يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي.
يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي.

فجأة تحول الذكاء الاصطناعي من ابتكار ساهم على نحو فعال في التصدي للمحتوى المتطرف على الإنترنت إلى أداة تثير مخاوف متزايدة من خطر تحولها إلى سلاح رقمي فتاك في أيدي الجماعات الإرهابية.

خلال السنوات الماضية، اضطلع بالمجهود الدعائي الهائل لتنظيم داعش على سبيل المثال كوادر مدربة بشكل جيد. لكن الآن مع "الذكاء الصناعي التوليدي" صار بإمكان محدودي الموهبة أن يلعبوا هم أيضا أدوارا أساسية في إنتاج الدعاية العنيفة، وفتح ميولاتهم التخريبية على خيارات غير محدودة.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.
 

الذكاء الصناعي التوليدي

 

تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي المعروفة بمهمات مثل فرز البيانات وتحليلها وتصنيفها والتعرف على الأنماط والنماذج وقد بدأت صيغها الأولى في خمسينيات القرن الماضي. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative artificial intelligence) فهو حقل متقدم من حقول الذكاء الاصطناعي ويقوم بتوليد أشكال مختلفة من المحتوى (نصوص، صور، فيديو، موسيقى، أكواد برمجية...إلخ)  انطلاقا من البيانات الضخمة المتاحة على الإنترنت.

يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي، أطلقت شركة OpenAI نسخته الأولى في نوفمبر 2022 ولم تمض 5 أيام على ظهوره حتى وصل عدد مستخدميه إلى المليون، متخطيا في سرعة انتشاره كل تطبيقات التواصل الاجتماعي ذات الشعبية الواسعة.

ويعتمد ChatGPT على النموذج اللغوي GPT-3.5 الذي تطوره الشركة منذ سنوات، لكن جرى تدريبه وتحسين أدائه على إجراء المحادثات وتقديم إجابات محددة كتلك التي يكتبها البشر.

روبوت الدردشة الذكي ChatGPT ليس سوى مظهر واحد من مظاهر ثورة الذكاء الاصطناعي، إذ تصاعدت شعبية تطبيقات أخرى مثل DALL-E2 وMidjourney  وStable Diffusion المتخصصة في إنشاء صور ورسومات فريدة ومبتكرة انطلاقا من الوصف الذي يعطيه المستخدم للبرنامج. وغالبا لا تتجاوز المدة التي يستغرقها البرنامج لتحويل المدخلات النصية إلى مخرجات بصرية أكثر من دقيقة واحدة، في تناغم مدهش بين الفن والتكنولوجيا.

اشتهرت أيضا في الآونة الأخيرة عشرات الأدوات والبرامج التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتحرير وترجمة مقاطع الفيديو مثل Rollideo وSonix و Elai.io. وتعتمد على مدخلات نصية في القيام بمهامها، مختزلة جهدا قد يستغرق ساعات أو أياما في بضع دقائق.

 

الذكاء الصناعي في خدمة الإرهاب

 

لا شك أن أعضاء ومناصري التنظيمات المتشددة في طور استكشاف الإمكانيات الكامنة في أدوات الذكاء الاصطناعي من أجل توظيفها في مشاريعهم. فعندما ظهرت تطبيقات التواصل المشفر قامت مؤسسات موالية لداعش بفحص ودراسة عشرات من هذه التطبيقات لمعرفة أي منها يناسب طبيعة نشاطاتهم وحساسيتها، ولازال أنصار داعش يستخدمون تطبيقات مشفرة غير معروفة بكثرة في أوساط المستخدمين العاديين مثل Tamtam وConversation. وحدث الشيء نفسه حين ظهرت العملات الرقمية وNFT وحتى الطائرات المسيرة وغيرها.

يمكن لأنصار داعش توظيف روبوت المحادثة ChatGPT لتوليد نصوص سريعة وتعليقات احترافية ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بما يعزز حضورها على الفضاء الإلكتروني. لكن الأخطر أن الروبوت بإمكانه الاستجابة لأسئلة حول مواضيع حساسة مثل صناعة العبوات وتطوير الأسلحة القذرة والنفاذ إلى البنيات الهندسية للمنشآت الحساسة وتعديل الأكواد البرمجية للأنظمة وغيرها.

