تمتع جهاز الأمن الخاص في داعش بصلاحيات غير محدودة وكان عناصر لا يخضعون للمساءلة من الهيئات الأخرى.
صورة أرشيفية لمقاتلين من "داعش" في فترة سيطرة التنظيم الإرهابي على مناطق من سوريا والعراق

يتحمل الجهاز الأمني الخاص في داعش جزءا كبيرا من حصيلة الفظاعات التي ارتكبها التنظيم.

تمتع هذا الجهاز بنفوذ واسع وصلاحيات غير محدودة في أوج قوة داعش. ومع طرد التنظيم من معاقله وإسقاط "دولته" عاد الجهاز إلى طبيعته البحتة كمجموعة من الخلايا الأمنية المتمرسة في عمليات التفجير والخطف والاغتيال.

 

خبرة بعثية

 

قبل تمدد تنظيم داعش إلى سوريا في 2013 وصلت إلى المناطق المحررة حديثا من قبضة نظام الأسد كوادر متخصصة في العمل التنظيمي والأمني، أجندتها مختصرة في تأسيس منظومة أمنية استخباراتية تكون نواة "دولة" سيتم الإعلان عنها لاحقا.

طاف "حجي بكر" في مناطق الشمال السوري، ودس مساعديه في المدن والقرى، وكلفهم بجمع المعلومات حول العائلات المتنفذة ومواردها المالية، وأعضاء الفصائل المتمردة وقادتها وميولاتهم السياسية، وما إذا كان بعضهم متورطا في نشاطات يمكن أن يبُتز بواسطتها.

لقد مسح حجي بكر مناطق الشمال السوري مستعينا بعشرات المخبرين الذين وظفهم لصالحه. أوراق ومخططات الرجل، التي عثر عليها في مقر إقامته بعد اغتياله في مدينة تل رفعت في يناير 2014، أظهرت أن الرجل قطع أشواطا متقدمة في تأسيس جهاز أمني "لدولة استخبارات إسلامية"، كما يصفها كريستوفر رويتر الصحفي الألماني الذي اطلع على أوراق ووثائق حجي بكر.

استفاد سمير عبد محمد الخليفاوي، وهو الاسم الحقيقي لحجي بكر، من خلفيته العسكرية والأمنية كعقيد في الجيش العراقي السابق وضابط في استخبارات الدفاع الجوي، في إنجاز مهامه السرية في سوريا.

ولم يُقتل حتى نجح في وضع حجر الأساس لجهاز أمني دموي أطلق حملة اغتيالات واختطافات واسعة النطاق مهدت لاكتساح سريع لمناطق شرق وشمال سوريا من قبل مجموعات مسلحة قادمة من العراق وأخرى مشكلة من وافدين أجانب، انتهت بإعلان "الخلافة" واجتياح عدد من المدن في سوريا والعراق.

وبعد عدة أشهر، تم الإعلان عن "ديوان الأمن العام" ضمن هيكلية "الخلافة" كجهاز أمني أسندت إليه مهام خطيرة وحساسة، وكان دوره رئيسيا في جرائم الحرب التي ارتكبها التنظيم ولا يزال.

 

ديوان الأمن العام

 

لم يبدأ النشاط الأمني لداعش بالإعلان عن "ديوان الأمن العام" وإنما كان الديوان تتويجا لخبرة متراكمة من العمل الأمني امتدت لعشر سنوات، بدأت مع تنظيم القاعدة في العراق الذي كانت أغلب نشاطاته ذات طابع أمني. وكانت "وزارة الأمن" حاضرة في التشكيلتين الوزاريتين التي أعلن عنهما ما سمي حينها بـ"تنظيم دولة العراق الإسلامية". وكان أمنيوه مسؤولين عن أشد الهجمات فتكا في العاصمة بغداد والتي أطلق عليها "خطة هدم الأسوار" و"غزوة الأسير" واستهدفت مقرات حكومية ووزارات سيادية.

كان "ديوان الأمن العام" مشبعا بخبرة ضباط البعث وحماس المتطرفين الأجانب المفعمين بالحمية والاندفاع. وكشف وثائق داعش المسربة أن معظم ملفات التنظيم يمسك بها هذا الجهاز الذي يتمتع بصلاحيات غير محدودة، ويرتبط مباشرة بزعيم "الخلافة"، ولا يخضع عناصره للمساءلة القضائية -على صوريتها- بل لديهم قضاء خاص بهم يسمى "القضاء الأمني".

