يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي.
يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي.

فجأة تحول الذكاء الاصطناعي من ابتكار ساهم على نحو فعال في التصدي للمحتوى المتطرف على الإنترنت إلى أداة تثير مخاوف متزايدة من خطر تحولها إلى سلاح رقمي فتاك في أيدي الجماعات الإرهابية.

خلال السنوات الماضية، اضطلع بالمجهود الدعائي الهائل لتنظيم داعش على سبيل المثال كوادر مدربة بشكل جيد. لكن الآن مع "الذكاء الصناعي التوليدي" صار بإمكان محدودي الموهبة أن يلعبوا هم أيضا أدوارا أساسية في إنتاج الدعاية العنيفة، وفتح ميولاتهم التخريبية على خيارات غير محدودة.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.
 

الذكاء الصناعي التوليدي

 

تقوم أدوات الذكاء الاصطناعي المعروفة بمهمات مثل فرز البيانات وتحليلها وتصنيفها والتعرف على الأنماط والنماذج وقد بدأت صيغها الأولى في خمسينيات القرن الماضي. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative artificial intelligence) فهو حقل متقدم من حقول الذكاء الاصطناعي ويقوم بتوليد أشكال مختلفة من المحتوى (نصوص، صور، فيديو، موسيقى، أكواد برمجية...إلخ)  انطلاقا من البيانات الضخمة المتاحة على الإنترنت.

يعتبر روبوت المحادثة ChatGPT أشهر نموذج لغوي مبني على الذكاء الصناعي التوليدي، أطلقت شركة OpenAI نسخته الأولى في نوفمبر 2022 ولم تمض 5 أيام على ظهوره حتى وصل عدد مستخدميه إلى المليون، متخطيا في سرعة انتشاره كل تطبيقات التواصل الاجتماعي ذات الشعبية الواسعة.

ويعتمد ChatGPT على النموذج اللغوي GPT-3.5 الذي تطوره الشركة منذ سنوات، لكن جرى تدريبه وتحسين أدائه على إجراء المحادثات وتقديم إجابات محددة كتلك التي يكتبها البشر.

روبوت الدردشة الذكي ChatGPT ليس سوى مظهر واحد من مظاهر ثورة الذكاء الاصطناعي، إذ تصاعدت شعبية تطبيقات أخرى مثل DALL-E2 وMidjourney  وStable Diffusion المتخصصة في إنشاء صور ورسومات فريدة ومبتكرة انطلاقا من الوصف الذي يعطيه المستخدم للبرنامج. وغالبا لا تتجاوز المدة التي يستغرقها البرنامج لتحويل المدخلات النصية إلى مخرجات بصرية أكثر من دقيقة واحدة، في تناغم مدهش بين الفن والتكنولوجيا.

اشتهرت أيضا في الآونة الأخيرة عشرات الأدوات والبرامج التي توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتحرير وترجمة مقاطع الفيديو مثل Rollideo وSonix و Elai.io. وتعتمد على مدخلات نصية في القيام بمهامها، مختزلة جهدا قد يستغرق ساعات أو أياما في بضع دقائق.

 

الذكاء الصناعي في خدمة الإرهاب

 

لا شك أن أعضاء ومناصري التنظيمات المتشددة في طور استكشاف الإمكانيات الكامنة في أدوات الذكاء الاصطناعي من أجل توظيفها في مشاريعهم. فعندما ظهرت تطبيقات التواصل المشفر قامت مؤسسات موالية لداعش بفحص ودراسة عشرات من هذه التطبيقات لمعرفة أي منها يناسب طبيعة نشاطاتهم وحساسيتها، ولازال أنصار داعش يستخدمون تطبيقات مشفرة غير معروفة بكثرة في أوساط المستخدمين العاديين مثل Tamtam وConversation. وحدث الشيء نفسه حين ظهرت العملات الرقمية وNFT وحتى الطائرات المسيرة وغيرها.

يمكن لأنصار داعش توظيف روبوت المحادثة ChatGPT لتوليد نصوص سريعة وتعليقات احترافية ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بما يعزز حضورها على الفضاء الإلكتروني. لكن الأخطر أن الروبوت بإمكانه الاستجابة لأسئلة حول مواضيع حساسة مثل صناعة العبوات وتطوير الأسلحة القذرة والنفاذ إلى البنيات الهندسية للمنشآت الحساسة وتعديل الأكواد البرمجية للأنظمة وغيرها.