ومع أن ChatGPT مصمم على رفض الاستجابة لأسئلة صريحة حول "أنشطة تهدف إلى الأذى الجسدي أو التدمير"، إلا أن التجربة أثبتت أنه يمكن التحايل عليه من خلال إعادة صياغة الأوامر، وطرح الأسئلة بشكل غير مباشر.

وقد لفت مات كوردا مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأميركيين الانتباه إلى هذه الثغرة في مقال له بعنوان: "هل يمكن أن يعلمك روبوت المحادثة كيفية صنع قنبلة قذرة".

 ووجد كوردا أن هناك إمكانية لخداع الروبوت وجعله متعاونا فيما يتعلق بالمواضيع التي لا يتفاعل عادة معها. يقول: " تمكنت من استنباط بعض الإرشادات حول كيفية صنع قنبلة قذرة من ChatGPT من خلال إقناعه بأنني كنت أبحث عن كيفية منع الإرهاب الإشعاعي". ويضيف: " ومع طرح مزيد من الأسئلة المحددة كانت الإجابات تزداد خطورة".

وفي ورقة بحثية أخرى بعنوان "أسلحة الدمار الشامل: الذكاء الاصطناعي وإنتاج الدعاية المتطرفة"، نشرتها "الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا"، خلص كل من دانييل سيجل وماري بينيت دوتي، كاتبي الدراسة، إلى أن " المنظمات المتطرفة ستكون قادرة على الاعتماد على النماذج التوليدية للذكاء الاصطناعي لتعزيز مهاراتها الإبداعية والتقنية".

وشرح الباحثان كيف يمكن استغلال منتجات رقمية مثل ألعاب الفيديو من خلال تعديل شفراتها البرمجية وتحويلها إلى مواد دعاية "ما يعني الوصول إلى جماهير جديدة واحتمال جعلها متطرفة من خلال تقنيات الدعاية الجديدة". وقدم الباحثان أمثلة على السهولة التي يتطلبها تحويل ألعاب شهيرة مثل "نداء الواجب" "Call Of Duty" إلى ألعاب فيديو تمجد المنظمات المتطرفة.

التزييف العميق أو "Deepfake" من أكبر المعضلات التي يطرحها شيوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويشير المصطلح إلى القدرة المدهشة التي يستطيع من خلالها الذكاء الاصطناعي إنتاج مقاطع فيديو مزيفة تماما لكنها لا تبدو كذلك.

تلك العملية التي كانت تحتاج سابقا إلى استديوهات عملاقة وموارد ضخمة باتت الآن لا تحتاج سوى إلى نقرات بسيطة على لوحة مفاتيح الهاتف أو الكمبيوتر. وبالنسبة لمنظمات يقوم نشاطها على التضليل والتلاعب بالحقائق ودمج أشكال متعددة من المؤثرات الخاصة على موادها البصرية فإن تطبيقات التزييف العميق يمكن أن تكون مغرية جدا لها.

يمكن للجماعات المتطرفة أن تزيف الخرجات الإعلامية لقادتها على سبيل المثال، أو أن تنتج صورا تظهر انتشار عناصرها في مناطق لا وجود لهم فيها في الواقع، بل يمكنها أن تصدر "توثيقا" مزيفا لهجمات وعمليات لم تحدث. وقد تابع العالم كيف أثرت صورة مزيفة، صنعت بالذكاء الاصطناعي، وتظهر عمود دخان يتصاعد من مبنى البنتاغون في أسواق المال الأميركية. ويمكن لمثل هذه الصور والفيدوهات المزيفة أن تكون بمثابة سلاح في يد داعش.

في هذا الإطار، حذرت رئيسة قسم الإرهاب ومنع التطرف في مركز جنيف للسياسية الأمنية، كريستينا شوري ليانغ، في مقال بعنوان "الإرهاب الرقمي: منع الإرهابيين من استخدام التقنيات الناشئة" من أن الذكاء الاصطناعي "سيعزز حملات التضليل الرقمي" وسيساعد الإرهابيين على تصنيع وإنشاء وتخصيص صفحات الويب الضارة وعمليات الاحتيال التي تعتمد على الهندسة الاجتماعية.

