يشهد مخيم "عين الحلوة" للاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ أيام اشتباكات مسلّحة بين عناصر من حركة "فتح" وآخرين من مجموعات إسلامية أدت إلى مقتل 11 شخصاً وجرح العشرات.
ويعتبر "عين الحلوة" أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأغلب سكانه من المدن الفلسطينية الساحلية، بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)،
كما يستضيف "عدداً كبيراً من لاجئي فلسطين النازحين من أجزاء أخرى من لبنان، وتحديداً من طرابلس، انتقلوا إليه خلال الحرب الأهلية اللبنانية وفي أعقاب أحداث مخيم نهر البارد عام 2007 التي شهدت اشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة (فتح الإسلام) المتطرفة".
وأدت الأزمة السورية المستمرة إلى وجود إضافي للاجئين السوريين ولاجئين فلسطينيين نزحوا من مخيماتهم في سوريا. وتقع مسؤولية الأمن والحوكمة في المخيم على عاتق اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية، والمخيم محاط بجدار ويسيطر الجيش اللبناني على وصول الناس ومواد البناء من خلال نقاط التفتيش، وفق "الأونروا".
ويتهم سياسيون لبنانيون المخيم بأنه "بؤرة لإيواء الهاربين من العدالة"، بما أنه غير خاضع للدولة اللبنانية ولا يمكن للجيش اللبناني أو القوى الأمنية اللبنانية الدخول إليه لجلب أو اعتقال المطلوبين.
من أشهر المطلوبين للعدالة الموجودين في مخيم "عين الحلوة" الفنان فضل شاكر الذي لجأ إلى المخيم بعد أحداث عبرا، التي شهدت مواجهات مسلحة بين مجموعات تابعة لـ"الشيخ أحمد الأسير" والجيش اللبناني، أدت لاحقاً إلى اعتقال الأسير، وكان شاكر مقرباً منه، وحالياً مطلوب بمذكرات توقيف إلى القضاء اللبناني.
ويعيش شاكر داخل المخيم منذ عام 2013، ويستقبل زواراً من الوسط الفني، كانت آخرهم الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب، ويصدر أغنيات وتصاريح إعلامية عبر مكتبه الإعلامي من داخل المخيم، آخرها كان بياناً ينفي الأخبار التي تتحدث عن إصابته خلال الاشتباكات الأخيرة التي شهدها المخيم.
ويُرجَّح أن تسمية "عين الحلوة" تعود إلى عين ماء عذبة كانت في المكان حيث أقيم المخيم، جنوب مدينة صيدا في جنوبيّ لبنان، بحسب ملف عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان نشرته "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" عام 2019.
وحسب الملف فإن المخيم الذي يوصف بأنه "عاصمة الشتات"، يعاني بسبب العشوائيات والكثافة السكانية والازدحام والفوضى، من أوضاع اجتماعية واقتصادية وصحية صعبة تؤثر بشكل كبير على حياة سكانه.
ويؤدي تقاسم التنظيمات المسلّحة لأحيائه، "بحيث بات كل حي محسوباً على تنظيم معيّن"، إلى تعريض المخيم بين فترات وأخرى لخضّات أمنية، ويدفع السكان ثمن وقوع اشتباكات داخله بين الحين والآخر، كما في الأحداث الأخيرة.
في كتابه "السلفي اليتيم- الوجه الفلسطيني للجهاد العالمي والقاعدة"(صدر عام 2011)، يقول الباحث والصحافي اللبناني حازم الأمين، إن "معظم اللاجئين في عين الحلوة، كما في مخيمات لبنان الأخرى هم من الجليل الأعلى، وعندما وصلوا إلى المخيم وأقاموا فيه عام ١٩٤٩ أطلقوا أسماء قراهم على أحيائه، وتوزعوا بينها وفقاً لقراهم التي اقتلعوا منها".
وستكون لتقسيمات المخيم هذه لاحقاً، كما يقول الأمين "وظيفة في توزّع الولاءات السياسية والعسكرية" لأبناء المخيم.
ويتطرق إلى حضور الحركات الإسلامية في المخيم، ودوره في الظهور الأول لـ"السلفية الجهادية" في لبنان منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً في أغسطس 1995، عندما أقدمت مجموعة تابعة لـ"عصبة الأنصار"، وهي جماعة أصولية سنيّة تأسست في عين الحلوة على يد "الشيخ هشام الشريدي"، على اغتيال رئيس جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش) "الشيخ نزار الحلبي".
وبما أن "السلفية الجهادية، يؤرخ بها بالوقائع وبالفعالية لا بالأفكار، فإن هذا الظهور عبر عملية الاغتيال يمكن اعتباره الخروج الأول للجماعة من المخيم (عين الحلوة) ومباشرتها الدعوة بالقتال"، بحسب الأمين.
يتابع في كتابه: "لمخيمات لبنان للاجئين الفلسطينيين خصائص كثيرة انفردت بها وتميزت عن غيرها من المخيمات في مناطق الشتات الأخرى. وهذا الأمر لم يفض فقط إلى تأخر وصول السلفية الجهادية اليها، بل أفضى أيضاً إلى اقتصار هذا الوصول المتأخر على تجنيد المقاتلين إلى العراق، من دون أن يتمكن الشتات اللبناني من تزويد الظاهرة بمشايخ ومفتين على غرار ما زودها به الشتات الأردني والكويتي".
ومن أسباب ذلك، يشرح الأمين "وجود منظمة التحرير الفلسطينية داخل المخيم بصفتها تعويضاً عن نقص في مركّب الهوية الوطنية، ما أدى إلى الحد من الخروج إلى رحاب الإسلام العالمي"، في تلك الفترة(حتى أواسط التسعينيات). ولكن استطاعت السلفية الجهادية أن تعوّض تأخرها عن الوصول عبر "الانتشار السريع لأفكارها وأنشطتها في المخيم منذ أواسط تسعينيات القرن الفائت". مستفيدة من ضعف منظمة التحرير آنذاك.
وتعتبر الاشتباكات بين الفصائل المسلحة داخل مخيم "عين الحلوة" أمراً شائعاً وتتكرر من حين إلى آخر، كما يشهد المخيم عمليات اغتيال وتصفية بين الفصائل أو داخل الفصيل الواحد عبر القتل بالرصاص أو بعبوات ناسفة.
في برنامج "لا تخبروا والدتي" Don’t tell my mother الذي يقدمه دييغو بونويل عبر شبكة "ناشيونال جيوغرافيكس"، حلقة عرضت قبل سنوات، يزور فيها بونويل لبنان، ويقصد مخيم "عين الحلوة" كواحد من الأماكن الخطرة في البلاد، على حدّ قوله، ويلتقي أحد مسؤولي حركة "فتح" العسكريين منير المقدح، ويرافقه في جولة مع مسلّحيه داخل الحي الذي يسيطر عليه في المخيم.
في الحلقة يقول بونويل إن "الجميع هنا (في المخيم) مسلّحون، وفيه على الأقل 21 فصيلاً مسلحاً"، وإن "العنف هو السائد هنا وعلى مدى سنوات أسفرت الاشتباكات عن موت الآلاف".
