متظاهرون سودانيون يرفعون علم بلادهم خلال تظاهرة  أمام مقر الجيش في العاصمة الخرطوم في 25 أبريل 2019.
متظاهرون سودانيون يرفعون علم بلادهم خلال تظاهرة أمام مقر الجيش في العاصمة الخرطوم في 25 أبريل 2019.

كانت آمال الشعب السوداني عريضة في وضع حد لحقبة سياسية كان فيها السودان خاضعا للعقوبات ومدرجا على لائحة الدول الراعية للإرهاب. وعندما تكللت انتفاضته بإسقاط نظام الرئيس عمر البشير في 11 أبريل 2019، كانت القوى المدنية والعسكرية التي أدارت المرحلة الانتقالية قد أجمعت على تطبيع علاقة السودان مع المجتمع الدولي وتسوية القضايا المرفوعة ضده، والانخراط الفعال في جهود مكافحة الإرهاب، وإنهاء عزلة البلد التي دامت لثلاثة عقود. 

لكن، ما إن وقعت القوى السياسية والعسكرية "اتفاقا إطاريا" في 5 ديسمبر 2022 ينص على تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، حتى نشب خلاف حاد داخل المكون العسكري، سرعان ما تحول إلى نزاع مسلح لم يقوض فقط آمال السودانيين في الحرية والديمقراطية، ولكنه أنذر أيضا بتحويل السودان إلى دولة فاشلة يعصف بها الانقسام، وبؤرة أخرى للإرهاب العنيف في إفريقيا.

 

 السودان والقاعدة

 

أسباب كثيرة يمكن أن تجعل تنظيم القاعدة مهتما بإعلان وجوده في السودان خلال المرحلة القادمة إذا استمرت الأوضاع الأمنية في التدهور، وتواصلَ القتالُ بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني.

ففضلا عن التنافس الشرس بين القاعدة وداعش في إفريقيا وحماس كل واحد منهما لتقديم نفسه كمظلة بديلة لاستقطاب آلاف المحسوبين على التيار الإسلامي في السودان، فقد غيرت الثورة أيضا وضع السودان في أجندة الجماعات الإسلامية بمختلف توجهاتها.

فتعاونه الوثيق في الحرب على الإرهاب، وما يقتضيه ذلك من تبادل للمعلومات وإنهاء الملاذات الآمنة وتأمين الحدود وتجفيف منابع التمويل وأخيرا رفع قوات الدعم السريع لشعار محاربة "الإسلاميين المتطرفين"، كل ذلك سيغير وضع السودان في أجندة هذه الجماعات من عمق لوجيستي وقناة عبور كما كان منذ عقود إلى ساحة قتال ومواجهة.

هذا بالضبط ما لمح إليه تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب في السودان في 2021، أي حتى قبل اندلاع المواجهات الحالية، فقد لفت التقرير إلى أن البلد وإن لم يشهد حوادث إرهابية في 2021 إلا أن التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وحركة "سواعد مصر" تفضل استخدامه كمركز للخدمات اللوجستية وتريده أن يبقى كذلك، "وهو ما سيتغير مع ازدياد ضغط القوى الأمنية على الإرهابيين هناك" وانخراط السودان في جهود مكافحة الارهاب.

لا يعتبر السودان بيئة غريبة على تنظيم القاعدة، ولعل سيف العدل الرجل الذي يقود التنظيم حاليا من أبرز القيادات ذات المعرفة الوثيقة بثقافة البلد وجغرافيته، فقد استقر فيه لسنوات مع مؤسس التنظيم أسامة بن لادن، وعبر منه مرات عديدة وهو ذاهب إلى شرق إفريقيا في مهماته المبكرة هناك.

لقد تزامن تأسيس القاعدة مع ما سمي "ثورة الإنقاذ" بزعامة كل من عمر البشير وحسن والترابي سنة 1989. وفي السنة، نفسها أسس أسامة بن لادن شركة وادي العقيق في السودان، ومن خلالها قدم خدمات كثيرة للنظام السياسي الجديد منها تشييد طريق بري لصالح الجيش السوداني يمتد لمسافة 120 كلم، يسمح للجيش بالوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق حينها.

