في الوقت الذي ركز فيه العالم أنظاره على تطورات الحرب في شرق أوروبا ومستجدات الوضع في السودان والشرق الأوسط، شرع التمرد "الجهادي" في إطباق سيطرته على بوركينا فاسو، البلد الواقع غرب أفريقيا، والمطوق بأضلاع ما يسمى "مثلث الموت".
لم تنصرم سنة 2022 حتى سقط أكثر من 40 في المئة من البلد في قبضة جماعات موالية للقاعدة. وفي غضون الأسابيع الماضية، صعدت هذه الجماعات من وتيرة عملياتها وقضمت مزيدا من المناطق، وأصبح اجتياحها للبلد بكامله احتمالا غير مستبعد في تكرار لسيناريو شمال مالي عام 2012، خصوصا وأن خطط التعبئة التي أعلنت عنها السلطات الحاكمة لم يظهر جدواها حتى الآن، كما لم تنجح شركة فاغنر الروسية في تعويض أدوار القوات الفرنسية التي انسحبت من البلد في فبراير الماضي.
جذور العنف
بدأت قصة بوركينا فاسو (أو بلد الطاهرين كما يعني اسمه) مع الجماعات المتطرفة، مع ذيوع صيت إحدى الشخصيات الدعوية التي ما لبثت أن تحولت إلى العنف المسلح. كان "إبراهيم ديكو مالام" واعظا إسلاميا مزج في خطاباته بين التعاليم الدينية ومطالب الإصلاح الاجتماعي. وفي بلد يعصف به الفقر وعدم الاستقرار، وتعيش شرائحه الاجتماعية تفاوتا صارخا فقد لقيت أفكاره قبولا واسعا.
ينحدر إبراهيم ديكو من منطقة "سومي" في الشمال حيث ينتشر "الفلان"، ثاني أكبر مجموعة عرقية في البلد. تلقى تعليمه في المدارس الدينية العتيقة في بوركينا فاسو ومالي، واشتغل مدرسا في النيجر فترة من الزمن. ولأنه متحدث مفوه فقد شرع ابتداء من 2009 في ترويج أفكاره المناهضة للمشيخة التقليدية التي تغتني من الأضرحة والمزارات والحفلات الدينية. وأسس لهذا الغرض إذاعتين ناجحتين "صوت سومي" و"إذاعة محاربة التصحر"، إلى جانب مواظبته على إلقاء خطب الجمعة في أحد مساجد مدينة "دجيبو".
في 2012، أسس بشكل قانوني جمعية "الإرشاد" ووسع من نطاق دعوته وعين مندوبين له في مقاطعات الشمال. تشكل أفكاره تحديا لنمط العلاقات الاجتماعية والدينية السائدة. وكان "خطابه جذابا للشباب وللطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانا لأنه يقدم نفسه كمدافع عن الفقراء ومحررا من التقاليد الاجتماعية البالية والمقيدة"، كما وصفته دراسة لمجموعة الأزمات الدولية.
رغم "الطابع الإصلاحي" التي قدم بها "ديكو" أفكاره في البداية، إلا أن ميولاته العنيفة ستظهر مع أول توتر يقع بينه وبين السلطة البوركينية. فعندما أوقفت السلطة تمويل بناء عدد من المساجد التي تتبع جمعية "الإرشاد" التي أسسها، استشاط "ديكو" غضبا واعتبر ذلك مؤامرة من منافسيه ذوي النفوذ في العاصمة وغادوغو. وستشكل هذه الحادثة منعطفا حاسما في مسيرته.
في 2012، عندما اجتاحت جماعات مسلحة إقليم أزواد شمال مالي، سارع "ديكو" إلى التواصل معها. وأكدت دراسة لمعهد "ويست بوينت" الأميركي استنادا، إلى تقارير صحفية ومقابلات خاصة ومصادر مفتوحة، أن "ديكو" عزز علاقاته مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وعلى نحو خاص مع محمد كوفا أمير "جبهة تحرير ماسينا" المتحالفة مع القاعدة.