ومع أن ChatGPT مصمم على رفض الاستجابة لأسئلة صريحة حول "أنشطة تهدف إلى الأذى الجسدي أو التدمير"، إلا أن التجربة أثبتت أنه يمكن التحايل عليه من خلال إعادة صياغة الأوامر، وطرح الأسئلة بشكل غير مباشر.

وقد لفت مات كوردا مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأميركيين الانتباه إلى هذه الثغرة في مقال له بعنوان: "هل يمكن أن يعلمك روبوت المحادثة كيفية صنع قنبلة قذرة".

 ووجد كوردا أن هناك إمكانية لخداع الروبوت وجعله متعاونا فيما يتعلق بالمواضيع التي لا يتفاعل عادة معها. يقول: " تمكنت من استنباط بعض الإرشادات حول كيفية صنع قنبلة قذرة من ChatGPT من خلال إقناعه بأنني كنت أبحث عن كيفية منع الإرهاب الإشعاعي". ويضيف: " ومع طرح مزيد من الأسئلة المحددة كانت الإجابات تزداد خطورة".

وفي ورقة بحثية أخرى بعنوان "أسلحة الدمار الشامل: الذكاء الاصطناعي وإنتاج الدعاية المتطرفة"، نشرتها "الشبكة العالمية للتطرف والتكنولوجيا"، خلص كل من دانييل سيجل وماري بينيت دوتي، كاتبي الدراسة، إلى أن " المنظمات المتطرفة ستكون قادرة على الاعتماد على النماذج التوليدية للذكاء الاصطناعي لتعزيز مهاراتها الإبداعية والتقنية".

وشرح الباحثان كيف يمكن استغلال منتجات رقمية مثل ألعاب الفيديو من خلال تعديل شفراتها البرمجية وتحويلها إلى مواد دعاية "ما يعني الوصول إلى جماهير جديدة واحتمال جعلها متطرفة من خلال تقنيات الدعاية الجديدة". وقدم الباحثان أمثلة على السهولة التي يتطلبها تحويل ألعاب شهيرة مثل "نداء الواجب" "Call Of Duty" إلى ألعاب فيديو تمجد المنظمات المتطرفة.

التزييف العميق أو "Deepfake" من أكبر المعضلات التي يطرحها شيوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويشير المصطلح إلى القدرة المدهشة التي يستطيع من خلالها الذكاء الاصطناعي إنتاج مقاطع فيديو مزيفة تماما لكنها لا تبدو كذلك.

تلك العملية التي كانت تحتاج سابقا إلى استديوهات عملاقة وموارد ضخمة باتت الآن لا تحتاج سوى إلى نقرات بسيطة على لوحة مفاتيح الهاتف أو الكمبيوتر. وبالنسبة لمنظمات يقوم نشاطها على التضليل والتلاعب بالحقائق ودمج أشكال متعددة من المؤثرات الخاصة على موادها البصرية فإن تطبيقات التزييف العميق يمكن أن تكون مغرية جدا لها.

يمكن للجماعات المتطرفة أن تزيف الخرجات الإعلامية لقادتها على سبيل المثال، أو أن تنتج صورا تظهر انتشار عناصرها في مناطق لا وجود لهم فيها في الواقع، بل يمكنها أن تصدر "توثيقا" مزيفا لهجمات وعمليات لم تحدث. وقد تابع العالم كيف أثرت صورة مزيفة، صنعت بالذكاء الاصطناعي، وتظهر عمود دخان يتصاعد من مبنى البنتاغون في أسواق المال الأميركية. ويمكن لمثل هذه الصور والفيدوهات المزيفة أن تكون بمثابة سلاح في يد داعش.

في هذا الإطار، حذرت رئيسة قسم الإرهاب ومنع التطرف في مركز جنيف للسياسية الأمنية، كريستينا شوري ليانغ، في مقال بعنوان "الإرهاب الرقمي: منع الإرهابيين من استخدام التقنيات الناشئة" من أن الذكاء الاصطناعي "سيعزز حملات التضليل الرقمي" وسيساعد الإرهابيين على تصنيع وإنشاء وتخصيص صفحات الويب الضارة وعمليات الاحتيال التي تعتمد على الهندسة الاجتماعية.