 

دق ناقوس الخطر

 

لم يمنع الانبهار والإعجاب الذي قوبلت به منتجات الذكاء الاصطناعي والتطلع إلى آفاقها الواعدة الخبراء وصناع السياسة من دق ناقوس الخطر، والتحذير من تداعياتها الخطيرة على الأمن العالمي.

 ووقع أكثر من 3000 مطور وعالم تكنولوجيا عريضة في مارس الماضي تطالب " بوقف أبحاث تطوير الذكاء الاصطناعي ستة أشهر لإتاحة الفرصة نحو مزيد من الحوكمة لهذا النظام ولضمان عدم تضرر البشرية منه".

وتتقدم بريطانيا الجهود العالمية للتحسيس بخطورة الذكاء الاصطناعي. ففي زيارته الأخيرة إلى واشنطن حمل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك مطالب إلى الرئيس الأميركي جو بايدن تهم أساسا الإسراع في مجال ضبط الذكاء الاصطناعي وإقناع المشرعين الأميركيين بوضع تشريعات تحد من مخاطره.

ومن واشنطن، أعلن سوناك عن استضافة لندن الخريف القادم قمة عالمية للذكاء الاصطناعي. وقال إن بلاده تقود الجهود لضمان "تسخير فوائد الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية". وأضاف: "يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانيات مذهلة لتغيير حياتنا نحو الأفضل، لكننا بحاجة للتأكد من تطويره واستخدامه بطريقة آمنة".

وتصاعدت في المملكة المتحدة الأصوات المنذرة بعواقب طفرة الذكاء الاصطناعي، ووصلت إلى حد سحب الحكومة لورقة أشادت بمزاياه دون ذكر عيوبه وسلبياته.

وفي ذات السياق، حذر جوناثان هول كيه سي، وهو من أكبر الخبراء القانونيين في بريطانيا، من أن "تهديد الأمن القومي بواسطة الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر وضوحا من أي وقت مضى، وأن مبتكري التكنولوجيا بحاجة إلى وضع نوايا الإرهابيين في الاعتبار عند تصميمها".

وأضاف أن " قوانين مكافحة الإرهاب لا تغطي روبوتات الدردشة الآلية". وحذر الخبير الذي يعمل كمراجع لمدى كفاية قوانين مكافحة الإرهاب من "أن التهديد الإرهابي حاليا في بريطانيا مرتبط بهجمات غير معقدة باستخدام السكاكين والمركبات لكن الهجمات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي قد تكون وشيكة".

وقد دخل جهاز الاستخبارات البريطاني MI5 في شراكة مع معهد آلان تورينغ لدراسة المخاطر المتنامية لمنتجات الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي.

وضعت ثورة الذكاء الاصطناعي البشرية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة. لكن الفرص الواعدة التي يحملها هذا الابتكار المدهش يوازيها ما ينطوي عليه من مخاطر محدقة بالأمن العالمي. ولن يتورع تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة في توظيفه لخدمة مشاريعها الخاصة. ويضاعف من مخاطره أنه لا يتطلب خلفية تقنية ومعرفية عالية، بل فقط خيالا تخريبيا خصبا وأوامر بسيطة على لوحة المفاتيح.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية
علي جمعة شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية

ظهر التصوف في الإسلام منذ فترة مبكرة. عُرف الصوفيون بالهدوء والتقشف والزهد والبُعد إجمالاً عن السياسة. ولكن لم يمنع ذلك من بعض الاستثناءات، عبر المشاركة في حركات "الجهاد" و"مقاومة الاستعمار" في بعض الفترات التاريخية الحرجة.

في العقود الأخيرة، دفعت الأوضاع السياسية في عدد من الدول الإسلامية إلى استدعاء الصوفية إلى ميادين العمل السياسي، بهدف الحد من خطورة التيارات الجهادية الطامحة للوصول إلى الحكم؟

 

 التصوف كـ"سلاح" ضد التطرف

 

على الرغم من تبني الأنظمة العربية التصوف منذ فترات طويلة، إلا أن استدعاء التصوف كسلاح فعال ضد التطرف بدأ في لحظات متباينة من العقود الأخيرة. وذلك بحسب الظروف والسياقات التي مرت بها كل دولة على حدة.