في 2013 اعتقلت القوات الفرنسية "ديكو" في منطقة تساليت شمال مالي وبحوزته مبالغ مالية مهمة، وأُرسل إلى سجن في العاصمة باماكو قضى فيه عامين. وبعد الإفراج عنه، عاد إلى إقليم "سومي" شمال بوركينا فاسو حيث شعبيته لم يخفت بريقها بعد.
في 2015 أرسل تنظيم القاعدة أهم كوادره، كأبي بكر الشنقيطي عضو مجلس شورى إمارة الصحراء في التنظيم، إلى مقاطعة "سومي" لتدريب أتباع "ديكو" ورفع كفاءتهم القتالية، وتجنيد مزيد من الرجال لصالح القاعدة. وبعد عام أعلن "ديكو" عن تأسيس "جماعة أنصار الإسلام". وفي 16 من ديسمبر 2016، أطلقت الجماعة شرارة العنف المسلح في بوركينا فاسو من خلال هجومها على قاعدة "ناسومبو" في بلدة "جيبو" الواقعة على الحدود مع مالي، والذي أسفر عن مقتل 12 عضوا في وحدة النخبة لمكافحة الإرهاب وجرح آخرين.
وعلى مدار السنوات التالية، نفذت جماعة أنصار الإسلام مئات الهجمات التي استهدفت قواعد عسكرية ونقاط تفتيش ودوريات تابعة لقوات الجيش والأمن البوركينابية تركز أغلبها في مقاطعات الشمال.
اضطرابات سياسية
ألقى ظهور "جماعة أنصار الإسلام" بظلاله على المشهد السياسي في بوركينا فاسو، إذ أدت سلسلة الهجمات في البلاد التي نفذتها الجماعة ومثيلاتها إلى استياء داخل المؤسسة العسكرية، وتمرد في عدد من المعسكرات.
اتهم الجيش القيادة السياسية بعدم تقديم الدعم الكافي لتطويق عنف الجماعات المتطرفة وصد هجماتهم. أقال الرئيس روك مارك كريستيان كابوري وزير دفاعه ونصب نفسه مكانه، ووعد بمعالجة الاختلالات القائمة ومنح الدعم اللازم للقوات المسلحة. لكن وتيرة العنف الذي أودى بحياة عشرات الآلاف ونزوح حوالي مليون ونصف مليون شخص من منازلهم استمرت في التصاعد. وبعد أسابيع من الاحتقان السياسي والشعبي أطاح الجيش بالرئيس في 21 يناير 2022 وتولى القائد العسكري بول هنري سانداوغو داميبا السلطة في البلاد.
ازدادت الأوضاع الأمنية تفاقما، واعترفت السلطة العسكرية الحاكمة بسيطرة الجماعات المسلحة على 40 في المئة من أراضي البلاد، فقام الجيش بعد 8 أشهر بتنفيذ انقلاب عسكري آخر بنفس مبررات الانقلاب السابق، "العجز عن مواجهة الجماعات الإرهابية"، وتولى على إثره الضابط الشاب إبراهيم تراوري السلطة خلفا لداميبا.
لم يغير عنف الجماعات المسلحة المشهد السياسي في بوركينا فاسو فقط ولكنه غير أيضا خريطة تحالفات البلد بشكل جذري. فقائد الانقلاب إبراهيم تراوري يعتبر نفسه "قائدا لمعركة استقلال البلاد"، وكانت أول قراراته إنهاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، إذ طالب في يناير الماضي بمغادرة القوات الفرنسية في غضون شهر واحد فقط، وهو ما استجابت له باريس وسحبت 400 جندي هم قوام وجودها العسكري في البلد إضافة لإخلاء قاعدتها العسكرية هناك. في المقابل فتحت السلطة العسكرية أبواب البلد أمام الحلفاء الجدد، روسيا ومرتزقة فاغنر، وعللت ذلك بأن فرنسا لم تكن جادة في محاربة الإرهاب، وأردفت قرارها بخطوات تصعيدية أخرى مثل طرد صحفيين فرنسيين وتعليق بث إذاعة فرنسا الدولية وقناة فرانس 24.