رغم وجود ما يسمى "ديوان الجند" و "هيئة الحرب"، وهما الجهتان المشرفتان على النشاط العسكري لتنظيم داعش، إلا أن "ديوان الأمن العام" يتدخل -حسب وثائق مسربة- في تقييم المعارك وأداء القادة العسكريين وإخضاعهم للتحقيق، ويقدم توصياته بشأن سير المعارك والإجراءات التي يجب اتخاذها في هذا الإطار.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"الأرض مسطحة" و"الشعوب كافرة" .. تيار تكفيري جديد يتمدد في الفضاء الإلكتروني
قد تبدو أفكار داعش أكثر النزعات التكفيرية تطرفا. لكنها في الواقع لا هي ولا حتى أفكار التيار الحازمي، وهو التيار الأكثر تشددا داخل داعش، يمكن أن تنافس أفكار تيار تكفيري جديد آخذ في التبلور، ويتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي فضاء لتداول مواقفه واستقطاب مؤيديه والدخول في جدل محموم مع معارضيه.

وأمسك جهاز الأمن أيضا بالملف "الشرعي" رغم وجود هيئات و"مكاتب شرعية" مكلفة بتدبير "الخطاب الشرعي" في التنظيم وما يتصل به من إصدار الفتاوى وطبع المنشورات والتحدث عن مواقف داعش الفقهية والعقدية.

وكان الجهاز يرفع تقارير دورية عن "حالة الشرعيين"، ويتتبع نشاطاتهم عن كثب، ويقدم مقترحاته بخصوص المسائل العقدية المثيرة للجدل، وطالب بأن يحال إليه ملف الشرعيين برمته، وخاصة أولئك "الغلاة" أو "المرجئة" الذين يروجون مواقف مخالفة للتنظيم.

إلى جانب هذه الملفات، أشرف ديوان الأمن على السجون ومواقع الاعتقال السرية، وكان يقوم بتأمين المختطفين الأجانب من ناشطين وصحفيين وعمال إغاثة..، ويتولى التحقيق مع الموقوفين، وتنفيذ عمليات الإعدام والتصفية وغيرها.

 

جيستابو الخلافة

 

شبه أبو محمد الهاشمي، وهو قيادي منشق عن داعش، "ديوان الأمن" بجهاز الجيستابو التابع للنظام النازي أو هيئة الطوارئ الروسية لمكافحة الثورة المضادة الذي أسسه قائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين.

القيادي، الذي انشق عن داعش ونجح في التواري عن أنظار الأمنيين قبل أن ينجح في الوصول إلى منطقة آمنة، رسم صورة مرعبة لديوان الأمن في "دولة الخلافة" التي أعلنها التنظيم، حيث يمكن أن تستيقظ ليلا وتجد الأمنين إلى جانب سريرك، فيجروك إلى سجونهم الرهيبة على وقع صراخ الزوجة والأولاد!

حدد البغدادي في رسالة سرية إلى أحد مساعديه المفاصل الحساسة في تنظيمه بأنها: "الولاة ونوابهم وديوان الأمن". وطالب في رسالة أخرى منفصلة بإعفاء الأمنيين من المساءلة لما ينطوي عليه عملهم من حساسية، وأوعز إلى "لجنة المتابعة والإشراف" التي شكلها بعدم التدخل في شؤون "ديوان الأمن".

كان "الديوان" يستولي على عقارات ومنازل المواطنين في المناطق التي سيطر عليها التنظيم ويحولها الى مقرات له وأوكار للتعذيب والإخفاء القسري دون أن يتجرأ أحد على الاعتراض، كما ظهر في وثيقة سربت مؤخرا وهي عبارة عن رسالة إلى أحد المواطنين في مدينة الرقة أيام سيطرة داعش عليها تطالبه بتسليم بيته الكبير الذي يسكن فيه مع أسرته "انطلاقا من المصلحة العامة للدولة وتيسيرا لأمر الإخوة في مركز الأمن العام".

يعين قادة داعش في جهازه الأمني من ثبت ولاءه المطلق، ويكون مستعدا لتنفيذ الأوامر مهما كانت طبيعتها. الولاء هنا يجب أن يكون لقادة التنظيم حصرا وليس للتنظيم ولا لعقيدة التنظيم.