 

دق ناقوس الخطر

 

لم يمنع الانبهار والإعجاب الذي قوبلت به منتجات الذكاء الاصطناعي والتطلع إلى آفاقها الواعدة الخبراء وصناع السياسة من دق ناقوس الخطر، والتحذير من تداعياتها الخطيرة على الأمن العالمي.

 ووقع أكثر من 3000 مطور وعالم تكنولوجيا عريضة في مارس الماضي تطالب " بوقف أبحاث تطوير الذكاء الاصطناعي ستة أشهر لإتاحة الفرصة نحو مزيد من الحوكمة لهذا النظام ولضمان عدم تضرر البشرية منه".

وتتقدم بريطانيا الجهود العالمية للتحسيس بخطورة الذكاء الاصطناعي. ففي زيارته الأخيرة إلى واشنطن حمل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك مطالب إلى الرئيس الأميركي جو بايدن تهم أساسا الإسراع في مجال ضبط الذكاء الاصطناعي وإقناع المشرعين الأميركيين بوضع تشريعات تحد من مخاطره.

ومن واشنطن، أعلن سوناك عن استضافة لندن الخريف القادم قمة عالمية للذكاء الاصطناعي. وقال إن بلاده تقود الجهود لضمان "تسخير فوائد الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية". وأضاف: "يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانيات مذهلة لتغيير حياتنا نحو الأفضل، لكننا بحاجة للتأكد من تطويره واستخدامه بطريقة آمنة".

وتصاعدت في المملكة المتحدة الأصوات المنذرة بعواقب طفرة الذكاء الاصطناعي، ووصلت إلى حد سحب الحكومة لورقة أشادت بمزاياه دون ذكر عيوبه وسلبياته.

وفي ذات السياق، حذر جوناثان هول كيه سي، وهو من أكبر الخبراء القانونيين في بريطانيا، من أن "تهديد الأمن القومي بواسطة الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر وضوحا من أي وقت مضى، وأن مبتكري التكنولوجيا بحاجة إلى وضع نوايا الإرهابيين في الاعتبار عند تصميمها".

وأضاف أن " قوانين مكافحة الإرهاب لا تغطي روبوتات الدردشة الآلية". وحذر الخبير الذي يعمل كمراجع لمدى كفاية قوانين مكافحة الإرهاب من "أن التهديد الإرهابي حاليا في بريطانيا مرتبط بهجمات غير معقدة باستخدام السكاكين والمركبات لكن الهجمات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي قد تكون وشيكة".

وقد دخل جهاز الاستخبارات البريطاني MI5 في شراكة مع معهد آلان تورينغ لدراسة المخاطر المتنامية لمنتجات الذكاء الاصطناعي على الأمن القومي.

وضعت ثورة الذكاء الاصطناعي البشرية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة. لكن الفرص الواعدة التي يحملها هذا الابتكار المدهش يوازيها ما ينطوي عليه من مخاطر محدقة بالأمن العالمي. ولن يتورع تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة في توظيفه لخدمة مشاريعها الخاصة. ويضاعف من مخاطره أنه لا يتطلب خلفية تقنية ومعرفية عالية، بل فقط خيالا تخريبيا خصبا وأوامر بسيطة على لوحة المفاتيح.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام
السعودية تتعرض لانتقادات متكررة لاستخدامها المفرط لعقوبة الإعدام

تسبب تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطن السعودي، عبد المجيد النمر، بحالة من الصدمة لدى منظمات حقوقية وناشطين يقولون إن اتهام السلطات السعودية لرجل شيعي بـ "الارهاب والانتماء لتنظيم القاعدة" السني يطرح تساؤلات حول حيثيات ما جرى وعدالة الإجراءات القضائية في القضية.

ونددت المنظمة  الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، الاثنين، بإعدام النمر، واتهمت السلطات السعودية بـ "تزوير وثائق" تزعم انتماءه إلى تنظيم القاعدة.