وبعد ثلاث سنوات، عززت القاعدة حضورها اللوجيستي في السودان وأسست عددا من المقاولات والشركات أهمها شركة "الهجرة" المتخصصة في شق الطرق وبناء الجسور، وشركة "الثمار المباركة" المتخصصة في الزراعة، وشركة "طابا" المتخصصة في الاستيراد والتصدير وشركة "قدرات" للنقل وغيرها.

ومن حينها، وحتى ما قبل سقوط نظام عمر البشير في 2019، كان قرار القاعدة غير المعلن أن يبقى السودان عمقا لوجيستيا وممرا آمنا لأموال التنظيم ومقاتليه. ولم يؤثر على هذا القرار مغادرة التنظيم للسودان عام 1996، لأن نظام البشير استمر في غض الطرف عن أنشطة الجهاديين والإسلاميين عموما.

في مارس 2017، نجحت القاعدة في إبرام تحالف موسع جمع عددا من التنظيمات الجهادية في جماعة واحدة سميت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي
الإرهاب في مالي.. جرائم يتجاهلها العالم وتغطيها رمال السياسة المتحركة
في بؤر الصراع الأهلي عبر العالم، يكون الاغتيال السياسي وتفجير العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والانتحاريون نمطا سائدا في يوميات النزاع. أما في مالي فإبادة القرى يكاد يكون أسلوبا مفضلا لدى مختلف التنظيمات المسلحة والمجموعات العرقية والقبلية المنتشرة هناك.
 

خطط جديدة

 

المؤشرات الأولى على تحول موقف تنظيم القاعدة، وشروعه في وضع خطط تحويل السودان إلى ساحة مواجهة ونشاط عسكري عبر عنها القيادي البارز في التنظيم أبو حذيفة السوداني. وكان الرجل سابقا مقربا من أسامة بن لادن وأبي مصعب الزرقاوي، ومدربا في معسكر الفاروق، وبعد جولة طويلة على بؤر التوتر حول العالم استقر أخيرا في السودان. وعندما سقط نظام عمر البشير، كتب وثيقة بعنوان لافت "الآن جاء القتال" أكد فيها أن "واجب المرحلة وفريضة الوقت هو القتال في السودان".

وعلى مدار صفحات الوثيقة التي تجاوزت الثمانين شرح أبو حذيفة بالتفصيل رؤية القاعدة لوضع السودان، مكفرا كل القوى المدنية والعسكرية التي أدارت المرحلة الانتقالية، ومهاجما في الوقت ذاته ما يسمى بالتيار الإسلامي العريض الذي تبنى خيار المواجهة السلمية والذين" يظنون أنهم من خلال صناديق الاقتراع يخدعون الطاغوت" حسب تعبيره. وخصص حيزا في الوثيقة لما اعتبره نصائح وتوجيهات "في ظل إرهاصات المواجهة القادمة".

وفي سياق دعوته إلى ما سماه "سودنة الجهاد" عرج على كل التفاصيل التي رآها مهمة لإطلاق شرارة القتال في السودان، بما فيها دراسة الطبيعة الجغرافية للبلد ومدى ملاءمتها لحروب العصابات التي تفضلها القاعدة وخلص إلى أن "السودان بلد توفرت فيه الشروط الموضوعية لقيام حرب عصابات ناجحة.. لأنه شاسع المساحة ومترامي الأطراف ومتنوع المناخ والتضاريس من جبال وغابات وصحار مما يتيح مجالا واسعا للحركة والمناورة".

وبينما انشغلت المكونات المدنية والجيش السوداني بمداولات التوافق على شكل النظام الجديد،كان أبو حذيفة السوداني متفرغا للتوجيه والتحريض مستخدما صفحته على فيسبوك في نشر كتبه ومقالاته التي تدور كلها حول فكرة واحدة وهي: " وقت السودان قد حان".

رؤية القاعدة التي عبر عنها أبو حذيفة السوداني أكد عليها بالوضوح نفسه القيادي في تنظيم القاعدة في اليمن إبراهيم القوصي (خبيب السوداني) في خطاب له بعنوان "حرض المؤمنين على القتال" دعا فيه كل مكونات الحركة الإسلامية في السودان إلى القتال.