وقد تابعنا كيف غيرت داعش عقيدتها و"مواقفها الشرعية" وتنازعتها تيارات عقدية مختلفة، لكن الجهاز الأمني لم يتأثر بتلك التحولات وظل يسجن ويقتل رموز هذه التيارات كلها حسب التوجيهات التي تأتيه من قيادته العليا. الولاء غير المشروط والتبعية المطلقة من الأمنيين لقادة داعش جعلت أبا محمد الهاشمي القيادي الشرعي المنشق يصف عناصر الجهاز " بمشركي الطاعة" أي أن ولاءهم يكاد يكون تأليها لزعمائهم.

 

فظاعات الأمنيين

 

ليس شرطا أن ترتكب محظورا في دولة داعش حتى تجد نفسك في أحد سجونها الرهيبة، بل يكفي أن تكون في المكان الخطأ والزمان الخطأ فيتصادف مرورك مع حملة اعتقالات عشوائية يقودها أمني يريد استعراض سلطته المطلقة على الناس.

 وأظهرت وثيقة من وثائق التنظيم أن مدرسا سوريا للغة الإنجليزية أمضى شهورا في سجون الأمنيين دون أن يعلم أحد سبب اعتقاله. وقد اعتقله "ديوان الأمن" من داخل منزله وزج به في السجن، وكلما سأل مسؤولو السجن عن سبب اعتقال الرجل، يجيبهم الأمنيون بالقول: "لا ندري"، مع أن المدرس حسب الوثيقة "ملتزم بالسنة ويتوفر على ورقة استتابة لأنه يدرس اللغة الإنجليزية ولم يغادر أراضي ولاية الرقة منذ خمس سنوات".

أبو صفية اليمني، أحد عناصر داعش، كان قد تحدث عن اعتقاله وقضائه في سجن الأمنيين مدة دون أن يعرف سبب اعتقاله، وعندما استفسر من المسؤول الأمني الذي اعتقله عن سبب اعتقاله أجابه: "نسيت لكن سأنظر في الأمر".

يمارس الأمنيون أساليب تعذيب بالغة القسوة في سجونهم، تشمل الصعق بالكهرباء والتعليق من الأطراف، والتجويع، وتعذيب الضحايا أمام أنظار عائلاتهم، والجلد والإيهام بالقتل عبر تغطية الرأس بأكياس بلاستيكية، أو إطلاق خليط من غاز الطبخ وبعض المواد الكيميائية في المهاجع والزنازين، كما يروي سجناء سابقون في معتقلات داعش. وفي أحيان كثيرة يتم تسليم جثث من قضوا تحت التعذيب إلى عائلاتهم وقد طُمست تماما معالم الجثة لدرجة يصعب معها تحديد هوية صاحبها.

يؤكد أبو محمد الهاشمي أن أكثر من 700 شخص ممن ينحدرون فقط من دول شمال إفريقيا قد قتلوا في سجون "ديوان الأمن العام"، وكلهم كانوا أعضاء سابقين في داعش.

وقد خرجت في الأيام الماضية قوائم بعشرات الأشخاص الذين قتلوا على أيدي الأمنيين، وألحقت أسماؤهم بقوائم "الشهداء" التي كان ينشرها! وإذا كان هذا حال أشخاص بايعوا داعش وقاتلوا في صفوفه، فكيف كان حال المواطنين العاديين ممن يصفهم التنظيم بـ"العوام"؟

بالنسبة للعراقيين والسوريين لا يوجد فرق بين سجن تدمر وفرع فلسطين وسجون صدام حسين وبين أوكار التعذيب التابعة لداعش.

رواية القوقعة إحدى أشهر روايات أدب السجون العربية اكتسبت سمعتها الأدبية من قصتها التي تحكي عن شاب سوري مسيحي قضى في سجون النظام السوري 13 سنة دون أن يعرف سبب اعتقاله.

في زمن داعش سجن الآلاف وعذبوا ثم أعدموا دون أن يدري بقصتهم أحد، وكثير منهم لا يعرفون سبب اعتقالهم. ومع انهيار "دولة داعش" تحولت فلوله إلى مفارز أمنية بحتة تنشر الرعب في العراق وسوريا، ويشكل التصدي لها وتفكيكها تحديا مضنيا لقوات الأمن والتحالف الدولي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام
السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام

تسبب تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السعودي، عبد المجيد النمر، بحالة من الصدمة لدى منظمات حقوقية وناشطين يقولون إن اتهام السلطات السعودية لرجل شيعي بـ "الارهاب والانتماء لتنظيم القاعدة" السني يطرح تساؤلات حول حيثيات ما جرى وعدالة الإجراءات القضائية في القضية.