في السبعينات، ومع تصاعد المد السلفي في مصر، لجأت السلطة إلى عدد من شيوخ الأزهر المعروفين بتوجهاتهم الصوفية -ومن أبرزهم محمد متولي الشعراوي- لمحاورة أعضاء التيارات التكفيرية الجهادية، فيما عُرف وقتها باسم المراجعات. في السياق نفسه، تبنت الدولة الخطاب الصوفي التقليدي الذي يدعو إلى التصالح مع الأمر الواقع من جهة، ورفض الثورة والتغيير بالقوة من جهة أخرى.

في الحالة السورية، بدأ التحالف بين التصوف والسلطة في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين. في سنة 1982م تحديداً، وقعت المواجهة المسلحة بين القوات العسكرية التابعة للنظام والكتائب الإسلامية التابعة للإخوان المسلمين. انتهى هذا الصراع بهزيمة الجبهة الإسلامية على يد قوات النظام. وتم نفي الكثير من شيوخ الصوفية المتحالفين مع الإخوان، ومن أبرزهم الشيخ عبد القادر عيسى، شيخ الشاذلية في حلب، والذي توفي في منفاه في الأردن.

على إثر تلك المعارك الضارية، بدأ النظام البعثي السوري في مصالحة بعض التيارات الصوفية، واتخذ منها سلاحاً موجهاً ضد حركات الإسلام السياسي. وبحسب ما تذكره الباحثة الألمانية أنابيله بوتشر في دراستها "الإسلام الرسمي، الشبكات الإسلامية العابرة للحدود، والسياسات المحلية: سوريا أنموذجاً"، فإن الطريقة الكفتارية للشيخ أحمد كفتارو، والطريقة الخزنوية للشيخ محمد الخزنوي كانتا أبرز الطرق التي تحالفت مع النظام البعثي.

تذكر بوتشر أن الطريقتين انتشرتا في مناطق واسعة من سوريا. وفي حين تركّزت شبكة علاقات طريقة الشيخ كفتارو في المناطق الحضرية في دمشق بشكل أساسي، تركزّت شبكة الشيخ الخزنوي في المناطق الريفية للجزيرة السورية.

في العراق، استدعى نظام صدام حسين المكون الصوفي -الرفاعي والنقشبندي والقادري- من بوابة بعض رجال السلطة المتأثرين بالطابع الصوفي، ومن أبرزهم عزة الدوري، النائب الأسبق لرئيس الجمهورية.

استعان النظام البعثي بتلك الطرق الصوفية في سبيل إضفاء المسحة الدينية على حكمه من جهة، ولتحقيق التوازن مع القوى الشيعية العراقية من جهة أخرى.

يختلف الوضع في الحالة المغربية. بدأ التحالف المُعلن الأكبر بين التصوف والسلطة بعد أحداث السادس عشر من مايو 2003.

في ذلك اليوم فجّر 13 شاباً أنفسهم في قلب مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، ما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بما فيهم الانتحاريون الذين اكتشفت السلطات فيما بعد أنهم ينتمون إلى ما بات يسمى في المغرب بـ"السلفية الجهادية".

على إثر تلك الحادثة الدموية سارعت الدولة إلى استدعاء المكون الصوفي بهدف التصدي للأفكار السلفية الجهادية.

 

دعم الأنظمة للتصوف

 

ظهرت دلائل الدعم المتبادل بين الأنظمة السياسية العربية والتيارات الصوفية في الكثير من الشواهد. والتي تنوعت بين الدعم المالي في بعض الأحيان، والدعم المعنوي في أحيان أخرى.