ومع اندلاع المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تداول ناشطون محسوبون على القاعدة في مجموعات الدردشة مقالات أبو حذيفة السوداني ومقاطع من خطاب إبراهيم القوصي (خبيب السوداني) وفتحوا نقاشات حول "الفرص التي باتت سانحة في السودان". " فرصة ذهبية للإخوة في السودان لاغتنام الأسلحة ولإنشاء كيان لهم.. نحن نعيش وننمو في ظل الفوضى" كما كتب أحدهم.

وقد ساهمت خطب وفتاوى الصادق أبو عبد الله الهاشمي السوداني في إيجاد المسوغات العقدية والفقهية للعمل المسلح في السودان، ويعتبر الهاشمي من أبرز منظري التيار الجهادي في العالم.

 

داعش يتربص

 

في آخر ظهور مرئي له، وقبل اغتياله ببضعة أشهر استغل أبو بكر البغدادي تعليقه على سقوط نظام البشير في 2019 بالتحريض على فتح جبهة في السودان. وعلى امتداد السنوات اللاحقة، أصدرت المؤسسات الإعلامية المقربة من الإعلام الرسمي لتنظيم داعش مقاطع مرئية وأناشيد ومقالات متنوعة تدعو إلى "النفير للسودان"، كما كتبت صحيفة "النبأ" الناطقة باسم داعش في افتتاحية عددها 315 موجهة السودانيين إلى توحيد "طاقاتهم للقتال في السودان".

ومنذ اندلاع الاشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني منتصف الشهر الماضي، حظي السودان باهتمام متزايد على المنصات الخاصة بمناصري تنظيم داعش، حيث يجري تبادل المعطيات حول الوضع هناك ومتابعة تحديثات الأخبار وخرائط السيطرة وانتشار القوات المتحاربة، وهم يعتقدون تماما أن ظهور "ولاية السودان" مسألة وقت لا أكثر، إذا استمرت الأوضاع الأمنية في التفاقم على هذا النحو.

"التوحش" مفهوم أساسي في الأدبيات الاستراتيجية الخاصة بداعش والقاعدة. ومرحلة التوحش يقصد بها دخول بلد ما في حالة من الفوضى العارمة تنهار معها سلطة الدولة وتتفكك مؤسساتها الأمنية والخدمية، حتى يغدو الأمن والاستقرار مطلبا ملحا للسكان. وفي هذه المرحلة، ينبغي على المجموعات الراديكالية التدخل و "إدارة التوحش" من خلال فرض الأمن وإقامة مؤسسات قضائية موازية وتأمين الحاجات الغذائية الأساسية. و"إدارة التوحش" هي المرحلة التي تسبق إقامة الدولة أو "التمكين" حسب أبو بكر ناجي، وهو السيناريو الذي تكرر في كثير من المناطق مثل العراق وسوريا وأفغانستان، واليمن، وليبيا وغيرها. ويبدو أن السودان في ظل الانقسام السياسي والعسكري الراهن قد يسير إلى مرحلة التوحش.

من المشاركات التي تداولها نشطاء داعش على الإنترنت، مقالة مختصرة تضمنت توجيهات إلى أنصار التنظيم في السودان، اقترحت العمل وفق خطة من 3 مراحل. تبدأ أولا بتشكيل مفارز والتربص بالثكنات ومراكز الشرطة التي يغادرها عناصر الأمن والجيش وجمع ما يمكن من الأسلحة والمعدات العسكرية المخلفة ثم الانحياز إلى أماكن نائية كالغابات والصحاري والجبال، ومن هناك تبدأ الإغارات السريعة على التجمعات العسكرية والأهداف السهلة.

 

لعنة الجغرافيا

 

تكمن المعضلة الكبرى للسودان في موقعه الجغرافي الحساس. بالنسبة لداعش والقاعدة من الصعب أن تمضي مشاريعهما في إفريقيا والخليج إلى نهايتها المنشودة دون وضع اليد على السودان أو على الأقل الحفاظ على وضعه السابق كمركز لوجستي وقناة عبور، وهو ما ينطبق أيضا على جماعات مسلحة أخرى مثل حماس وحزب الله وغيرها.