وقال المحامي، طه الحاجي، المدير القانوني للمنظمة، غير الحكومية التي مقرها في برلين لموقع "الحرة": "المفارقة أن عبد المجيد النمر من الشيعة والقاعدة تنظيم سني، متطرف إقصائي يكفر الشيعة ولا يقبلهم".

والسبت، نفذت السلطات السعودية حكم الإعدام بحق عبد المجيد النمر (59 عاما)، وهو أب لأربعة أطفال متحدر من القطيف، وهي محافظة تسكنها غالبية شيعية تقع في شرق المملكة، بعدما دين بالانضمام إلى "خلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة"، على ما ذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

وقال الحاجي لموقع "الحرة": "راجعنا صك الحكم الابتدائي، ووجدنا أن لائحة الدعوى لا يوجد ذكر فيها أبدا لكلمة 'القاعدة'، وأنه متهم ببعض الأمور منها المشاركة في مظاهرات، واتهامات من قبيل المشاركة في مجموعة واتساب وتأجيره جزءا من مزرعة أخيه كورشة لأحد المطلوبين أمنيا".

وبحسب "صك الدعوى" الذي حصل موقع "الحرة" على نسخة منه، فإن النمر خدم في سلك شرطة المرور لمدة 29 عاما، قبل أن يتقاعد من الخدمة.

وصدر الحكم الابتدائي بحق النمر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجنه تسع سنوات، لكن محكمة الاستئناف نقضت هذا القرار وحكمت عليه بالقتل تعزيرا).

يقول الحاجي إن من البديهي ألا تصدر المحكمة حكما إلا بما يطالب به أصحاب الدعوى، "ومن المفترض قانونا أن محكمة الاستئناف تنظر في القضية بطلب من المدعى عليه حتى يتم تخفيف الحكم عليه، والغريب والعجيب أن النيابة العامة لم تطلب أصلا قتله ومع ذلك قتل"، مضيفا "نحن نتحدث هنا عن منظومة قضاء ومحاكمة غير عادلة".

ويصف الحاجي إعدام النمر بأنه "كارثي"، مبني على اتهامات "بسيطة وسخيفة" لرجل كبير في السن، اعتقل بعد سنتين من خروجه على المعاش".

ويقول الحاجي إن قضية النمر بدأت نتيجة "خصومة شخصية"، إذ إن النمر كان مسؤلا عن مسجد في منطقته، وكانت هناك إلى جانب المسجد "أرض وقف"، ادعى المسؤول عنها بأن مبنى المسجد تعدى على الأرض، فاستدعت السلطات عبد المجيد النمر، وأوقف قبل أن يتم الإفراج عنه، ثم استدعي مرة أخرى، وبقي معتقلا حتى إعدامه.

لكن وزارة الداخلية السعودية أفادت بأن النمر اعتقل لارتكابه "أفعالا مجرمة تنطوي على خيانة وطنه، وانضمامه لخلية إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي، وتمويله للإرهاب والأعمال الإرهابية وتأييده للفكر الإرهابي".

وأضافت في بيان أن النيابة السعودية وجهت له الاتهام بارتكارب تلك "الأفعال المجرمة"، وهو ما أدانته به المحكمة الجزائية المتخصصة التي حكمت عليه بـ"القتل"، وهو ما أيدته محكمة الاستئناتف الجزائية المتخصصة، والمحكمة العليا. 

أوراق القضية تضمنت أيضا اتهامات بتأجير النمر  مزرعة أخيه لأحد الموقوفين "مع علمه بتحويلها إلى تصليح سيارات بطريقة غير نظامية ووكر لعدد من المطلوبين"، كما جاء في الدعوى.

ويقول الحاجي إن المؤجر لم يكن مطلوبا لكن "كان هناك بعض المطلوبين الذين تلاحقهم الحكومة كانوا يجتمعون أو يلتقون في هذه الورشة من فترة لفترة بحسب أوراق القضية".

ويقول حاجي إن النمر طلب من المستأجر المغادرة عندما علم بوجود مخالفات.

وتشمل الاتهامات التي وجهتها السلطات السعودية لعبد المجيد النمر أنه أيد مظاهرات احتجاجية ضد إعدام قريبه رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، وأن مطلوبين حصلوا على طعام كان يشارك في إعداده في مأتم عاشوراء بمناسبة مقتل الإمام الحسين.

