مر نصف عام على مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في غارة جوية استهدفته وسط العاصمة الأفغانية كابل. وبصورة غير مسبوقة، التزم التنظيم الصمت المطبق إزاء مصير زعيمه، ولم ينشر أي تأكيد أو نفي للخبر، تاركا باب التكهنات والتفسيرات حول السبب مشرعا على مصراعيه إلى اليوم.
"ظهور" جديد للظواهري!
نشر تنظيم القاعدة بعد مقتل زعيمه الكثير من البيانات النصية والخطابات المرئية، بينها تسجيلات مرئية لأيمن الظواهري، وكانت الإشارة الوحيدة التي يمكن التقاطها منها هي غياب عبارة "حفظه الله" التي تأتي عادة رديفة لاسمه في التسجيلات المنشورة له قبل 31 يوليو الماضي.
نعى الظواهري في التسجيلات التي نشرت بعد مقتله قادة تنظيمه في شبه القارة الهندية، والزعيم السابق لجماعة أنصار الشريعة في تونس أبا عياض التونسي، والذي أصبح قياديا في تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وقتل في شمال مالي في بداية عام 2019.
بث هذه المواد بعد مقتل الظواهري كشف عن خطة النشر التي يتبعها تنظيم القاعدة عندما يتعلق الأمر بخطابات أمرائه. إذ يبدو أن الظواهري كان يستغل الفترات التي يطمئن فيها على أمنه الشخصي وتتاح له الإمكانيات التقنية، ليسجل مجموعة من الخطابات دفعة واحدة ثم تقوم مؤسسة السحاب لاحقا بنشرها على دفعات قد تمتد لعدة أشهر، الأمر الذي يعطي انطباعا أن الرجل دائم الظهور ويمارس مهامه بأريحية.
بدا واضحا من خطابات الظواهري الأخيرة أنه قد تمتع في إقامته بالحي الدبلوماسي وسط كابل بهامش من الأمان والامتيازات. كانت هناك مكتبة تحت تصرفه ومتسع من الوقت للكتابة في قضايا الإيمان والإلحاد، وتسجيل خطابات ومحاضرات تتجاوز مدتها الساعة، بينما في السنوات السابقة كان يضطر أحينا للكمون وقطع اتصالاته بالعالم الخارجي لمدة تتجاوز السنتين، مفوضا خلالها بعضا من صلاحياته إلى نوابه.
صمت تنظيم القاعدة إلى الآن إزاء مصير زعيمه يمكن إرجاعه إلى أسباب أهمها:
تجنب إحراج طالبان
ماذا يعني اعتراف القاعدة بمقتل زعيمها أيمن الظواهري وسط العاصمة الأفغانية كابل وفي منزل تعود ملكيته إلى قيادي في جماعة سراج الدين حقاني وزير داخلية طالبان؟
في الواقع، يعني هذا أن الحركة التي تسيطر على أفغانستان منذ غشت 2021 مازالت تحتفظ بروابط متينة مع القاعدة في الوقت الذي تحاول فيه إقناع المجتمع الدولي بعكس ذلك.
ولا يستبعد أن يأتي صمت القاعدة بإيعاز من طالبان التي لم تنشر هي الأخرى أي صورة للشخص المستهدف في الغارة الأميركية، وتضاربت تصريحاتها بشأن هويته. والراجح أن ثمة توافقا بين قيادة القاعدة وبين حركة طالبان بخصوص ما يجب وما لا يجب أن يقال حول الحادثة.
وتعمل الحركة جاهدة لتنأى بنفسها عن التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب، وتسعى للحصول على اعتراف المجتمع الدولي، ورفع العقوبات عنها، وفي نفس الوقت لا تريد أن تتنكر لرفاق الأمس خصوصا مع وجود شخصيات رفيعة في الحركة مازالت هي الأخرى على قوائم الارهاب وترى أن ما يجمعها مع القاعدة أكثر مما يفرقها.
إحراج الجهاديين
أشارت وثائق تنظيم القاعدة بشكل واضح إلى أن سيف العدل سيكون زعيما للتنظيم إذا توفي كل من الظواهري وأبو الخير المصري وأبو محمد المصري وأبو بصير ناصر الوحيشي. لكنها اشترطت أن يكون المرشح للقيادة مقيما في "خراسان" أو في فرع من فروع القاعدة، وبما أن سيف العدل موجود في إيران فإن انتقاله إلى أفغانستان شرط ضروري لبيعته أميرا على التنظيم.