وقد لفت تقرير لمؤسسة الأبحاث والتطوير RAND إلى خطورة الموقع الجغرافي للسودان بالنسبة للنشاط الإرهابي في إفريقيا والجزيرة العربية وأكد أن "الجزء الأكبر من مشكلة السودان اليوم هو الجغرافيا. إذ يشارك الحدود مع سبع دول ويملك خطا ساحليا ممتدا على البحر الأحمر مما يضع الدولة في قلب بعض أكثر المناطق التي تعرف انتشارًا للنشاط الإرهابي في إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. تقع جماعة بوكو حرام وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وداعش في الصحراء الكبرى في الغرب، في حين أن الحدود الشمالية للسودان مع ليبيا ومصر تجعلها عرضة للاختراق من قبل مجموعات موالية للقاعدة وداعش".

ويضيف التقرير أن ذلك "يجعل من السودان بوابة محتملة لربط محاور النشاط المتشدد في شمال ووسط وشرق إفريقيا".

يبدو السودان على الخريطة كقطعة "البازل" التي لا تكتمل الصورة بدونها. في التصور الاستراتيجي للقاعدة، يعتبر السودان المفصل الذي يربط أهم وأخطر فروعها في العالم، وهي فرعها في شرق إفريقيا ممثلا بحركة الشباب وفرعها في الساحل ممثلا بجماعة نصرة الإسلام وفرعها في اليمن.

أما بالنسبة لداعش، فإيجاد موطئ قدم في السودان يعني مزيدا من الربط بين "ولاياتها" في شرق ووسط وغرب وشمال إفريقيا. وذهب تقرير مؤسسة "راند" بعيدا في تقدير حجم الخطورة الناجمة عن الموقع الجغرافي للسودان إذا استمر تدهور الأوضاع الأمنية هناك فهو  ممر للهجرة غير النظامية من القرن الإفريقي إلى شمال شرق إفريقيا والبحر الأبيض والمتوسط، حيث "تشكل ولايتا كسلا والقضارف الحدوديتان نقاط الدخول الرئيسية إلى البلاد. ومنها إلى الخرطوم التي تعمل كمحور توحيد مركزي باتجاه الشواطئ الشمالية لليبيا ومصر". ويمكن "للجماعات المتشددة أن تستفيد من هذه التدفقات لوضع خلايا في أوروبا عبر دسها وسط موجات المهاجرين".

يتقاسم تقرير RAND التقييم نفسه مع أبو حذيفة السوداني للبنية الجغرافيا للسودان وملاءمتها لحروب العصابات، ونشاط جماعات التطرف العنيف، إذ أشار التقرير إلى السلاسل الجبلية الممتدة بموازاة البحر الأحمر، والتي تحولت إلى غطاء مثالي لتمرير المخدرات والأسلحة ومنفذا للهجرة من وإلى الجزيرة العربية منذ 2004. وكانت تضاريسها الوعرة مناسبة لإقامة معسكرات التدريب وتصدير الإرهاب من اليمن إلى القرن الإفريقي والعكس. وبالتالي، استغلال هذه المنطقة في حقن جيوب داعش والقاعدة في إفريقيا بالموارد اللازمة للتوسع والانتشار، وتحويل السودان إلى بؤرة إرهابية أخرى ملتهبة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام
السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام

تسبب تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السعودي، عبد المجيد النمر، بحالة من الصدمة لدى منظمات حقوقية وناشطين يقولون إن اتهام السلطات السعودية لرجل شيعي بـ "الارهاب والانتماء لتنظيم القاعدة" السني يطرح تساؤلات حول حيثيات ما جرى وعدالة الإجراءات القضائية في القضية.

ونددت المنظمة  الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، الاثنين، بإعدام النمر، واتهمت السلطات السعودية بـ "تزوير وثائق" تزعم انتماءه إلى تنظيم القاعدة.

