطهما في المجزرة، وظهورهما في الشريط المرئي الذي أصدرته داعش ووثقت فيه لأطوارها. وتجدر الإشارة إلى أن بعض منفذي المجزرة ظهروا في الشريط بوجه مكشوف.
وفي غشت 2017، أعلنت تركيا اعتقال ثلاثة أفراد ينتمون لداعش واحد منهم شارك في مذبحة سبايكر.
وفي يونيو 2018، أعلنت السلطات الفرنسية اعتقال لاجئ عراقي تبين أنه عضو سابق في داعش ومتورط أيضا في المذبحة. وفي نوفمبر 2022، أعلنت السلطات العراقية تسلمها من نظيرتها اللبنانية عبد الله ياسر السبعاوي حفيد شقيق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للاشتباه في تورطه في المذبحة، واستندت في ذلك إلى اعترافات معتقلين في ذمة القضية.
بعد عام واحد فقط على المجزرة شرع القضاء العراقي في إصدار أحكامه على المتهمين. ففي يونيو 2015، أدان 24 شخصا بما نسب إليهم من جرائم المشاركة في المذبحة الجماعية بسبايكر وحكم عليهم بالإعدام شنقا. وفي 21 من غشت 2016، نفذت السلطات العراقية أولى أحكام الإعدام في القضية، وأعلنت عن إعدام 36 شخصا. وبعد عام نفذت حكما مماثلا على 38 شخصا آخر في القضية ذاتها. ثم توالت أحكام الإعدام وتنفيذها على مدار السنوات اللاحقة، وكان آخرها الحكم على 14 متهما بالإعدام في 27 من الشهر الجاري. وهي أحكام تحفظت عليها منظمات دولية وقالت بأن المحاكمات شابتها خروقات متعددة.
التدويل بحثا عن الحقيقة
رغم الحبر الكثير الذي أسالته مذبحة سبايكر الرهيبة، ورغم المحاكمات المستمرة وعشرات الأحكام بالإعدام إلا أن قطاعا من العراقيين مازال يعتقد أن هناك جانبا من الحقيقة لم يُكشف عنه الستار بعد. أسئلة كثيرة مازالت معلقة وتنتظر إجابات.
صحيح أن أحكاما بالإعدام نالت العشرات من الضالعين فيها، لكن معظمهم كانوا مجرد أدوات منفذة، وبعضهم كان في سجن تكريت قبل فترة قصيرة من ارتكابها وأرغمهم التنظيم على المشاركة فيها تعبيرا عن الولاء وامتنانا له على تحريرهم.
ويعتقد كثير من العراقيين وكتل سياسية وازنة أيضا أن أطرافا في الداخل العراقي تتحمل جزءا من المسؤولية، وينتظرون من التحقيقات أن تكشف عنها: من فتح أبواب القاعدة العسكرية؟ ومن أوحى لآلاف الطلاب ومنتسبي الفرقة 18 بعدم المقاومة وتسليم أنفسهم لعشرات من الدواعش؟ أسئلة ملحة ما زالت تبحث لنفسها عن إجابات.
يعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2379 لسنة 2017 أرضية مناسبة لتدويل جريمة "سبايكر" وسواها من الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، ويطلب القرار إنشاء فريق تحقيق برئاسة مستشار خاص لدعم الجهود المحلية الرامية إلى مساءلة التنظيم عن طريق جمع وحفظ وتخزين الأدلة في العراق على الأعمال التي قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبت في العراق.
تنظيم داعش لم يعد جماعة محلية عراقية منذ 2013 بل تحول إلى تنظيم عابر للحدود، ويستفيد من شبكات متشعبة من المناصرين حول العالم تمده لوجستيا بما يحتاجه لمواصلة حروبه الدموية. كل ذلك جعل مطلب تشكيل محكمة خاصة مستقلة تنظر في جرائم التنظيم مطلبا قويا.
وقد سعت دول كثيرة في هذا السياق إلى إحالة ملف انتهاكات التنظيم إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12 من نظام روما الأساسي.
وقد تكون إحالة جريمة سبايكر وغيرها من جرائم داعش إلى المحكمة الجنائية الدولية خطوة أساسية لتحقيق العدالة لذوي الضحايا ومحاسبة الجناة. فالمحكمة ستلزم الدول على التعاون معها فيما يتعلق بتسليم المجرمين والمشتبه بهم وتقديم الأدلة والمستندات ذات الصلة. وتستطيع المحكمة تأمين الشهود أثناء وبعد أخذ إفاداتهم وتسهيل انتقالهم إلى مقرها.
وقد طالب العراق مرارا بتدويل قضية سبايكر. وحث برلمانه على تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول المذبحة. فهل ستكون "المحكمة الجنائية الدولية" شاطئ الحقيقة الذي سترسو عليه أخيرا سفينة العدالة في قضية سبايكر.