ونددت المنظمة  الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، الاثنين، بإعدام النمر، واتهمت السلطات السعودية بـ "تزوير وثائق" تزعم انتماءه إلى تنظيم القاعدة.

وقال المحامي، طه الحاجي، المدير القانوني للمنظمة، غير الحكومية التي مقرها في برلين لموقع "الحرة": "المفارقة أن عبد المجيد النمر من الشيعة والقاعدة تنظيم سني، متطرف إقصائي يكفر الشيعة ولا يقبلهم".

والسبت، نفذت السلطات السعودية حكم الإعدام بحق عبد المجيد النمر (59 عاما)، وهو أب لأربعة أطفال متحدر من القطيف، وهي محافظة تسكنها غالبية شيعية تقع في شرق المملكة، بعدما دين بالانضمام إلى "خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة"، على ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال الحاجي لموقع "الحرة": "راجعنا صك الحكم الابتدائي، ووجدنا أن لائحة الدعوى لا يوجد ذكر فيها أبدا لكلمة 'القاعدة'، وأنه متهم ببعض الأمور منها المشاركة في مظاهرات، واتهامات من قبيل المشاركة في مجموعة واتساب وتأجيره جزءا من مزرعة أخيه كورشة لأحد المطلوبين أمنيا".

وبحسب "صك الدعوى" الذي حصل موقع "الحرة" على نسخة منه، فإن النمر خدم في سلك شرطة المرور لمدة 29 عاما، قبل أن يتقاعد من الخدمة.

وصدر الحكم الابتدائي بحق النمر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجنه تسع سنوات، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا القرار وحكمت عليه بالقتل تعزيرا).

يقول الحاجي إن من البديهي ألا تصدر المحكمة حكما إلا بما يطالب به أصحاب الدعوى، "ومن المفترض قانونا أن محكمة الاستئناف تنظر في القضية بطلب من المدعى عليه حتى يتم تخفيف الحكم عليه، والغريب والعجيب أن النيابة العامة لم تطلب أصلا قتله ومع ذلك قتل"، مضيفا "نحن نتحدث هنا عن منظومة قضاء ومحاكمة غير عادلة".

ويصف الحاجي إعدام النمر بأنه "كارثي"، مبني على اتهامات "بسيطة وسخيفة" لرجل كبير في السن، اعتقل بعد سنتين من خروجه على المعاش".

ويقول الحاجي إن قضية النمر بدأت نتيجة "خصومة شخصية"، إذ إن النمر كان مسؤلا عن مسجد في منطقته، وكانت هناك إلى جانب المسجد "أرض وقف"، ادعى المسؤول عنها بأن مبنى المسجد تعدى على الأرض، فاستدعت السلطات عبد المجيد النمر، وأوقف قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم استدعي مرة أخرى، وبقي معتقلا حتى إعدامه.

لكن وزارة الداخلية السعودية أفادت بأن النمر اعتقل لارتكابه "أفعالا مجرمة تنطوي على خيانة وطنه، وانضمامه لخلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، وتمويله للإرهاب والأعمال الإرهابية وتأييده للفكر الإرهابي".

وأضافت في بيان أن النيابة السعودية وجهت له الاتهام بارتكارب تلك "الأفعال المجرمة"، وهو ما أدانته به المحكمة الجزائية المتخصصة التي حكمت عليه بـ"القتل"، وهو ما أيدته محكمة الاستئناتف الجزائية المتخصصة، والمحكمة العليا. 

أوراق القضية تضمنت أيضا اتهامات بتأجير النمر  مزرعة أخيه لأحد الموقوفين "مع علمه بتحويلها إلى تصليح سيارات بطريقة غير نظامية ووكر لعدد من المطلوبين"، كما جاء في الدعوى.

ويقول الحاجي إن المؤجر لم يكن مطلوبا لكن "كان هناك بعض المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة كانوا يجتمعون أو يلتقون في هذه الورشة من فترة لفترة بحسب أوراق القضية".

ويقول حاجي إن النمر طلب من المستأجر المغادرة عندما علم بوجود مخالفات.