وقال المحامي، طه الحاجي، المدير القانوني للمنظمة، غير الحكومية التي مقرها في برلين لموقع "الحرة": "المفارقة أن عبد المجيد النمر من الشيعة والقاعدة تنظيم سني، متطرف إقصائي يكفر الشيعة ولا يقبلهم".

والسبت، نفذت السلطات السعودية حكم الإعدام بحق عبد المجيد النمر (59 عاما)، وهو أب لأربعة أطفال متحدر من القطيف، وهي محافظة تسكنها غالبية شيعية تقع في شرق المملكة، بعدما دين بالانضمام إلى "خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة"، على ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال الحاجي لموقع "الحرة": "راجعنا صك الحكم الابتدائي، ووجدنا أن لائحة الدعوى لا يوجد ذكر فيها أبدا لكلمة 'القاعدة'، وأنه متهم ببعض الأمور منها المشاركة في مظاهرات، واتهامات من قبيل المشاركة في مجموعة واتساب وتأجيره جزءا من مزرعة أخيه كورشة لأحد المطلوبين أمنيا".

وبحسب "صك الدعوى" الذي حصل موقع "الحرة" على نسخة منه، فإن النمر خدم في سلك شرطة المرور لمدة 29 عاما، قبل أن يتقاعد من الخدمة.

وصدر الحكم الابتدائي بحق النمر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجنه تسع سنوات، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا القرار وحكمت عليه بالقتل تعزيرا).

يقول الحاجي إن من البديهي ألا تصدر المحكمة حكما إلا بما يطالب به أصحاب الدعوى، "ومن المفترض قانونا أن محكمة الاستئناف تنظر في القضية بطلب من المدعى عليه حتى يتم تخفيف الحكم عليه، والغريب والعجيب أن النيابة العامة لم تطلب أصلا قتله ومع ذلك قتل"، مضيفا "نحن نتحدث هنا عن منظومة قضاء ومحاكمة غير عادلة".

ويصف الحاجي إعدام النمر بأنه "كارثي"، مبني على اتهامات "بسيطة وسخيفة" لرجل كبير في السن، اعتقل بعد سنتين من خروجه على المعاش".

ويقول الحاجي إن قضية النمر بدأت نتيجة "خصومة شخصية"، إذ إن النمر كان مسؤلا عن مسجد في منطقته، وكانت هناك إلى جانب المسجد "أرض وقف"، ادعى المسؤول عنها بأن مبنى المسجد تعدى على الأرض، فاستدعت السلطات عبد المجيد النمر، وأوقف قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم استدعي مرة أخرى، وبقي معتقلا حتى إعدامه.

لكن وزارة الداخلية السعودية أفادت بأن النمر اعتقل لارتكابه "أفعالا مجرمة تنطوي على خيانة وطنه، وانضمامه لخلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، وتمويله للإرهاب والأعمال الإرهابية وتأييده للفكر الإرهابي".

وأضافت في بيان أن النيابة السعودية وجهت له الاتهام بارتكارب تلك "الأفعال المجرمة"، وهو ما أدانته به المحكمة الجزائية المتخصصة التي حكمت عليه بـ"القتل"، وهو ما أيدته محكمة الاستئناتف الجزائية المتخصصة، والمحكمة العليا. 

أوراق القضية تضمنت أيضا اتهامات بتأجير النمر  مزرعة أخيه لأحد الموقوفين "مع علمه بتحويلها إلى تصليح سيارات بطريقة غير نظامية ووكر لعدد من المطلوبين"، كما جاء في الدعوى.

ويقول الحاجي إن المؤجر لم يكن مطلوبا لكن "كان هناك بعض المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة كانوا يجتمعون أو يلتقون في هذه الورشة من فترة لفترة بحسب أوراق القضية".

ويقول حاجي إن النمر طلب من المستأجر المغادرة عندما علم بوجود مخالفات.

وتشمل الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية لعبد المجيد النمر أنه أيد مظاهرات احتجاجية ضد إعدام قريبه رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وأن مطلوبين حصلوا على طعام كان يشارك في إعداده في مأتم عاشوراء بمناسبة مقتل الإمام الحسين.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة السعودية في واشنطن بشأن انتقادات المنظمات الحقوقية، لكنه لم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذه التقرير.