وحاول موقع "الحرة" الحصول على تعليق من السفارة السعودية في واشنطن بشأن انتقادات المنظمات الحقوقية، لكنه لم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذه التقرير.

يقول الحاجي إن السلطات اعتبرت توفير الطعام في محرم، وهو من ضمن الطقوس الشيعية في هذا الشهر، بأنه "تمويل إرهاب".

وقال الحاجي إن عبد المجيد النمر "لم يحمل السلاح ولم يقتل أحدا ولم يشارك في أي عمليات عنف".

"نكتة العصر"

ويصف مدير قسم الاستبداد في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط في العاصمة الأميركية واشنطن، عبدالله العودة، ما حدث في قضية عبد المجيد النمر بأنه "تناقض غريب" و"نكتة العصر".

وقال إن "السلطة تدعي أن الإرهاب انتهى وأن ولي العهد السابق كان يقتات ويحصل على الدعم الدولي بناء على ترويجه بأنه يحارب الإرهاب الداخلي وأنه تم القضاء على هذه الصفقة الفاسدة وبالتالي لا يوجد إرهاب منذ الإطاحة بولي العهد السابق"، في إشارة إلى محمد بن نايف الذي أعفي من منصبه بأمر ملكي عام 2017.

وفي عهد الأمير محمد بن سلمان، يقول العودة، إن السلطة في السعودية "كل يومين أو ثلاثة تعدم مجموعة جديدة بتهم الإرهاب في الوقت الذي تزعم فيه القضاء على الإرهاب، لذالك، هذا تناقض غريب".

ومنذ وصول الأمير محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد في 2017، تتبع السعودية أجندة إصلاحية طموحة تعرف باسم "رؤية 2030" تهدف إلى تحويل المملكة، التي كانت مغلقة سابقا، إلى وجهة سياحية وتجارية عالمية وتعتمد إصلاحات اجتماعية.

لكن ذلك يترافق مع استمرار قمع المعارضة، حيث تتعرض المملكة لانتقادات بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان والتضييق على الحق في التعبير على وجه الخصوص، وفقا لفرانس برس.

ويضيف العودة أن "السلطات تدعي الآن أن رجلا شيعيا من محافظة معروفة بالتدين الشيعي ينتمي إلى تنظيم القاعدة الذي يكفر الشيعة ويستهدف مجموعات بناء على الهوية الشيعية في مناطق مختلفة حول العالم، هذه نكتة العصر".

واعتبر أن "هذا الخلط الغريب للسلطة يكشف أولا عن استغلال مؤسسات الدولة من قضاء وإعلام لتبرير القتل والقمع، حيث أننا نشهد في عهد محمد بن سلمان أعلى معدل في تاريخ الإعدامات في الجزيرة العربية".

ولطالما تعرّضت المملكة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب عمليات الإعدام ونظامها القضائي.

وأعدمت السعودية بالفعل أكثر من 140 شخصا في العام 2024، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، علما أن السلطات نفذت 170 إعداما في 2023، 33 مها بحق أشخاص إدانهم قضاء المملكة في قضايا مرتبطة بالإرهاب.

وأعدمت السعودية هذا العام 20 شخصا دينوا بتهم مرتبطة بالإرهاب.

وكانت المملكة الخليجية أعدمت 74 شخصاً خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقال العودة: "هذه قضية صارخة وفاضحة لأن الملابسات التي عرضتها الدولة لا يقبلها المنطق فحسب بل لا تقبلها السردية الرسمية للأدوات الحكومية في الداخل".

"من أجل إخافة الآخرين"

واعتبر مؤسس منظمة "القسط" لحقوق الإنسان، العضو المؤسس لحزب التجمع الوطني، يحيى عسيري في حديثه مع موقع "الحرة" أنه "يبدو واضحا أن هناك تهورا بالحكم في قضية عبد المجيد النمر".

وقال: "المشكلة ليست مع عبد المجيد النمر، ولكن المشكلة أن كثيرا من الإعدامات تكون في حق الأقلية الشيعية ويبدو واضحا أنهم مستهدفون".

ويرى عسيري أن السلطة تسير على منهج إصدار أحكام كبيرة حتى لو كان هذا التصعيد للأحكام غير مبرر من أجل تخويف الناس".