وتشمل الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية لعبد المجيد النمر أنه أيد مظاهرات احتجاجية ضد إعدام قريبه رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وأن مطلوبين حصلوا على طعام كان يشارك في إعداده في مأتم عاشوراء بمناسبة مقتل الإمام الحسين.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة السعودية في واشنطن بشأن انتقادات المنظمات الحقوقية، لكنه لم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذه التقرير.

يقول الحاجي إن السلطات اعتبرت توفير الطعام في محرم، وهو من ضمن الطقوس الشيعية في هذا الشهر، بأنه "تمويل إرهاب".

وقال الحاجي إن عبد المجيد النمر "لم يحمل السلاح ولم يقتل أحدا ولم يشارك في أي عمليات عنف".

"نكتة العصر"

ويصف مدير قسم الاستبداد في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن، عبدالله العودة، ما حدث في قضية عبد المجيد النمر بأنه "تناقض غريب" و"نكتة العصر".

وقال إن "السلطة تدعي أن الإرهاب انتهى وأن ولي العهد السابق كان يقتات ويحصل على الدعم الدولي بناء على ترويجه بأنه يحارب الإرهاب الداخلي وأنه تم القضاء على هذه الصفقة الفاسدة وبالتالي لا يوجد إرهاب منذ الإطاحة بولي العهد السابق"، في إشارة إلى محمد بن نايف الذي أعفي من منصبه بأمر ملكي عام 2017.

وفي عهد الأمير محمد بن سلمان، يقول العودة، إن السلطة في السعودية "كل يومين أو ثلاثة تعدم مجموعة جديدة بتهم الإرهاب في الوقت الذي تزعم فيه القضاء على الإرهاب، لذالك، هذا تناقض غريب".

ومنذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في 2017، تتبع السعودية أجندة إصلاحية طموحة تعرف باسم "رؤية 2030" تهدف إلى تحويل المملكة، التي كانت مغلقة سابقا، إلى وجهة سياحية وتجارية عالمية وتعتمد إصلاحات اجتماعية.

لكن ذلك يترافق مع استمرار قمع المعارضة، حيث تتعرض المملكة لانتقادات بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان والتضييق على الحق في التعبير على وجه الخصوص، وفقا لفرانس برس.

ويضيف العودة أن "السلطات تدعي الآن أن رجلا شيعيا من محافظة معروفة بالتدين الشيعي ينتمي إلى تنظيم القاعدة الذي يكفر الشيعة ويستهدف مجموعات بناء على الهوية الشيعية في مناطق مختلفة حول العالم، هذه نكتة العصر".

واعتبر أن "هذا الخلط الغريب للسلطة يكشف أولا عن استغلال مؤسسات الدولة من قضاء وإعلام لتبرير القتل والقمع، حيث أننا نشهد في عهد محمد بن سلمان أعلى معدل في تاريخ الإعدامات في الجزيرة العربية".

ولطالما تعرّضت المملكة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب عمليات الإعدام ونظامها القضائي.

وأعدمت السعودية بالفعل أكثر من 140 شخصا في العام 2024، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، علما أن السلطات نفذت 170 إعداما في 2023، 33 مها بحق أشخاص إدانهم قضاء المملكة في قضايا مرتبطة بالإرهاب.

وأعدمت السعودية هذا العام 20 شخصا دينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وكانت المملكة الخليجية أعدمت 74 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال العودة: "هذه قضية صارخة وفاضحة لأن الملابسات التي عرضتها الدولة لا يقبلها المنطق فحسب بل لا تقبلها السردية الرسمية للأدوات الحكومية في الداخل".

"من أجل إخافة الآخرين"

واعتبر مؤسس منظمة "القسط" لحقوق الإنسان، العضو المؤسس لحزب التجمع الوطني، يحيى عسيري في حديثه مع موقع "الحرة" أنه "يبدو واضحا أن هناك تهورا بالحكم في قضية عبد المجيد النمر".

وقال: "المشكلة ليست مع عبد المجيد النمر، ولكن المشكلة أن كثيرا من الإعدامات تكون في حق الأقلية الشيعية ويبدو واضحا أنهم مستهدفون".

ويرى عسيري أن السلطة تسير على منهج إصدار أحكام كبيرة حتى لو كان هذا التصعيد للأحكام غير مبرر من أجل تخويف الناس".