يقول الحاجي إن السلطات اعتبرت توفير الطعام في محرم، وهو من ضمن الطقوس الشيعية في هذا الشهر، بأنه "تمويل إرهاب".

وقال الحاجي إن عبد المجيد النمر "لم يحمل السلاح ولم يقتل أحدا ولم يشارك في أي عمليات عنف".

"نكتة العصر"

ويصف مدير قسم الاستبداد في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن، عبدالله العودة، ما حدث في قضية عبد المجيد النمر بأنه "تناقض غريب" و"نكتة العصر".

وقال إن "السلطة تدعي أن الإرهاب انتهى وأن ولي العهد السابق كان يقتات ويحصل على الدعم الدولي بناء على ترويجه بأنه يحارب الإرهاب الداخلي وأنه تم القضاء على هذه الصفقة الفاسدة وبالتالي لا يوجد إرهاب منذ الإطاحة بولي العهد السابق"، في إشارة إلى محمد بن نايف الذي أعفي من منصبه بأمر ملكي عام 2017.

وفي عهد الأمير محمد بن سلمان، يقول العودة، إن السلطة في السعودية "كل يومين أو ثلاثة تعدم مجموعة جديدة بتهم الإرهاب في الوقت الذي تزعم فيه القضاء على الإرهاب، لذالك، هذا تناقض غريب".

ومنذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في 2017، تتبع السعودية أجندة إصلاحية طموحة تعرف باسم "رؤية 2030" تهدف إلى تحويل المملكة، التي كانت مغلقة سابقا، إلى وجهة سياحية وتجارية عالمية وتعتمد إصلاحات اجتماعية.

لكن ذلك يترافق مع استمرار قمع المعارضة، حيث تتعرض المملكة لانتقادات بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان والتضييق على الحق في التعبير على وجه الخصوص، وفقا لفرانس برس.

ويضيف العودة أن "السلطات تدعي الآن أن رجلا شيعيا من محافظة معروفة بالتدين الشيعي ينتمي إلى تنظيم القاعدة الذي يكفر الشيعة ويستهدف مجموعات بناء على الهوية الشيعية في مناطق مختلفة حول العالم، هذه نكتة العصر".

واعتبر أن "هذا الخلط الغريب للسلطة يكشف أولا عن استغلال مؤسسات الدولة من قضاء وإعلام لتبرير القتل والقمع، حيث أننا نشهد في عهد محمد بن سلمان أعلى معدل في تاريخ الإعدامات في الجزيرة العربية".

ولطالما تعرّضت المملكة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب عمليات الإعدام ونظامها القضائي.

وأعدمت السعودية بالفعل أكثر من 140 شخصا في العام 2024، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، علما أن السلطات نفذت 170 إعداما في 2023، 33 مها بحق أشخاص إدانهم قضاء المملكة في قضايا مرتبطة بالإرهاب.

وأعدمت السعودية هذا العام 20 شخصا دينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وكانت المملكة الخليجية أعدمت 74 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال العودة: "هذه قضية صارخة وفاضحة لأن الملابسات التي عرضتها الدولة لا يقبلها المنطق فحسب بل لا تقبلها السردية الرسمية للأدوات الحكومية في الداخل".

"من أجل إخافة الآخرين"

واعتبر مؤسس منظمة "القسط" لحقوق الإنسان، العضو المؤسس لحزب التجمع الوطني، يحيى عسيري في حديثه مع موقع "الحرة" أنه "يبدو واضحا أن هناك تهورا بالحكم في قضية عبد المجيد النمر".

وقال: "المشكلة ليست مع عبد المجيد النمر، ولكن المشكلة أن كثيرا من الإعدامات تكون في حق الأقلية الشيعية ويبدو واضحا أنهم مستهدفون".

ويرى عسيري أن السلطة تسير على منهج إصدار أحكام كبيرة حتى لو كان هذا التصعيد للأحكام غير مبرر من أجل تخويف الناس".