زحف القاعدة وداعش
أعلنت السلطة العسكرية الجديدة خطتها لمحاربة الجماعات المتطرفة، والمتمثلة أساسا في إعلان التعبئة العامة وتجنيد آلاف المتطوعين المدنيين والزج بهم في أتون المعارك.
وأعلنت السلطة العسكرية بدء تجنيد أكثر من 50 ألف متطوع يتم تدريبهم لمدة أسبوعين على مختلف أنواع الأسلحة وتكليفهم بمهام قتالية في مختلف أنحاء البلاد.
لكن تجنيد المدنيين في حروب داخلية يمكن أن يكون سببا في تأجيج الصراعات، خصوصا في بلد محتقن عرقيا وطائفيا وقبليا مثل بوركينا فاسو، وحيث المجتمعات المنقسمة عرقيا وطائفيا تمثل هي نفسها بيئة خصبة للجماعات المتشددة.
يتوزع سكان بوركينا فاسو البالغ عددهم 21.5 مليون نسمة على حوالي 60 مجموعة عرقية، يشكل الموسي أغلبيتها بينما يعتبر الفلان ثاني أكبر مجموعة عرقية وينتشرون في وسط البلاد وشماله ويمتد وجودهم إلى كثير من دول الساحل وغرب إفريقيا. ويمثل المسلمون 60 في المئة من مجموع السكان بينما تتوزع النسبة الباقية على الطوائف المسيحية من كاثوليك وبروتستانت وأصحاب الديانات الإفريقية التقليدية والمحلية واللادينيين أيضا.
لكن تسليح المدنيين والزج بهم في المعارك قد يحول الأزمة من حرب على الجماعات المسلحة الراديكالية إلى اقتتال أهلي. وهو ما يمكن ملاحظة مؤشراته الأولية في مذابح نفذها مسلحون موالون للحكومة في عدد من المناطق، مثل المذبحة التي تعرضت لها قرية "الكرما" في الشمال، حيث اقتحمها مسلحون يرتدون زي الجيش في 20 من أبريل الماضي وقتلوا العشرات. وقد جرى توثيق 136 جثة في المجزرة، بينها جثة 50 امرأة و21 طفلا، من ضمنهم رضع تقل أعمارهم عن 30 يوما قتلوا على ظهور أمهاتهم. وانحاز المسلحون إلى القرى المجاورة وعرضوها لذات المصير.
وقد وجدت عرقية الفلان نفسها في مرمى الاستهداف لأن بعض الجماعات المتشددة تنشط في مناطق نفوذها وكثير من أعضائها هم من الفلان. وهو ما جعل الجماعات العراقية تلقي عليها باللائمة في الأعمال التي ينفذها إرهابيون.
وبعد حوالي 6 أشهر من إقرار خطط الجيش في التعبئة وتسليح المدنيين، زاد نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في بوركينا فاسو، ونفذت مئات العمليات ضد قوات الجيش وعناصر شركة فاغنر والمجموعات المسلحة الرديفة. تسيطر الجماعة الآن على مناطق شاسعة في شمال ووسط البلاد، مستفيدة من خطوط إمداد تصلها بمعاقلها في وسط مالي خصوصا منطقة "موبتي" التي يتركز فيها وجود جبهة تحرير ماسينا الفلانية.
وتظهر البيانات العسكرية الأخيرة للجماعة تقدما باتجاه الوسط والغرب بعد سيطرتها على معظم الشمال. وتعتبر بوركينافاسو مهمة لها لأنها بمثابة حلقة الوصل بين الساحل وغرب إفريقيا.