في مصر، عُينت القيادات الدينية في المؤسسات الرسمية -الأزهر، والإفتاء، ووزارة الأوقاف- من بين الشيوخ المعروفين بتوجهاتهم الصوفية. في السياق نفسه، اهتمت الدولة بمظاهر التدين الصوفي التقليدي، من خلال الحرص على إقامة الموالد، والاحتفال الرسمي بالمواسم، وهو الاسم الذي يُطلق على المناسبات الدينية الأهم على مدار العام، فضلاً عن تقديم الدعم المادي للمؤسسات الصوفية وعلى رأسها نقابة الأشراف، والمجلس الأعلى للطرق الصوفية.

من جهتهم، قدم الصوفيون دعمهم الكامل للأنظمة السياسية التي حكمت مصر على مر السنوات السابقة. على سبيل المثال في 2009م، أعلن مشايخ الطرق الصوفية مبايعتهم للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك ولأبنائه من بعده.

تكرر المشهد في 2014م، عندما حظي ترشيح الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم مطلق من قِبل قيادات الطرق الصوفية.  صارت قوة التحالف بين التيارات الصوفية والدولة أوضح في 2018م، عندما فاز رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر عبد الهادي القصبي برئاسة ائتلاف "دعم مصر" داخل مجلس النواب وهو ائتلاف الأغلبية المقرب من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في سوريا، تمتع مشايخ الصوفية بمكانة عالية من قِبل السلطة الحاكمة، خصوصاً بعدما اختارتهم الدولة لتمثيل "الإسلام السني الوسطي"، وقلدت قياداتهم العديد من المناصب الدينية الرفيعة مثل منصب المفتي العام لسوريا. وهو منصب تعاقب عليه كل من أحمد كفتارو، وأحمد بدر الدين حسون.

بحسب ما تذكره بوتشر في دراستها، فإن الدولة السورية لم تكتف بتقليد مشايخ الصوفية أهم المراكز الدينية في الدولة، بل منحتهم كذلك دعماً مالياً كبيراً.

على سبيل المثال أشرفت الدولة على تطوير "مجْمع أبو النور الإسلامي" التابع للتيار الصوفي، فتحول من مكان صغير إلى مؤسسة كبيرة تضم العديد من المدارس الإسلامية، وأربع جامعات، ومسجداً كبيراً ومكاتب، ومكتبة وشققاً وغرف اجتماعات، فضلاً عن بعض الجمعيات الخيرية.

من جهة أخرى، عُين مشايخ الصوفية في إدارة "معاهد القرآن" التي تضطلع بمهمة تحفيظ وتفسير القرآن للأطفال في العديد من المدن السورية، كما شغل الصوفيون المناصب الأساسية المعنية بتدريس الإسلام في كل من وزارة الأوقاف والتلفزيون السوري.

اختلف الوضع بشكل كبير في العراق بسبب الاضطرابات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في 2003. حافظ الصوفيون لفترة على ولائهم للسلطة البعثية، وتم الإعلان وقتها عما عُرف بـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" والذي شارك في قتال القوات الأميركية.

برزت أهمية هذا التنظيم بعد إعدام صدام حسين في ديسمبر سنة 2006م. نشط التنظيم في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق ولا سيما في كل من محافظة ديالى ومناطق جنوب غرب كركوك ومحافظتي نينوى وصلاح الدين، شمال غرب العراق.

امتلك النقشبنديون الكثير من الدبابات والصواريخ والسيارات المصفحة والسيارات الرباعية الدفع والأسلحة المتنوعة التي حصل عليها التنظيم من الجيش العراقي. وروجوا لأنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الهوية العربية الإسلامية السنية في العراق.

مع تغير الأحداث التي شهدها العراق في السنين الأخيرة، ظهرت بعض التنظيمات الصوفية التي تقاربت إلى حد بعيد مع مراكز القوى الجديدة المُمثلة في القوى الشيعية وإيران. يُعدّ "مجلس علماء الرباط المحمدي" أحد أهم تلك التنظيمات. أعلن المجلس عن علاقاته الوطيدة بالسلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال، أشاد رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي عبد القادر الآلوسي في وقت سابق بالحشد الشعبي وقال: "الحشد الشعبي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الوطن ولولا تضحياته لما تحررت المدن من داعش". من خلال تلك العلاقة، تمكن المجلس من ممارسة أنشطته في عموم المدن العراقية، الأمر الذي يثبت العلاقة الثنائية الوطيدة المنعقدة بين الصوفية والسلطة في بلاد الرافدين.