ربما يرجع تأخر الإعلان عن القائد الجديد إلى تحديات أمنية ولوجستية قد تكون أعاقت انتقال سيف العدل إلى داخل أفغانستان، خاصة وأن تحركه داخل إيران سيصبح أكثر حذرا وخطواته ستكون محسوبة بعد الانكشاف الأمني للحلقة القيادية الناشطة في إيران ووصول المخابرات الأجنبية إلى رفيقه أبو محمد المصري وتصفيته في أحد شوارع طهران سنة 2020.
من جانب آخر، يعتبر تنصيب شخصية تنشط من إيران في منصب قيادي لجماعة سلفية أمرا محرجا للغاية، لاسيما وأن عقيدتها القتالية تصنف إيران ضمن ما تسميه "قوى الكفر العالمي" الذي لا يجب التواني عن محاربته، كما أن منظومتها الأيديولوجية تعتبر الشيعة بشكل عام أعداء تاريخيين لا سبيل للمصالحة معهم.
سيف العدل نفسه كان شخصيا من المؤيدين لحملة الزرقاوي التي استهدفت الشيعة، بما في ذلك المدنيين، في العراق ابتداء من 2003. ومن الصعب بالتالي العثور على "تخريجة" مناسبة لهذه المسارات المتناقضة، وصياغة رواية متناسقة وتفسير مقنع.
خلاف داخلي
لا يمكن استبعاد فرضية وجود خلاف داخلي أدى إلى تأجيل الحسم في مسألة تعيين أمير جديد لتنظيم القاعدة هذا الوقت كله. وقد كشفت وثائق أبوت أباد سابقا أن أسامة بن لادن يضطر أحيانا إلى تعيين بعض الشخصيات في مناصب رفيعة بواسطة خطاب صوتي داخلي حتى يدعن الجميع للقرار، لأن هناك أصواتا تتمرد على الترقيات وترفض الاعتراف بها.
عطية الله الليبي كتب مثلا إلى أسامة بن لادن منبها إياه إلى أن قرار تعيين إحدى الشخصيات في منصب رفيع لن يروق "لبعض الكبار" داخل التنظيم. يحدث هذا في وقت كان فيه معظم قادة الصف الأول على قيد الحياة، وكان الحضور الكاريزمي لبن لادن طاغيا ومؤثرا على كافة أفراد التنظيم.
اليوم، تشعبت أزمات التنظيم أكثر من أي وقت مضى. وثمة قضايا كثيرة مثيرة للجدل قد لا يحصل الإجماع بخصوصها. يعيش الفرع اليمني على سبيل المثال على وقع انقسام كبير أسفر عن تصدعات عميقة في بنيته التنظيمية، كما أن هناك خلافا آخر داخل التيار الجهادي حول وجاهة و"شرعية" عودة تنظيم القاعدة إلى سوريا من عدمه. ينضاف إلى ذلك الخلاف حول الموقف من بعض توجهات حركة طالبان كإقامتها علاقات ودية مع دول معادية للتنظيم، وسعيها لنيل العضوية في الأمم المتحدة وهو الأمر الذي تعتبره أدبيات القاعدة ومنظريها "من أعمال الكفر".
خطة أمنية جديدة
يحتمل أيضا أن يكون عدم تفاعل القاعدة مع أخبار مقتل زعيمها، وتجنب الإشارة إلى الموضوع في موادها وبياناتها المنشورة راجعا إلى اعتماد خطة أمنية جديدة تقضي بالتكتم التام على كل ما يتصل بوضع قادتها، وفرض حظر نشر على هوياتهم وأماكن نشاطهم.
من غير المستبعد في ظل نزيف القيادات الحاد الذي أصاب القاعدة في السنوات القليلة الماضية أن يسعى التنظيم إلى تطويق الخسائر في صفوفه، ويحافظ على حياة ما تبقى من قادته التاريخيين أطول فترة ممكنة.
اغتيال أيمن الظواهري لم يكن سوى القطعة الأخير من أحجار الدومينو التي بدأت في السقوط تواليا خلال السنوات الأخيرة، فقد قتل كل نواب الظواهري باستثناء سيف العدل، وقتل معظم القادة الذين دخلوا من إيران إلى سوريا (مجموعة خراسان). ولم يعد هناك شك في أن الموارد القيادية القاعدة في طريقها الى النضوب، وبالتالي ضرورة ضرب طوق أمني مغلق على هويات ونشاط أمراء القاعدة الكبار، حفاظا على حياتهم.