لا تختلف المعادلة كثيراً في المغرب، عملت السلطة على استقطاب الصوفية من خلال تعيينهم في العديد من المناصب السامية.

في هذا السياق، تم تعيين أحمد التوفيق -الذي ينتمي إلى الطريقة الصوفية البوتشيشية- على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة 2002م إلى اليوم، بما يجعله أقدم وزير في تاريخ الحكومة المغربية.

من جهة أخرى، تمت إعادة هيكلة المؤسسات الدينية المغربية استناداً إلى المرجعية الصوفية. وحافظت السلطة على دعمها المادي للتصوف من خلال تسليم الهبات الملكية للزوايا المنتشرة في أنحاء البلاد.

في السياق نفسه، نُظمت العديد من الندوات والمهرجانات الفنية ذات الاتجاه الصوفي. كما أُنتجت البرامج الإعلامية التي تبث الشعائر الصوفية على القنوات الرسمية للدولة.

من جهتها، دأبت الطرق الصوفية المغربية على تأييد السلطة في العديد من المواقف. على سبيل المثال أعلن الصوفيون في 2011م عن تأييدهم المطلق للدستور الجديد رغم الاعتراض عليه من جانب الكثير من التيارات الأخرى.

 

الصراع بين التصوف والإسلام السياسي

 

تمكّن التحالف المُنعقد بين السلطة والتصوف من فرض وجوده في بعض الحالات أمام التيارات السلفية الجهادية. ويعدّ المغرب الحالة الأكثر بروزاً في هذا السياق بسبب قوة المكون الصوفي من جهة، وتراجع التيارات السلفية في المغرب من جهة أخرى.

في المقابل، يختلف الوضع في دول عربية أخرى، حيث خاض الطرفان -التصوف والإسلام السياسي- حرباً ضارية في السنوات السابقة. تعددت مظاهر تلك الحرب بين الفتاوى المتبادلة، والاقتتال المسلح، فضلاً عن عمليات الاغتيال.

كانت فتوى مفتي مصر الأسبق علي جمعة من أشهر الفتاوى التي وجهها التيار الصوفي ضد الإسلام السياسي. في 2013م، أفتى جمعة -الذي يُعدّ واحداً من كبار مشايخ الصوفية المصريين- في أحد المؤتمرات التي حضرها العشرات من القيادات العسكرية بجواز قتل عناصر جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين.

وشبّه جمعة الإخوان وحلفاءهم بالخوارج ووصفهم بـ"كلاب أهل النار". وتابع قائلاً: "اضرب في المليان، إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء... طوبى لمن قتلهم، وقتلوه... كان يجب أن نطهر مدينتنا من هؤلاء الأوباش... يجب أن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب". تعرضت هذه التصريحات لانتقادات كثيرة.

تشابه موقف جمعة مع موقف رجل الدين السوري الصوفي محمد سعيد رمضان البوطي -المقرب من النظام- عندما انتقد خروج المظاهرات المعارضة للنظام من المساجد ودعا السوريين إلى عدم "الانقياد وراء دعوات خارجية".

ووصف الثوار الذين حملوا السلاح في مواجهة الدولة بأنهم "عصابات إرهابية مسلحة". رد الجهاديون على تلك الفتاوى وقتها بشكل عنيف. وفي مارس 2013م، قُتل الشيخ البوطي أثناء إعطائه درساً دينياً في مسجد الإيمان بحي المزرعة في دمشق.

تصاعدُ العنف بين الصوفيين والتيارات الجهادية أخذ أشكالاً أكثر عنفاً في بعض الحالات. على سبيل المثال في 2014م، سقط الكثير من الضحايا في الاشتباكات التي وقعت بين جيش النقشبندية وتنظيم داعش.

وفي نوفمبر 2017م، وصل العداء الصوفي- الجهادي إلى دموية غير مسبوقة عندما هاجم إرهابيون مسجد الروضة الصوفي في سيناء المصرية، ما أسفر عن مقتل قرابة 300 شخص وإصابة العشرات بينهم أطفال.